الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المقطع شروط الإمام الشافعي لقبول الحديث المرسل من حيث الراوي والمتن، مشترطاً أن يكون المرسل من كبار التابعين الثقات الذين لا يروون عن غير مقبول ولا يخالفون الحفاظ، مع اشتراط وجود عاضد للمتن كإسناد الحفاظ الثقات له من وجه آخر. كما يوضح الفرق بين صحة المرسل ذاتياً والاحتجاج به شرعاً، مبيناً درجات تقويته بموافقة المسند أو مرسل آخر أو قول صحابي، ويرد على اعتراض ابن سريج في ذلك.
يفصل المقطع الشرط الرابع لقبول المرسل وهو عمل عامة العلماء به، ويعدد أنواع العاضدات كالمسند والمرسل الآخر وقول الصحابي واتفاق الفقهاء، محذراً من احتمالات الغلط في رفع الموقوف. ويختتم بنقل توثيق الشافعي لمراسيل سعيد بن المسيب لثقته وانضمام القرائن إليها.
يؤكد البيهقي في مؤلفاته صحة قول الشافعي في حجة المرسل، وينكر على إمام الحرمين الجويني قصر الحجة على مرسل ابن المسيب فقط. ويشير البيهقي إلى غفلة الجويني عن رواية الربيع بن سليمان عن الشافعي التي تثبت خلاف قوله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه. أما بعد: قال المصنف -رحمه الله- في «المحافظة» بالرجب: بعدما ذكر كلام الشافعي، قال: وهو كلام حسن جدا، ومضمونه هنا: أن الحديث المرسل يكون صحيحا ويقبل بشروط، منها في نفس المرسل، وهي ثلاثة: أن لا يعرف له رواية عن غير مقبول، الرواية من مجهول أو مجروح. يعني: لا يعرف رواية، أي أنه ليس من أن يكون من من يتحرى، وليس من من لا يتحرى. وثانيها: أن لا يكون من من يخالف الحفاظ إذا أسند الحديث فيما أسندوه. وإن كان من من يخالف الحفاظ عند الإسناد لم يقبل مرسله، وإذا كان يخالف الحفاظ دل على ضعفي حفظه. قال: وثالثها: أن يكون من كبار التابعين. قال: من كبار التابعين، فإنهم لا يروون غالبا إلا عن صحابي أو تابعي كبير. لكن هذا ما أظن أنه في كلام الشافعي. الشافعي قال: «فمن شهد أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من التابعين فحدث حديثا منقطعا عن النبي صلى الله عليه وسلم، اعتبر عليه بأمور». فأما من بعد كبار التابعين، فلا أعلم منهم أحدا يقبل مرسله لأمور. طيب. قال: وثالثها: أن يكون من كبار التابعين، فإنهم لا يروون غالبا إلا عن صحابي أو تابعي كبير. لكن في بداية كلامه لم يميز. وأما غير من صغار التابعين بعدهم، فانتشرت في أيامهم الأحاديث المستحيلة، وهي الباطلة الموضوعة، وكثر الكذب حينئذ. فهذه الشرائط من يقبل إرساله، من يقبل إرساله قبل. وبعدهم انتشرت، فانتشرت في أيامهم، توسعوا في الرواية، خطأ كبير. قال: فهذه شرائط من يقبل إرساله. أنا هذا من ناحية المرسل. وأما الخبر الذي يرسله، فيشترط لصحة مخرجه وقبوله أن يعضده ما يدل على صحته، وأن له أصلا. والعاضد له أشياء: الأظهر أنه يريد بكبار التابعين: من روى عن كثير من الصحابة. والأظهر يدخل فيه أوساطهم، لأنهم يقولون: إن كبار التابعين من يروي عن العشرة، وعن أكثرهم. قال: قال حده، وهو أقواها: أن يسنده الحفاظ المؤمنون من وجه آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام، بمعنى ذلك المرسل، فيكون دليلا على صحة المرسل، وأن الذي أرسل عنه كان ثقة. وهذا هو كلام ظاهر. قال: وهذا هو ظاهر كلام الشافعي: أن أولا من الشروط أن يسنده الحفاظ المؤمنون، يسندوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يدل على أن المرسل هذا صحيح. قال: وحينئذ فلا يرد على ذلك، وحينئذ فلا يرد على ذلك ما ذكره المتأخرون: أن العمل حينئذ إنما يكون بالمسند دون المرسل. وأجاب بعضهم بأنه قد يسنده من لا يقبل بانفراده، فينضم إلى المرسل فيصحه، فيحتج به حينئذ. وهذا ليس بشيء، فإن الشافعي اعتبر أن يسنده الحفاظ المؤمنون، وليس من أن فرد أو لا يقبل بانفراده، بل قال: الحفاظ المؤمنون. وكلامه إنما هو في صحة المرسل وقبوله، لا في الاحتجاج للحكم الذي دل عليه المرسل، وبينهما فرق. معنى المراد: أنه في صحة المرسل هذا يعتد بالمسند. أما من ناحية الاحتجاج، فلا شك أنه يحتج بالمسند. وأما إذا لم يخالف معنى، فالمرسل مثله. وأما إذا فيه شيء من الخلاف في المعنى، فالحجة هو المسند. قالوا: بعد أن قمت هذه، وجدت أبا عمر بن الصلاح قد سبق إليه في كلام أحمد إيماء إليه. أينه ذكر حديث رواه خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابن عباس، فقيل له: سمع أبو قلابة من ابن عباس ورآه؟ قال: لا، ولكن الحديث صحيح عنه، يعني عن ابن عباس. وأشار إلى أنه هو، يعني ابن عباس، من وجوه أخر. هنا يقول: أبو قلابة لم يسمع ابن عباس. في تلك القصة التي رواها الأوزاعي، يقولون: أبو قلابة صاحب ابن عباس. وهذا يدل على أنه ليس صحيحا: أبو قلابة صاحب ابن عباس. لعله صاحب أنس. أبو قلابة يروي عن أنس بن مالك، ما يروي عن ابن عباس. قال: ثم وجدت في كلام العباس بن سرج في رده على أبي بكر بن داود ما اعترض به على الشافعي: أن مراد الشافعي أن المرسل للحديث يعتبر أن توجد مرسله وتوافق ما أسنده الحفاظ المأمونون، فيستدل بذلك على أن لمراسله أصلا. فإذا وجدنا له مرسلا بعد ذلك قبل، وإن لم يسنده الحفاظ. وكأنه يعتبر أن يوجد الغالب على مراسله ذلك، على مراسله ذلك. إذا كان معتبرا في جميعها، لم يقبل له مرسل حتى يسنده الثقات، فيعود الإشكال. قد يقول ابن سريج: أن المراد من كلام الشافعي أنه إذا وجد حديثا مرسلا، وجاء مسندا من طريق أخرى، فمعنى ذلك أن حديثه مقبول، ومراسيله مقبولة، ونعمم المراسيل كلها. فقال: وهذا الذي قال ابن سريج مخالف لما فهم الناس من كلام الشافعي، مع مخالفته لظاهر كلامه، والله أعلم. لكن في كلامه ما يدل على ذلك: من أن من يتحرى بالرواية ليس كمن لا يتحرى بالرواية. قال: وثانيا: يوجد مرسل آخر موافق له عن عالم يروي عن غير من يروي عنه المرسل، بخلاف ما إذا كان المرسل الثاني لا يروي إلا عن من يروي عنه الأول، فإن الظاهر أن مخرجه واحد، لا تعدد فيه. وهذا الثاني أضعف من الأول. والثالث: لا يوجد شيء مرفوع يوافقه، لا مسند ولا مرسل، لكن يوجد ما يوافقه من كلام بعض الصحابة، فيستدل به على أن المرسل أصلا صحيحا أيضا. لأن الظاهر أن الصحابي إنما أخذ قوله عن النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا كما قلنا: إذا كان فهم منه ذلك. أما إذا فهم منه أنه موقوف، ومن كلام الصحابي، ولا يتعدى الصحابي، فهذا ليس المراد. قال: والرابع: لا يوجد للمرسل ما يوافقه، لا مسند ولا مرسل ولا قول صحابي، لكن وجد عامة العلماء على القول به، فإنه يدل على أن له أصلا، وأن مستندين في قولهم إلى ذلك الأصل. فإذا كان فتوى العلماء على ذلك، دل على أن له أصل. قال: فإذا وجدت هذه الشرائط دلت على صحة المرسل، وأن له أصلا، وقبل واحتج به. ومع هذا فهو دون المتصل في الاحتجاج. فإن المرسل إذا اجتمع فيه هذه الشرائط، فإنه يحتمل أن يكون في الأصل مأخوذاً عن غير من يحتج به. ولو عضده حديث متصل صحيح، لأنه يحتمل أن لا يكون أصل المرسل صحيحا. وإن عضده مرسل، فيحتمل أن يكون أصله واحد، وأن يكون متلقى غير مقبول الرواية. ولهذا قال: يكون التابعي هذا يروي غالبا عن غير مشايخ الأول. قال: وإن عضده قول صحابي، فيحتمل أن الصحابي قال برأيه من غير سمع من النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يكون في ذلك ما يقوي المرسل. ويحتمل أن المرسل لما سمع قول الصحابي ظنه مرفوعا، فغلط ورفعه. ولهذا كثيرا ما يضعف العلماء المرفوع بالموقوف، لأن كثيرا من الرواة يهم فيجعل الموقوف مرفوعا. قال: ثم إرساله لم يسم الصحابي، فما أكثر ما يغلط في رفع الموقوفات. قال: وإن عضده موافق قول عامة الفقهاء، فهو كما لو عضده قول الصحابي، وأضعف. فإنه يحتمل أن يكون مستند الفقهاء اجتهادا منهم، وأن يكون المرسل غلط ورفع كلام الفقهاء. لكن هذا في حق كبار التابعين بعيد جدا. أما من بعدهم، فقد يحصل لهم مثل هذا: أنه يرفع من كلام الفقهاء، مثل ما كان يفعل شريك النخعي، يذكر كلاما من كلام الفقهاء ويجعل حديثا. وقال الشافعي أيضا في كتاب الرهن الصغير: وقد قيل له: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعا، ولم تقبلوا عن غيره؟ قال: لا نحفظ لابن المسيب منقطعا إلا وجدنا ما يدل على تسديده، ولا أثر على حد عرفنا عنه إلا عن ثقة معروف. فمن كان مثل حاله قبلنا منقطعا. كأنه تتبع هذه المقطعات فوجدت لها أصل. قالوا: هذا موافق لما ذكره في الرسالة، فإن ابن المسيب من كبار التابعين، ولم يعرف له رواية عن غير ثقة، وقد اقترن بمراسيله كلها ما يعضدها. قالوا: قد قرر كلام الشافعي هذا البيهقي في مواضع من تصانيفه، كالسنن والمدخل، ورسالته إلى أبي محمد الجويني، وأنكر فيها على الجويني قوله: لا تقوم الحجة بسوى مرسل ابن المسيب، وأنكر صحة ذلك عن الشافعي، وكأنه لم يطلع على رواية الربيع عنه التي قدمنا ذكرها، بما فعله.