الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع وجوب الطمأنينة في السجود والجلوس بين السجدتين عند جمهور العلماء، مستدلاً بحديث المسيء في صلاته، ويرد على قول الحنفية والمالكية بعدم اشتراط الجلوس الكامل، مرجحاً قول الجمهور بالدليل.
يستعرض المقطع أركان الصلاة من طمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال والجلوس، ووجوب قراءة الفاتحة، مبيناً أن حديث المسيء صلاته دليل على هذه الأركان، وأن ما لم يُذكر فيه لا ينفي وجوبه بل تثبته أدلة أخرى.
يفصل المقطع الواجبات المتفق عليها كنية وقعود أخير، والمختلف فيها كتشهد أخير وصلاة على النبي، ويستخلص فوائد تربوية وفقهية: الرفق بالتعليم، وجوب إعادة الصلاة الباطلة، عدم قضاء ما مضى لجهل، وأن الأفعال غير المذكورة في الحديث مستحبة.
يقرر المقطع أنه إذا عجز المصلي عن قراءة الفاتحة أو غيرها من القرآن، جاز له قراءة ما تيسر، فإن لم يستطع أتى بالذكر، وتصح صلاته بذلك.
بسم الله الرحمن الرحيم وهو جبهته حتى تطمئن مفاصله وتسترخي. عن رواية إسحاق بن أبي طلحة: أي في حديث رفاعة بن رافع، هو عن خلاد بن يحيى عن عمه رفاعة، أو خلاد بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه. وهذا الحديث: «ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه وجبهته حتى تطمئن مفاصله». في هذا الحديث: السجود، وجوب السجود، أي أنه ركن من أركان الصلاة. وهذا الاختلاف فيه، وأيضا الطمأنينة في السجود. الطمأنينة في السجود، والطمأنينة كما قلنا هي بقدر تسبيحة، يطمئن في السجود. قال: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً». جاء بالأمر لهذا. مذهب جمهور أهل العلم أن الطمأنينة أيضا في السجود، والركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، كلها أركان. قال: ودل على وجوب القعود بين السجدتين. وفي رواية النسائي: «ثم يكبر فيرفع رأسه حتى يستوي قاعداً على مقعدته ويقيم صلبه». قال: في رواية: «فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى». عن الافتراش، فالقعود بين السجدتين ركن أيضا من أركان الصلاة عند جمهور أهل العلم. ركن عند الجمهور، وخالفت الحنفية، وكذلك أيضا مالك. قالوا: لا يشترط الجلوس، وإنما إذا قرب من الجلوس يكفي. إذا قرب من الجلوس يكفي. أنا مثل بعضهم تجد يسجد ويرفع ويسجد دون أن يجلس، فهذا خطأ. فعلى قول أبي حنيفة ومالك يجوز، لكن لا دليل لهم. وهنا في الحديث قال: لما ذكر السجود قال: «ثم اسجد حتى تطمئن جالساً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً». أنا لابد أن يجلس ويطمئن في الجلوس. ولهذا فقول مالك ليس بصحيح، ولا قول أبي حنيفة. فأبو حنيفة عنده الطمأنينة ليست بركن، وكذلك الاعتدال عنده ليس بركن، والجلوس بين السجدتين ليس بركن. لهذا ذكروا قصة حصلت عند بعض سلاطين الحنفية، وظهر أنه محمود بن سبكتكين، وكان حنفياً ولكنه يحب السنة وتأثر أيضا بالعقيدة الأشعرية. المهم أنه حكي عن، حكي له أن رجلا من الفقهاء يدين المذهب الحنفي وكذا، فاستحضره إليه، فقال له: «أن تقول كذا وكذا وتدين المذهب الحنفي». قال: نعم. معنى صلاتهم غير صلاة الناس. فقال: كيف ذلك؟ قال: سأصلي لك صلاة الحنفية وأصلي لك صلاة الشافعية. فقام يصلي، فقام يصلي صلاة الحنفية يسرع، أنه ما عندهم طمأنينة، فكان يسرع. وإذا ركع معقباً يسجد بس، وإذا سجد معقباً يجلس، يسجد الثاني بسرعة، وآخر شيء أحدث وخرج. لأن الحنفية عندهم أنه يخرج من الصلاة بأي شيء، ما يشترط أن يخرج بالسلام، يخرج بأي شيء، مثلا يتكلم، يحدث، يسلم، المهم يخرج بأي شيء. فأخرج بالحدث. فضحك هذا السلطان من هذه الصلاة، فقال: لعلك تفتري عليهم. قال: لا، هذا في كتبهم. طيب. وظاهر حديث المسيء في صلاة أنه أيضا أخل بالطمأنينة، يعني ليس هناك ما يدل على ذلك. هذا دليل صريح. بعض الناس يظن أنه يقول أن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا دخل وأسرع في صلاة، لا، ما في في الله حديث أنه أسرع في صلاة، لكن ظاهر الحديث يدل على هذا، ظاهر الحديث يدل على هذا الإسراع، لأنه شدد عليه في الطمأنينة. قال: «ثم فاسجد واطمئن ساجداً وعقد». فالركوع والاعتدال وغير. وجاء في البخاري عن حذيفة أنه رأى رجلا يصلي ويسرع في الصلاة، لا يقيم ركوعها ولا سجودها، فقال له بعد أن انتهى من الصلاة: «منذ كم أنت تصلي هذه الصلاة؟» قال: لا أعرف إلا هذه الصلاة. قال: «فإنك إن مت مت على غير الفطرة، وأن الله عز وجل لا يتقبل منك هذه الصلاة». فكان يسرع في صلاة. فلهذا الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، سواء كان في الركوع أو السجود أو الاعتدال أو الجلوس بين السجدتين. قال: وقوله في رواية: «فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى». فدل على مشروعية القعود بين السجدتين بافتراش اليسرى. واسياتي أيضا أن حديث أبي حميد السعدي. قال: ودل على أنه يجب أن يفعل كل ما ذكر في بقية ركعات الصلاة إلا تكبير الإحرام، فإنه معلوم أن وجوبها خاص بالدخول في الصلاة أول ركعة. ودل على وجوب القراءة في كل ركعة، وعلى ما عرفت من تفسير ما تيسر من الفاتحة، فتجب الفاتحة في كل ركعة، وتجب قراءة ما شاء معها في كل ركعة. وهذا قد تقدم كلام عليه، ويأتي الكلام على وجوب ما عدا الفاتحة في الأخريين والثالثة من المغرب. قال: وأعلم أن هذا حديث جليل، تكرر من العلماء للاستدلال به على وجوب كل ما ذكر، كل ما ذكر فيه، وعدم وجوب كل ما لم يذكر فيه. أما الاستدلال على أن كل ما ذكر فيه واجب، فلأنه ساقه صلى الله عليه وسلم بلفظ الأمر بعد قوله: «لا تتم الصلاة إلا بما ذكر فيه». هذا على رواية حديث رفاعة. قال: وأما الاستدلال بأن كل ما لم يذكر فيه لا يجب، فلأن المقام مقام تعليم الواجبات في الصلاة، فلو ترك ذكر بعض ما يجب لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة. أما ذكر ما ذكره أنه فيه ذكر الواجبات فهذا صحيح، أما عدم وجوب كل ما لا يذكر لا يذكر فيه فهذا ليس صحيح، لأن هناك جاءت أشياء فيها أوامر. فلهذا فلو قيل هذا معناه أن كل ما لم يذكر في حديث المسيء لا يصح أو لا يكون واجبا، وهذا ليس صحيحا. لكن الصلعان يقول: أننا نقول هذا، فما ذكر فهو واجب، وما لم يذكر فليس بواجب. وما ذكر بعد ذلك من الواجبات فيقول أنها ذكرت بأدلة خاصة، وأيضا كأنه يرى أن هذا منسوخ، وهذا ليس صحيحا. فذكر الشيء في معنى لا يدل على عدم ذكر ضده أو ذكر غيره. وكما يقولون: ذكر أفراد العام لا يدل على حصر العام كله. وأيضا ذكر الشيء لا يدل على عدم غيره. فذكر مثل هذه الواجبات لا يدل على أن هناك أو ليس هناك واجبات غير ذلك. ولهذا اتفق العلماء أن هناك واجبات لم تذكر في حديث المسيء كما سيذكرها المؤلف رحمه الله، وهي واجبات متفق عليها. قال: فلو ترك بعض ما يجب لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز بالإجماع. فإذا حصرت ألفاظ هذا الحديث الصحيح أخذ منها بالزيادة، أخذ منها بالزيادة. معنى الذي زاد في الروايات يأخذ. ثم إن عارض الوجوب الدال على ألفاظ هذا الحديث أو عدم الوجوب دليل أقوى منه عمل به. أن إذا جاء دليل على وجوب بعض الأشياء الأخرى يعمل به. وإن جاء صيغة أمر بشيء لم يذكر في هذا الحديث احتمل أن يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب، واحتمل البقاء على الظاهر، فيحتاج إلى مرجح للعمل به. إذا جاء أمر لكن أمر ليس شديدا لا يدل على قوة هذا الأمر، يعني ليس الأمر قوي قوي، مثلا مثل تكبيرة الإحرام، معناه يقول تحريمها التكبير، أو «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، أو «إنما الأعمال بالنيات» النية، فهذا أمر قوي جدا. فإذا جاء أمر ليس بالقوي ممكن أنه يحمل على الندب، يحمل على الندب لأنه لم يذكر في هذا الحديث، ويحتمل أن تكون هناك قرينة ترجح الوجوب، تأتي مثلا شيء أيضا حديث آخر يرجح. أو النهي كذلك، مثلا نهي عن نظر إلى السماء، جاء حديث شديد، فلهذا صرح بعض بالتحريم. قال: أن الواجبات المتفق عليها لم تذكر في هذا الحديث: النية. قلت: كذا في شرح، ولقاء لن يقول: قوله «إذا قمت إلى الصلاة» دال على وجوبها. أنا أقول: للنبي صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل: «إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء». فقوله: «إذا قمت إلى الصلاة» مثل قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾. فاستخرج العلماء من هذا: إذا قمتم، أي نويتم هذه الصلاة وأنتم محدثون، فالنية موجودة في الآية وموجودة في الحديث. قال: إذا ليس، وإذ ليس النية إلا القصد إلى فعل الشيء. وقوله: «فتواضع قاصداً له». ثم قال: القعود الأخير، أي من الواجبات المتفق عليها ولم يذكره في الحديث. ثم قال: من المختلف فيه: التشهد الأخير، والصلاة على النبي فيه، والسلام في آخر الصلاة. أيضا السلام، وتحليل هذا التسليم هو قول جمهور على أنه ركن، والتشهد الأخير أيضا هو قول جمهور على أنه ركن، لما جاء بالأوامر فيه. وأيضا وإيضا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم آخر، وإنه آخر، وإنه ركن، وإنه وإنه وإنه وإنه واجب، وإنه واختاره جماعة من أصحابه، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجب وليست بركن. طيب، إن شاء الله نكتب هناك بعض المسائل أيضا في الحديث. من هذه المسائل: أن مشروعية حسن التعليم، وطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأن يكون بطريقة سهلة ميسرة، النبي صلى الله عليه وسلم علمه الصلاة دون أن يعنف عليه. وأيضا من هذه: أن من أتى بصلاة غير صحيحة يقال أنها ليست صحيحة ويؤمر بالإعادة. من جاء بصلاة غير صحيحة يؤمر بالإعادة. وأيضا كذلك فيه: أن من أتى بعبادة على وجه غير صحيح جهلا ومضى زمنها فإنه لا يطالب بها. قال: لا يقال اقض هذه تلك الصلوات التي صليتها اقضها، لا، مادام أنه قد صلاها لكن صلاها على طريقة غير صحيحة فإنه لا يقضيها، كما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل أن يقضي هذه الصلاة. وأيضا من هذه الفوائد: أن الاستفتاح والتعوذ والبسملة ورفع اليدين وغيرها كل ذلك يعتبر من المستحبات، لأنها لم تذكر في هذا الحديث ولم يأت فيها وجوب، لم يأت فيها أمر. وأيضا فيه: أن المعلم يبدأ بالواجبات، فلا هم، النبي صلى الله عليه وسلم علمه الواجبات. وفيه أيضا: أنه تصح الصلاة إذا لم يستطع أن يقرأ القرآن أو يقرأ الفاتحة، يقرأ غيرها من القرآن، وإن لم يستطع يقرأ أو يذكر الله. طيب هذا ما يذكر فوائد، ونكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.