التعليق على شرح علل الترمذي 43

التعليق على شرح علل الترمذي 43

الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الاحتجاج بالمرسل ومنزلة مراسيل إبراهيم النخعي

يناقش المقطع القول الثاني في الاحتجاج بالمرسل مركزاً على مراسيل إبراهيم النخعي التي وثقها أحمد وابن معين واعتبرا أكثرها صحيحاً خاصة ما رواه عن ابن مسعود. ويستثني حديثين هما تاجر البحرين والضحك في الصلاة مبيناً أن حديث الضحك مرسل أبي العالية لا النخعي وضعفه الشافعي ورجّح ابن معين سعيد بن المسيب في المراسيل على النخعي وسالم والقاسم.

أقوال العلماء في حجية المرسل وحال رواة إبراهيم النخعي

يتناول المقطع توثيق بعض رواة إبراهيم النخعي المجهولين مثل هاني بن نويرة وقردع الضبي ثم يستعرض خلاف العلماء في حجية المرسل. حيث يراه الإمام أحمد وأبو حنيفة ومالك حجة بينما تكلم فيه الشافعي وتبعه أحمد في التطبيق العملي ونقل عن سفيان الثوري والأوزاعي الاحتجاج به قديماً.

الفرق بين منهج المحدثين والفقهاء في الاحتجاج بالمراسيل

يوضح المقطع أن المراسيل تُحتج بها عند عدم وجود مسند لكنها ليست بقوة المتصل ويبين الفرق بين المحدثين الذين يشترطون اتصال الإسناد والفقهاء الذين يكتفون بصحة المعنى المدلول عليه بالقرائن. كما ينقل أقوال الأئمة كالأشعث وأحمد وابن المديني في تقوية مراسيل الثقات وينفي أن يكون الشافعي أول من لم يحتج بالمرسل مستشهداً بابن سيرين والشعبي.

حكم المرسل وشروط الاحتجاج به وقوة القرائن

يُبيّن المقطع أن المرسل ضعيف في الأصل إلا أنه يُحتج به إذا اعتضد بقرائن تقوِّيه مع الإشارة إلى قلة مراسيل الرواة. ويختم ببيان الضابط العام لقبول المرسل من عدمه في ضوء قوة القرائن المحيطة به.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: القول الثاني في المسألة: الاحتجاج بالمرسل. وحكاه الترمذي عن بعض العلماء، وذكر كلام إبراهيم النخعي أنه كان إذا أرسل فقد حدثه به غير واحد، وإن أسند لم يكن عنده إلا عمن سماه. يريد أن الإرسال لا بأس به للإنسان أن يرسل إذا كان يحدث عن ثقة. قال: وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند، لكن عن النخعي خاصة فيما أرسله عن ابن مسعود خاصة. وقد قال أحمد في مرسل النخعي: لا بأس بها. وقال ابن معين: مرسلات ابن مسعود أحب إلي من مرسلات الحسن، ومرسلات إبراهيم صحيحة، أي النخعي، إلا حديث تاجر البحرين، وحديث الضحك في الصلاة. وغالب المراسيل التي يرسلها عن ابن مسعود صحيحة لأنه يأخذها من أصحابه. لكن التي يرسلها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ففيها شيء. هذا حديث تاجر البحرين: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إني رجل تاجر أختلف إلى البحرين، فأمره أن يصلي ركعتين، يعني قصر. وأما حديث الضحك في الصلاة فهو مشهور عند الحنفية: أنه جاء رجل ضرير البصر والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فعثر فوقع في بئر فضحك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من ضحك أن يعيد الصلاة. وجاء في رواية: أن يعيد الوضوء والصلاة. لكن هذا المرسل هو مرسل أبي العالية أصلاً، وليس مرسل إبراهيم، وإنما إبراهيم رواه عن أبي العالية. وقد ذكر له الزيلعي شواهد، لكنها كلها باطل، وأكثرها يرجع إلى مرسل أبي العالية. فقد قال الشافعي: حديث أبي العالية ريح، ورياح. ويقصد هذا الحديث الذي استدل به على نقض الوضوء أنه أمرهم بالوضوء. أما نقض الصلاة فلا، بل اختلف فيها العلماء. أن الضحك ينقض الصلاة، أما أنه ينقض الوضوء فهذا بعيد، قاله. وقال أيضاً: قال ابن معين: إبراهيم أحب إلي في المراسيل من سالم والقاسم، وسعيد بن المسيب أحب إلي. قال البيهقي: والنخعي نجده يروي عن قوم مجهولين لا يروي عنهم غيرهم، مثل هاني بن نويرة، وحزام الطائي، وقردع الضبي، ويزيد بن أوس، وغيرهم. أن هؤلاء مجهولون يروي عنهم إبراهيم النخعي، إلا أن بعضهم قد وثق. فهاني بن نويرة وثقه ابن حبان والعجلي. لكن قاعدة ابن حبان أنه يوثق هؤلاء المجهولين إذا لم يأتوا بحديث منكر. وأيضاً قردع الضبي، أوثقه بعض العلماء، وهو رجل قديم قتل في عهد عثمان. وقال الحافظ: إنه صدوق من الثانية مخضرم. وأما يزيد بن أوس فهو مجهول، وإن كان أيضاً ذكره ابن حبان في الثقات. قال العجلي: مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحاً. كما ذكر القاعدة أولاً: أن عامة الذين يرسلون هم الذين يتحرون في روايتهم، فمراسيلهم تكون أفضل من مراسيل من لم يتحرَ. وقال الحسن بن شجاع البلخي: سمعت علي بن المديني يقول: مرسل الشعبي وسعيد بن المسيب أحب إلي من داود بن الحسين عن عكرمة عن ابن عباس. لأن داود يضطرب في روايته عن عكرمة. قال: وقد استدل كثير من الفقهاء بالمرسل، وهو الذي ذكره أصحابنا أنه الصحيح عن الإمام أحمد. وهذا اشتهر عن الإمام أحمد أنه يحتج بالمرسل، لكن في باب التطبيق فالإمام أحمد قد ضعف مراسيل كثيرة ولم يأخذ بها، أو أنه لم يأخذ ببعضها أيضاً لابن المسيب. قال: وهو قول أبي حنيفة، أي أنه يحتج بالمرسل، وأصحابه، وأصحاب مالك أيضاً، هكذا أطلقوه، وفي ذلك نظر سننبه عليه إن شاء الله. وحكى الاحتجاج بالمرسل عن أهل الكوفة، وعن أهل العراق جملة. وحكاه الحاكم عن إبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة وصاحبيه. وقال أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكة: وأما المراسيل فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي. حتى جاء الشافعي فتكلم فيه، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره. قال أبو داود: فإذا لم يكن مسند ضد المراسيل، ولم يوجد مسند، فالمراسيل يحتج بها، وليس هو مثل المتصل في القوة. وهذا كلام طيب: أنه يستأنس به، أو أنه يحتج به في غير الأحكام، على ما وجد من التساهل في الترغيب والترهيب. وقال: وعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب. فإن الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعين إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيح على طريقهم للانقطاع وعدم اتصال إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الفقهاء فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دل عليه الحديث. فإذا قوي ذلك المرسل قرائن تدل على أن له أصلاً، قوي الظن بصحة ما دل عليه، فاحتج به مع ما أحاط به من القرائن. وهذا الذي ذكره الشافعي رحمه الله. وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة كالأشعث وأحمد وغيرهما. مع أن في كلام الشافعي ما يقتضي صحة المرسل حينئذٍ، أن صحته والاحتجاج به. وقد سبق قول أحمد: مرسلات المسيب صحاح. ووقع مثله في كلام المديني وغيره. قال المديني في حديث يرويه أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه: هو منقطع، وهو حديث ثبت. قال يعقوب بن شيبة: إنما استجاز أصحابنا أن يدخل حديث أبي عبيدة عن أبيه في المسند، يعني في الحديث المتصل، لمعرفة أبي عبيدة بحديث أبيه وصحتها، وأنه لم يأت فيها بحديث منكر. كما قال أيضاً ابن المديني: أنه إنما كان يروي عن أصحاب أبيه الكبار، فهو أعلم بحديث أبيه لأنه أخذه من أصحاب أبيه: علقمة، وقيس، وأبي الأحوص، وغيرهم. قالوا: قد ذكر ابن جرير وغيره أن إطلاق القول بأن المرسل ليس بحجة من غير تفصيل بدعة حدثت بعد المائتين. ويقولون: إن الشافعي هو أول من لم يحتج بالمرسل. لكن ليس صحيحاً، فقد كان ابن سيرين أيضاً لا يحتج بالمرسل، كما قد ذكر المؤلف رحمه الله فيمن ذكرهم من لا يحتج بالمرسل، فذكر منهم ابن سيرين، وكذلك الشعبي. وإن كانوا هم أرسلوا أيضاً لكن مراسيلهم قليلة. والظاهر والتحقيق كما ذكره المؤلف رحمه الله: أن المرسل ضعيف، وأما من ناحية الاحتجاج به فإذا اعتضد بقرائن فإنه يحتج به. الله أعلم. شكراً شكراً شكراً شكراً