قل آمنت بالله ثم استقم  4

قل آمنت بالله ثم استقم 4

الدرس في قل آمنت بالله ثم استقم 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم الغلو في الدين وأسبابه وعواقبه

الغلو في الدين هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد، وقد حذّر الله ورسوله من هذه الظاهرة التي أدّت إلى هلاك الأمم السابقة.

أخطار الغلو في الأفكار والمذاهب وتأثيره على الأفراد

الغلو في الأفكار والمذاهب يؤدي إلى التكبر على الحق ورفض كلام الله ورسوله، ويستشهد بقصص تاريخية لأشخاص غلوا في أفكارهم ومعتقداتهم.

الغلو في الأشخاص وتجاوز الحد في التعظيم

الغلو في الأشخاص يؤدي إلى الضلال والكفر، حيث يرفع الشخص إلى مقام الربوبية، ويجب تعظيم الأشخاص بالحق دون تجاوز الحد.

ضوابط التعامل مع الأشخاص وميزان الشرع

ينصح بعدم تعظيم الأشخاص إلا إذا كانوا معظمين لكتاب الله وسنة رسوله، ويجب وزن الأعمال والأقوال والأحكام على ميزان الشرع.

  • 23 جمادى الأولى 1430هـ - 17/05/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فلنذكر -رعاكم الله- في هذا المقام بعضًا من أبواب الغواية وطرق الضلال، وذلك لكي نتعرف عليها ومن ثم نحذر منها. تعلمت الشر لا للشر، ولكن لأتقيه، ومن لم يعلم أو يعرف الخير من الشر يقع فيه. وذكرنا أن من السبل التي تجعل الناس ينحرفون بعد استقامة ويضلون بعد هداية من ذلكم الاغترار بالكثرة. الاغترار بالكثرة، وذكرنا كذلك من هذه الطرق الرفقة السيئة، أن تماشي من لا خير فيه، فإن الرفيق السيء والضال يسحبك إلى غضب الله جل وعلا. وهكذا في هذا المقام نذكر بابًا من أبواب الضلال، وهذا الباب يعتبر من أعظم الأبواب التي بها دخل الناس إلى الضلال. وما وقع الذي وقع من انحراف عند الكثير من الخلائق والجماعات إلا حينما طرقوا هذا الباب، وهو الغلو. ونعني بالغلو أي الغلو في الدين. اعلموا -عباد الله- أن هذه الظاهرة، ظاهرة الغلو، أن الواحد منا يغلو في أمر ما، فكونك تغلو وتعظم وتقدس هذا الأمر وتعطيه الحجم الذي ليس له، بل ترفعه عن قدره، فهذا الأمر نذارة شر. ومن تورط في هذا الأمر فليخشَ على دينه، ومن يسبب منه وليخشَ على استقامته أن تضيع عنه. ذكر ربنا جل وعلا في كتابه الآيات التي فيها التحذير من الغلو، قال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وقال ربنا جل وعلا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾. ربنا جل وعلا ينهى أهل الكتاب من أن يتصفوا بهذه الصفة الذميمة، ألا وهي الغلو. وإن كان الخطاب موجهًا لأهل الكتاب، لكن فيها كذلك تنبيه للمسلمين أن يتشبهوا بهذا الأمر، حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك من الدمار والهلاك في الدنيا قبل الآخرة. وهكذا في السنة حذر نبينا عليه الصلاة والسلام من هذا المرض، فقد جاء في مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وارضاه قال: قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». حكم نبينا عليه الصلاة والسلام على الهلاك بالهلاك، المتنطع هو: الذي يغلو كما ذكر العلماء هذا في تفاسيرهم لكلمة التنطع، أن يدخل فيها الغلاة، فحكم نبينا عليه الصلاة والسلام على الغلاة بالهلاك والدمار «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». فمن اقتولى بتنطع، من اقتولى بشيء من الغلو، فليحذر عن نفسه من هذا الحكم، أن يكون من الهالكين. وجاء أيضًا في السنن من حديث ابن عباس أن نبينا عليه الصلاة والسلام طلب من ابن عباس أن يأتيه بحصى الرجم، فقال ابن عباس والتقط حصى صغار كحصى الخذف، فلما جئت بهذه الأحجار إلى نبينا وضع نبينا الأحجار الصغار على يده، ثم قال: «من أمثال هؤلاء فارجموا، وإياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». بكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن هذه اللفظة «إياكم والغلو» ليست في هذه المسألة فقط، قال: بل هي عامة في الاعتقاد والأعمال والأقوال «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». أقبح عليه الصلاة والسلام أن من كان قبلنا من الأمم، ومن المجتمعات، ومن الديار ما أهلكوا وما دمرت إلا لما تعاطوا هذه الظاهرة، وهذا المرض، حينما كانوا من الغلو، غلوا في دين الله جل وعلا. ومعنى الغلو كما يذكر العلماء، قالوا: هو الإفراط، الإفراط بالتعظيم بالقول والاعتقاد. إذا عظمت شيئًا وهو ليس معظمًا، وأعطيته حجمًا الذي لا يستحقه، وأجعلت هذا القلب مليئًا تعظيمًا وتقديسًا لهذا الأمر الذي رفع، فقد أصبحت من الغلاة، سواء كان هذا بالقول أو كان هذا بالاعتقاد. واعلم -حفظكم الله- أن هذا الباب، أي باب الغلو، باب عظيم، والكلام فيه يطول، لكن حسبنا في هذا المقام أن نذكر شيئًا من صور الغلو، شيء من صور الغلو، وبه نضرب الأمثلة حتى يتضح هذا المقام. فمن صور الغلو أن يغلو الرجل في معتقد، أن تغلو في الأفكار، أن تغلو في المبادئ. رب رجل من المسلمين تطرأ أو يطرأ في ذهنه أو ينقدح في قلبه فكرة، فكرة، مبدأ، مذهب، معتقد، برنامج، شيء فكرة تكون في نفسه وتحسن هذا الأمر في قلبه وفي نفسه، أن هذا أمر شريف، وأن هذا الأمر عظيم، وفيه يستمسك بهذا المبدأ، فلا يتنازل عنه البتة، يناقش، يناظر، يجادل، يواجه، ينصح. يا عبد الله، هذا ليس من دين الله، هذه الفكرة، هذه المبدأ، هذا المذهب، هذا المعتقد ليس من شرع الله، ما يبالي بذلك، صم بكم عمي، يرى هذا الأمر، قال: هو الكل، الكل، بل ربما يحاج، قال: الله، قال: رسوله عليه الصلاة والسلام، يقول: لا، أأخذ بقول الله، ولا جاء رسوله، قال: قد وقع. متى هذا؟ حينما دب في نفسه الغلو، غلا في هذا الأمر. وهذا الذي أوقع الكثير من الفرق والجماعات على هذا الانحراف. تنظر إلى الجميع أو تنظر إلى معظم الفرق الضالة: أشاعرة، شيعة، قدرية، مرجئة، روافض، ترى أن الذي أوقعه في هذه الضلالة وفي هذا الانحراف الغلو. ما يذهب أو جماعة عندها فكرة تقول: هذا دين الله، تنافح من هنا وهنا، ما تبالِ بشيء، ما تتنازل قيد شعرة عن هذا المبدأ، ولو علموا أن دين الله في واد، وهذا المبدأ في واد آخر. ونحن معه، وانسمعوا. حديثكم -الله- إلى بعض النماذج من بعض رؤساء الفرق، كيف أنهم لما دب فيهم الغلو، ما الذي صار من دينهم ومن أمرهم؟ الضالة والفرق من أولئك نضرب مثلًا لبعض القدرية، عامر بن عبيد، هو معتزلي ويقول بالقدر. ومن ما اعتقده هذا عامر بن عبيد أن الله جل وعلا ما يعلم بالأشياء إلا إذا وقعت. ربنا ما يعلم بشيء، ربنا الآن ما يعلم بشيء، متى يعلم؟ إذا وقع الأمر، حينها ربنا يعلم فقط. فكرة رآها، سواء فاستمات عليها ونافح ودافع وجادل بالباطل على أن هذا هو المعتقد، أن الله ما يعلم بالأشياء إلا إذا وقعت. وهو أضل الضال، سنوضح قوله. قال: يا عمر، ما تفعل بما ثبتت الصحيح من حديث الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد». قال: يا عمر، هذا حديث عن رسولك، عن نبيك، يخبره ويخبر جميع الناس على أن الرجل في بطن أمه يأتي إليه الملك ويكتب له جميع الأعمال شقي وسعيد، الأمر قد تم، وغسفورك، وربنا قد علم بالنبي صلى الله عليه وسلم. يا عمر، فماذا قال هذا الخبيث؟ وانظر الغلو، ما يرى إلى هذا شيئًا عندهم، هذه الفكرة يستميت عليها، ويوشكها بكلام عن نبيه، فقال هذا الخبيث: «لو سمعته من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب لما قبلته، ولو سمعته من عبد الله بن مسعود لرددته، ولو سمعته من رسول الله لما قبلته، ولو سمعته من الله لقلت: يا رب، ما على هذا أخذت ميثاقنا». كفر، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «وهذا من أقبح الكفر، لعنة الله عليه». إن قال ذلك. طروا -عباد الله- إلى الجرأة على الصحابة وعلى السلف وعلى رسول الله، بل حتى على ربنا جل وعلا. هذا الخبيث لو سمعته بأذني أي رسول أمامي، رددت هذا الخبيث، وما سأخذ ذلك، بل يقول: ولو سمعته من الله لقلت: يا رب، ما على هذا أخذت ميثاقنا، أي: ليس هذا الذي بيني وبينك -يا رب- أن تلزمني بأوضع من مختنع به. انظر -عباد الله- يكفر متى؟ حينما دب في قلب هذا الشخص أي ماذا؟ الغلو في باب الأفكار والمبادئ. وهذا آخر، وهو جهم بن صفوان، وهو من رؤوس الجهمية، بل هو من مؤسسيها. ذكر ابن كثير وكمال الدين الذهب في العلو، وذكر وصحح هذه القصة شيخنا الألباني رحمه الله تعالى أن جهم بن صفوان رجل معروف، لا يقول باستواء إلا جل وعلا، ينكر أن ربنا قد استوى على عرشه، معتقد وقع في نفسه، ودافع ونافح بهذا الأمر، أن الله ليس مستويًا على عرشه. تتلى عليه الآيات والسنن، ما يبالي بذلك. ففي قصة هذا أنه كان يذكر ذلك لمن كان في المجلس، قال: كان جهم يقرأ القرآن، والقرآن في فجره، فقرأ سورة طه حتى بلغ عند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، عجيب، ما يستطيع هو يقول بأن الله ليس مستويًا على العرش، وربنا يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، فما الذي قاله قالبًا عنده؟ قال: «لو وجدت سبيلًا لحككت هذه من المصحف». بذل الكفر، يعني كان يدعم مع كلام الله. كذلك كان بشر -يحذف ويزيل- قال: «لو وجدت سبيلًا لحككت هذه من المصحف». أمسح، مسح، كأنه ما يعترض لكلام الله عز وجل. ما الذي أوقعه في ذلك؟ غلوه عنده، فكرة نافح ودافع، وما يريد أن يتزحزح عنها، ولو كان الخطاب من ربي جل وعلا. وهذا أقطع من المعتزلة، وهذا أقطع من الصوفية، وهو التلمساني، والتلمساني يعتبر من كبار المتصوفة، ومن مفكريهم، ومن منظريهم. وكان الصوفية الأول عندهم كتاب «فصوص الحكم»، وهذا الفصوص من قرأه، ومن استمع لكلام العلماء، فهو كتاب كفري، كتابه القول بالوحدة والاتحاد، وفيه باحة الشهوات، وفيه تأويل القرآن من أوله إلى آخره، كتاب كفر، حتى معي العلماء بالكفر. فكان هذا المبتدع التلمساني يعظم هذا الكتاب، سجعه، ناصره. قال: ويأتي اللساني، إن هذا الكتاب فيه شرك، ينصح. سمع من كلام العلماء في زمانه أن هذا الكتاب فيه من الشركيات، فما الذي قاله هذا الخبيث؟ والآن قد انتحر هذا الكتاب، يرى معظمًا، يعظمه، وجعله فوق كل شيء، بل حتى جعله فوق القرآن. ما الذي قال؟ قال: لما سمع العبارة، قال: «الفصوص فيه شرك»، قال: «القرآن كله شرك، والتوحيد في كلامنا ردة وكفر». ما ذال بكلام الله، صبح به، قال: «القرآن هذا الذي عندكم -أنتم تريدون- تفضل القرآن على كتابنا»، قال: «أجيب»، قال: «القرآن كله شرك، والتوحيد في كلامنا ردة وكفر». من الذي جره إلى أخلاق هذا؟ يقال ماذا؟ التطاول على جناب الرب، على كتابه وكلامه، هو الغلو، دب في قلبه التعظيم لما في هذا الكتاب، فاحتقر ما سواه. وهكذا يذكر كما بكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب «الفرقان بين الحق والباطل» أن أحمد بن أبي دؤاد، ومن رؤوس المعتزلة، رجل معتزلي، من اعتقاده أنه لا يقول بصفات الله جل وعلا. فمن الذي كتب؟ وكان قاضيًا في تلك الأزمان، فكان يكتب على أستار الكعبة: إيش يكتب؟ «قوة الآية، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير». لو هذا كتبه حج عليه -يا أحمد- هذا ربنا يقول: سميع، وأنه بصير، هذا من صفات الله، وأن تنكر ذلك، فما الذي فعل الخبيث؟ قال: «ليس كمثله شيء، وهو العزيز الحكيم». حذف في السميع، وحذف في البصير، تلاعب بكتاب الله. ما الذي جرى؟ الغلو -يا إخوان- هذا الذي يوقع بصاحب الأفاعيل، بل حتى أصحاب المذاهب، أصحاب المذاهب من تعمق في المذاهب، ونور وتصور أن هذا المذهب هو الكل في الكل، فإنه ما يرى كتابه ومذهبه إلا طوق كل شيء. ولهذا يقول بعض المتفقه: يقول: «كل آية، كل حديث يخالف مذهبنا، فهو إما مؤول أو منسوخ». انظر، هذا مذهب، مذهبنا هذا، مذهبنا، فإن وجدت آية أو وجدت حديثًا يخالف مذهبنا سروحكم هذه الآية، إما نتؤول أو أنا منسوخة، ما نعمل بها. لماذا؟ لأن المحكم هو هذا المذهب، ليرد كتاب الله، ويرد حديث الرسول، لا لشيء، لأن نفسه قد استماتت على هذا الأمر، وعلى هذا الأفهم. ولهذا العبادة فاحذروا. ولهذا قال: «إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». وهذا الذي وقع عند أصحاب الجماعات. تنظر إلى أصحاب التكفير، تنظر إلى أصحاب الحزبيات، تنظر إلى أصحاب ما هذا التفجير، وغير ذلك من هؤلاء. ما الذي جعله في هذا المنوال؟ نحن نعلم، والكل يعلم أن هذه الجماعات ما يظن الضال على حق، هذه سياسية، هذه اقتصادية، هذه تكفيرية، فيها باطل. الجماعات فيها باطل، تعال -عباد الله- يتحاكم إلى شرع الله، ما أحس، يتحاكم الكل يرى أنه ما هو عليه هو الصواب، وأنه دين الله، وأن ما سوى ذلك هو الضلال، بغض النظر عن حجة من حاجها في هذا الباب. وهذا -عباد الله- يدلك على عظم هذا المرض، وأن المرض متى ما استفحل في صاحبه يريده المهالك في الدنيا قبل الآخرة. وإن من المسلم أن يجعل الأذكار والمذاهب والآراء والمعتقدات كلها يجعلها على الكتاب والسنة، فما وافق الحق فبها ونعمة، ومن لم يوافق الحق فهو مردود، بل موضوع تحت أقدامنا، ولا كرامة. هذا الذي يفعله المسلم المؤمن. أما الغلاة فالعكس عندهم، القرآن والسنة على مذهبهم وعلى معتقدهم، فما وافق المذهب على العين والرأس، وما قال فالمذهب فهو مردود، يرمى به عرض الحائط، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الشاهد أن هذه صورة من صور الغلو، أن الرجل يغلو في المذاهب، ويغلو في الاعتقادات والأفكار. وصورة ثانية من صور الغلو، وهي الغلو في الأشخاص. الغلو في الأشخاص، الأولى أنك تغلو في فكرة، في معتقد، على أمر معنوي. أما هذا فإنك تغلو في ذات، في شخص. وهذا الباب من أعظم أبواب الضلال، ولهذا بواب المعلمي رحمه الله تعالى في «التنكيل»، وعلى هذا شيخنا مقبل في كتابه «رياض الجنة» قالوا: «باب من أوسع أودية الباطل، الغلو في الأفاضل، من أوسع أودية الباطل، الغلو في الأفاضل». إن أردت أن تبحث عن أوسع واد من أوادي من وديان الباطل، فاعلم أن هذا الباب هو من أوسع الأبواب، أنك تغلو في الأشخاص، وأن تغلو في الأفاضل. وهذا الغلو هي السمة البارزة عند أهل الكتاب، حينما قالوا: «عيسى بن الله»، وقالوا: «عزير بن الله»، هم أنبياء، وهم رسل، لكن هؤلاء تركوا مقام النبوة والرسالة، فجعلوا عيسى وعزير لهم من المقام ما يصل إلى مقام الرب جل وعلا. وعلى هذا الحال، وعلى هذه الشاكلة دب في هذه الأمة المحمدية هذا المرض، بين مئة الناس، من غلا في ذات النبي عليه الصلاة والسلام. نبينا مرسل من قبل رب جل وعلا، قل: «إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي». هذه المزية، نبينا ما هو إلا بشر كباقي البشر، لكن ربنا خصه بهذا الأمر، ألا بشر الوحي «إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليك، إنما إلهكم إله واحد». لكن بعض الناس مرتضى هذا المقام، يريد أن يبهر حبه، يريد أن يبهر تعظيم لنبينا عليه الصلاة والسلام، فما الذي فعله؟ فقام ونزع مقام النبوة ومقام الرسالة، وأعطى نبيه مقام الألوهية والربوبية، وجعل نبينا ربًا مع الله جل وعلا. وهذا واضح عند الكثير من العوام، وعند أهل الجهل. تعال واحد يستغيث برسول الله، بل من يقول: «يا الله»، يقول: «يا رسول الله، اغفر لي ذنبي، يا رسول الله، ارزقني، يا رسول الله، ارحمني». حتى قال قائلهم في المنظومة المشهورة يمدح نبينا فقال: «وإن من جودك وإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم». أي: جعل هذا الخبيث، وهذا الضال جعل أن الدنيا وما فيها، والآخرة كلها من ماذا؟ من تفضل نبينا عليه الصلاة والسلام، وأنا رسول الله من علمه علم اللوح، وعلم القلم. هذا كل من علم رسول الله عليه الصلاة والسلام. مع نبينا كما في الصحيح، قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». هذا الذي ينبغي أن يكون لنبينا عليه الصلاة والسلام، لأن ينفع من قدره، لأن يجعله مساويًا مع الله، يستغف بالله وبرسول الله، هذا لا يكون، بل هذا معتقد كفري أيضًا، أوقع الناس في هذا الباب أنهم غلوا في ذات النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى هذا كذلك تذهب وتجول بين الجماعات وبين الفرق، فرأيت أن كل واحد منهم نصب شخصًا فيستميت عليه، يعظمه في قلبه، يجعله الكل في الكل. وما أمر الشيعة أو قل وما أمر الروافض عن نبي بعيد. الروافض يدعون أنهم قد أحبوا أهل البيت، وعرضت هؤلاء علي بن أبي طالب، وأنهم عظموه، فبلغ من تعظيمهم أنهم غلوا فيه الغلو الذي يخرجهم عن الدين، ويخرجهم عن الملة. ومن تتبع لأقوال الشيعة أو الروافض في هذا الباب يسمع الزندقة التي فيها أنهم عظموا عليًا حتى جعلوه في مقام الرب جل وعلا. وأذكر في هذا المقام أن رجلًا من الروافض ألف أبياتًا شعرية يمدح فيها من لا يمدح الرب جل وعلا، بل يمدح علي بن أبي طالب. وهذه الأبيات باسمه «علي المزيدي»، علي المزيدي، رافضي خبيث. من هذه الأبيات يقول في مطلعها ينادي علي بن أبي طالب: «أبا حسن أبا حسن، أي: عين أبي طالب، أنت زوج البتول، وجنب الإله، ونفس الرسول، وبدر التمام، وشمس العقول، ومملوك ربي، وأنت الملك». دعاك النبي بيوم الغدير، ونص عليك بأمر الغدير، بأنك للمؤمنين أنت الأمير، وعقد ولايته قلدت إليك، تصير جميع الأمور، وأنت العليم لذات الصدور، وأنت المبعث من في القبور، وحكم القيامة بالنص لك، وأنت السميع، وأنت البصير، وأنت على كل شيء قدير، ولولاك ما كان نجم يسير، ولولاك لما دار الفلك، وأنت بكل البراية عليم، وأنت المكلم من كان في الرقيم، ولولاك ما كان موسى كليم». تلميذ، فسبحان من كونك. ثم قال في آخر بيته، قال: «سر اسمك في العالمين، فخبك كالشمس فوق الجبيل، فمن ذا كان، ومن ذا يكون، وما الأنبياء، وما المرسلون، ومن قلم اللوح، ما العالمون، وكل عبيد ما ملكك لك». ثم قال في آخرها، قال: «بك المسيدي علي دخيل، إذا جاء أمر الإله الجليل، ونادى المنادي الرحيل الرحيل، وحاشاك تترك من نادى بك». انظر -إخواني- هذا بيت كله كفر وردة، ما من صفة لله جل وعلا إلا جعل في من في علي بن أبي طالب. ما الذي أوقعه؟ ما الذي أدخله في هذه المهالك والكفريات؟ الغلو، كما قال القائل: «ربك للشيء يعمي ويصم». وهكذا ما نراه عند عباد القبور، عينما غلوا في الأولياء، قيل لهم: «هذا ولي»، فإذا بهم يعظمون هذا الولي في نفوسهم، حتى جعلوه أنه بمقام الرب جل وعلا، فيضاف حول قبره، ويستغاث به. وهذا مما لا يقف على من سار مع هؤلاء أو من تتبع أحوالهم. وهكذا العبادة، كم وتم وإلى هذه الأيام، وإلى هذه الأولى نرى ذلك، تأتي عند جماعة من الجماعات: يا عبد الله، إن قائد هذه الجماعة، وإن صاحب هذه الجماعة عليه من الزلات، من الله تعليم، فيه كذا، وفيه كذا، وفيه كذا، فإنك ما أنت وعدد الأخطاء عند قائدهم أو عند رئيسهم إلا وحمرت الأنوف، وغضبت الأفواه. لماذا تتكلم في صاحبنا؟ وإن كان صاحبهم ملك من السماء، ليس أي زلات، ولا أخطاء -يا عباد الله-. وأذكر في هذا المقام رجل ممن دب فيه الغلو، ذكر وغبر أن صاحبك، وأن شيخك فيه من الزلات والهنات والعثرات الكثير. والعلماء قد تكلموا به، كان ينبغي يقول: نعم، صاحبي فيه أخطاء، علوا عزيزي. ما الذي فعل؟ لما نصح كما قيل: «رفع وشمر عن ساعده، عن كوعه»، ثم قال: «أتنظرون إلى هذه العورة؟» قالوا: «نعم». قال: «فإني شايف إن شيخي يسير فيها». عياذ بالله، شيخك يسير في عورتك، بين دامك ونحرك، هذا لله ورسوله. الله عز وجل ورسوله الذي يكون في الجسد يكون في لحمك ودمك وعصبك، تكون معه في كل شيء، ما يكون شيئًا -يا عبد الله-. لكن الغلو رأى أن صاحبهم هو الكل في الكل، وأنه ما يتصف بسوء، ولا يتكلم في عرضه، ويتكلم بشيء من دينه، لأنه وسيلة المسلم، بل هو ملك من السماء. فحذّر -عباد الله- أن نعلم هذه القاعدة العظيمة، هذه القاعدة، السلف -رحمهم الله تعالى- أن «الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق». قبل أن تعظم أي شخص في قلبك، من شيخ، من ماذا؟ من علامة، من حبيب، من ولي، من فقير، لا تعظم أي أحد إلا إذا رأيته معظمًا لكتاب الله، وسنة رسوله، فتعظم التعظيم الشرعي، من الحب له، وتعطيه حقه، لا تجعل هذا الفقير، أو هذا الحبيب، أو هذا العلامة، أو هذا المتبع، أصحاب المذهب، أو رؤوس المذاهب: كأبي حنيفة، والشافعي، لا تجعل هؤلاء ما يكون لمنزلة الله، أو منزل رسوله عليه الصلاة والسلام. فإن من حكمة أنك تضع كل شيء في موضعه، وفي قدره. فالشاهد -رعاكم الله- وهذا الباب يطول، وصور الغلو كثيرة، من ذلك الغلو في المعاملة، والغلو في الأحكام، والغلو في العبادات. وليس هذا المقام مقام التفصيل، لكن حسبنا أن نفهم إشارة، ولمحة أن من كان في نفسه، وفي قوله، وفي معتقده الغلو لبعض الأمور الدين، فليعلم أن هذه ماذا؟ بشارة نذارة، وأنها تنذر بخطب خطر عظيم يهدد دينك -عبد الله-. فإن الأعمال والأقوال والأحكام والأشخاص كلهم يوزنون على ميزان الشرع. فأسأل -نور جل وعلا- أن يرفع بما كنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وقال الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.