الخطبة بعنوان التحذير من الكسل والحث على الجد والعمل، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 17 ربيع الآخر 1444هـ الموافق 11 نوفمبر 2022م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الخطيب أن الإسلام يحث المسلم على النشاط والسعي في طلب الرزق والجهاد مستشهداً بالقرآن والسنة. ويحذر من داء الكسل الذي يضعف الإرادة ويعد من صفات المنافقين المذمومة.
يستعرض المقطع أدلة قرآنية ونبوية تبين أن التكاسل عن الواجبات من علامات النفاق وأن النبي كان يستعيذ منه. ويوضح أن الكسل يحرم صاحبه الأجر والعلم والرزق ويجعله فريسة للشيطان.
يبين المقطع أن الاستعانة بالله والمداومة على الأذكار والعبادات هي سبيل القوة والنشاط. كما يرشد إلى تنظيم النوم والمباكرة لنيل البركة وطرد الكسل عن الدين والدنيا.
يختتم المتحدث بدعاء يسأل الله العون على ذكره وشكره وحسن عبادته. ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله وصحبه مختتماً بالتكبير والحمد.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن ديننا يدعو أن يكون المسلم ذا نشاط وجد وعمل، ويحذر من أن يكون ذا بطالة وكسل. فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. ففي أمر الآخرة أمر بالسعي؛ لأن الطاعات والقربات مأمور العبد فيها بالمسابقة والمسارعة، وأما في أمور الدنيا فأمر بالمشي؛ لأن المسلم يأخذ منها بقدر ما يعينه على أمر آخرته. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. وقد قرن الله عز وجل بين المشي والضرب في الأرض من أجل المعاش وبين الجهاد في سبيل الله، فقال سبحانه وتعالى: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أيها المسلمون، عباد الله، إن هذا الدين العظيم أمرنا أن نعمل وأن نعمر هذه الديار بما يكون فيه نفع لنا ولأمتنا ولأوطاننا. حث الشرع على الزرع، وعلى التجارة، وعلى الكسب الحلال الطيب، وما ذاك إلا لينعم أهل الأوطان بما هم عليه من الجد والنشاط والعمل. جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من زرع زرعًا أو غرس غرسًا فأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة كان له به صدقة». بل إن من مبالغة الشرع في التشجيع على العمل والجد والنشاط ما جاء أيضًا في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها». الله أكبر! أيها المسلمون، قال العلماء: هذا الحديث محمول على أمرين اثنين: إما على قرب قيام الساعة وذلك بظهور علاماتها الصغرى، وإما أنه محمول على الحث والتشجيع على الجد والاجتهاد والإعمار. أيها المسلمون، عباد الله، إن هناك داء عضالًا، هذا الداء يقعد المسلم عن الجد والنشاط والعمل، ويحرمه من كثير من الأعمال، ومن كذلك التقدم والازدهار. هذا الداء هو داء الكسل. الكسل الذي هو ضعف في الإرادة، يستطيع أن يعمل هذا العمل ولكن عنده ضعف في الإرادة، وهذا داء خطير. يا عباد الله، قد حذرنا الله سبحانه وتعالى منه في كتابه، وجعله علامة ودلالة على صفات المنافقين. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِن مِّنكُم لَّمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾. انظر إلى همة المتكاسلين، لا يحبون هذه الدرجات العالية. وكذلك قال ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾. ذم الله عز وجل هذا الداء العضال، وأنه ليس من صفات الجادين، وليس من صفات الصادقين، وليس من صفات المؤمنين. بل إن التثاقل عن الواجبات وعن الطاعات والتكاسل عنها إنما هو من صفات أهل النفاق. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا». "أثقل" من أفعل التفضيل، أي أنهم متكاسلون في جميع الصلوات، وأكثر ما يكون تثاقلهم وتكاسلهم في هاتين الصلاتين. أيها المسلمون، عباد الله، ولخطر هذا الداء كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ به في اليوم مرتين في صباحه ومسائه، فهو من أذكار الصباح والمساء. كما جاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا أصبح وإذا أمسى: «أصبحنا وأصبح الملك لله، والحمد لله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم إني أسألك خير ما في هذا اليوم وخير ما بعده، وأعوذ بك من شر هذا اليوم وشر ما بعده. اللهم إني أعوذ بك من الكسل وسوء الكبر. اللهم إني أعوذ بك من عذاب في النار وعذاب في القبر». يتعوذ عليه الصلاة والسلام من هذا الداء العضال في صباحه ومسائه، عليه الصلاة والسلام. أيها المسلمون، عباد الله، إن التكاسل والتثاقل يدل على استحواذ الشيطان لهذا المتكاسل، فإن الشيطان قد بال في أذنه، وقد عقد في قافيته. فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإن قام فذكر الله انحلت عقدة، وإذا قام فتوضأ انحلت عقدة، وإذا قام فصلى انحلت عقده الثلاث، فأصبح نشيطًا طيبًا نفسًا، وإلا فأصبح خبيثًا نفسًا كسلان». انظروا يا عباد الله إلى أثر الطاعة وإلى أثر العبادة في نشاط الإنسان، وفي علو همته، وفي كذلك إدراك مقصده. وكذلك عباد الله، جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذكر له رجل نام حتى أصبح ولم يصل، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ذاك رجل بال في أذنه - أو في أذنيه - الشيطان». لأنه كسلان لم يدرك هذه الفضيلة، لم يقم ليصلي فرضه، فهذا ممن استحوذ عليه الشيطان وتلاعب به. ولا حول ولا قوة إلا بالله. نسأل الله أن يعفو عنا وعنكم، وأن يغفر لنا، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، إن الكسل ليحرم صاحبه الفضائل الكثيرة والأعمال النافعة الجليلة. ولقد صدق من قال: الجد بالجد والحرمان بالكسل، فانصب تصب عن قريب غاية الأمل. فالحرمان يا عباد الله في الكسل، يحرمك هذا الكسل الأجر والثواب والأعمال الصالحة، يحرمك هذا الكسل العلم النافع والعمل الصالح، يحرمك هذا الكسل الرزق الطيب والمعيشة التي تعف بها نفسك وتعف بها أهلك، يحرمك هذا الكسل يا عبد الله من كل خير، والحرمان في الكسل. بل يحرمك هذا الكسل من العلم النافع الذي به صلاح دينك ودنياك. ولقد قال ابن الوردي رحمه الله تعالى في لاميته: «اطلب العلم ولا تكسل *** فما أبعد الخير على أهل الكسل». إن الخير على أهل الكسل يا عباد الله بعيد؛ لأنهم قد هبطت عزائمهم، وقد ضعفت قواهم عن الأعمال التي ترفعهم والتي تعزهم في الدنيا والآخرة. أيها المسلمون، عباد الله، إذا علمنا خطورة هذا الداء العضال، فاعلم أن هناك علاجًا لهذا الداء، متى ما تناولته ومتى ما تناولته وعملت به زال عنك هذا الكسل، وصرت من أهل القوة والجد والنشاط. فمن أعظم أسباب علاج الكسل: الاستعانة بالله والالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، فأنت في كل ركعة تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فاستعن بالله على زوال هذا الكسل، والجأ إلى الله، واستعيذ بالله من الكسل، وحافظ على أذكار الصباح والمساء، وعلى أذكار النوم. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقر ما قاله الشيطان لأبي هريرة: «إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لا يقربك شيطان». فالأذكار يا عباد الله لها أثر عظيم على القوة والنشاط والجد في الأعمال الدينية بل والدنيوية. جاء في الصحيحين أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم اشتكت إلى رسول الله ما تلقى من أثر الرحى في يديها، فطلبت من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يأتي لها بخادم يخدمها ويخفف عنها أتعاب هذه الأعمال. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ولعلي رضي الله عنهم أجمعين: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم؟ إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم». قال العلماء في هذا الحديث: إن ذكر الله من أسباب القوة والنشاط والإعانة من الله سبحانه وتعالى على القيام بأعمال الدين والدنيا. ذكر الإمام أحمد عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أنه قال: «من يتعبد يزدد نشاطًا، ومن يكسل يزدد فتورًا». ذكر هذا الأثر ابن كثير في البداية والنهاية، ثم علق عليه وقال: «وهذا أمر مجرب، فإن العبادة تزيد البدن قوة، وإن النوم يزيد البدن كسلًا» أو كما قال رحمه الله. فإياكم إياكم يا عباد الله أن تغفلوا عن ذكر الله في يومكم وفي ليلتكم وفي جميع شؤون حياتكم، فإن ذكر الله سبب للنشاط والقوة، وزوال وذهاب الكسل والفتور. وكذلك عباد الله، من أسباب علاج الكسل: أن تنام مبكرًا وأن تقوم مبكرًا، فهذا من أعظم أسباب القوة والنشاط؛ لأن الله عز وجل جعل الليل لباسًا، فمن جعل له حظًا وافرًا من نوم الليل قام مبكرًا نشيطًا طيبًا نفسًا؛ لأنه قد ارتاح جسمه وصفا ذهنه. أما أن تسهر إلى وقت متأخر من الليل فإنك تحتاج إلى أن تنام وقت المعاش، فتحرم من بركة البكور. فقد جاء عند الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد من حديث صخر الغامدي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اللهم بارك لأمتي في بكورها». وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا جهز سرية أو جيشًا جعله يمشي في البكور. وكان صخر الغامدي يعمل بهذا الحديث، وكان تاجرًا، فكان لا يرسل غلمانه إلا في البكور، فزاد ماله حتى ما استطاع أن يحفظه لكثرته، ما استطاع أن يحفظه. فإن أردت البركة في أي عمل ديني أو دنيوي، وأردت ذهاب الكسل، فاجعل ذلك العمل في أول النهار؛ فإنه بركة ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالحذر الحذر يا عباد الله من هذا الداء العضال، فإن نهايته الحسرة والأسف والندم. يقول ابن القيم عليه رحمة الله كما في كتابه بدائع الفوائد: «من نام على فراش الكسل أصبح ملقى بوادي الأسف». فالجد كله حركة، والكسل كله سكون. نسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد والله.