التعليق على مقدمة المجموع 43

الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 43، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مكانة العلم وأهمية صونه

يناقش أهمية عدم إذلال العلم وإهانته، ويشير إلى أن العلم عزيز ولا ينبغي أن يطلب به الدنيا. يذكر أمثلة على ذلك من أقوال السلف.

حكم التعامل مع السلاطين لأجل العلم أو النصح

يتناول حكم إتيان أبواب السلاطين لطلب العلم أو نصحهم، ويشترط أن يكون لأجل مصلحة راجحة مع الحفاظ على كرامة العلماء.

توضيح الأفعال ذات المعاني المتعددة

يناقش أهمية توضيح الأفعال التي قد تحمل أكثر من معنى لتجنب سوء الفهم، ويستدل بحديث "إنها صفية".

آداب التعامل مع المخالفات الشرعية

يبرز أهمية توضيح الأحكام الشرعية لمن يقع في مخالفات، ويشير إلى ضرورة بيان الأحكام لتجنب الاتهام في الدين.

  • 24 جمادى الأولى 1442هـ - 07/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف الإمام النووي رحمه الله: ومنها - أي من هذه الأمور التي ينبغي أن يراعيها المدرس والمعلم والشيخ - أن لا يذل العلم، ولا يذهب به إلى مكان ينتسب إلى من يتعلم منه، وإن كان المتعلم كبير القدر. وقد جاء عن السلف آثار كثيرة في إذلال العلم. ولهذا قال الإمام هنا: وهو من أهمها أن الإنسان لا يذل العلم، بل يكون عزيزا بعلمه. قالوا: من أهمها أن لا يجعل العلم رخيصا. فلهذا الإمام البخاري رحمه الله، لما طلب منه خالد بن عبد الله الهدلي أن يأتي إليه ويعلمه مع أولاده، قال: العلم يؤتى إليه. وهذا ليس من التكبر، وإنما هو من عدم إذلال العلم. بل قال عبد الله المبارك: التكبر على المتكبرين تواضع. لكن هذا أيضا فوق ذلك، أنه ليس تكبرا، وإنما عدم إهانة العلم. فالإمام البخاري يأتيه الناس من كل مكان ليطلبوا العلم، فهل يتركهم ويذهب إلى هذا الأمير ويعلم أولاده، ويعلم أنهم ليسوا أهلا للعلم؟ إنه يضيع العلم ويذل العلم لأجل هذا. ولهذا ذكر الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله المبارك تلك القصيدة: «وإن كان بعضهم يقول: إن في سَنَتِهِ... طَعفًا التي أرسلها إلى إسماعيل بن علية» أنا جعلت يا من جعلت العلم بازية أو تحت أبواب السلاطين. غالبا الأئمة يرون أن ذل العلم وإهانته إذا صار عند أبواب السلاطين، أن يدخل به إلى السلاطين لأجل أغراض الدنيا، فهذا ذل العلم. فالعلم عزيز، وصاحبه كذلك لا بد أن يكون عزيزا، ليس متكبرا، وإنما لا يذل العلم ويهينه. العلم عزيز ورفيع، لا يكون يطلب به الدنيا. لكن مثلا لو اضطر إلى مثل هذه الأمور، وأنه مثلا يعلم أحد الأمراء أو كذا، فالأولى أن يعلمه في أماكن الناس، يجلس مع الناس. أما أنه يعلمه وحده، فهذا ما لا ينبغي، لأن غالبا إذا علم مثل هؤلاء فسيعطونه المال الكثير، وكذا فسيضعف هذا الشيخ وهذا المعلم. ولهذا جاء في الحديث الذي صحح بعض أهل العلم: «من أتى أبواب السلاطين افتتن». أي أتى بهذا العلم. أعطى ابن نبي الرباح لما جاء سليمان بن عبد الملك وأراد أن يأتيه، قال: العلم يؤتى إليه، مثل ما قال أيضا البخاري. فجاءه مع ابنائه، فصلى عطاء، فقيل له: إن الملك سليمان بن عبد الملك موجود، أو يريد أن يدخل عليك، قال: دَخله كان مستمرا في صلاته، فجلس سليمان بن عبد الملك مع ابنائه حتى انتهى من الصلاة. فلما انتهى طلب منه ماذا يريد، وأعطاه شيئا من العلم. فقال سليمان بن عبد الملك لأبنائه: لا تنسوا هذا اليوم الذي صار دليلنا عند هذا العبد. نحن ما نريد شيئا إلا العلم، هو الذي جعلنا نذل. فالعلم هو الذي يذل له الناس، ولا يذل أحدا. فأهل العلم إذا هانوه هانو، كما قال الإمام الجرجاني: «ولو أن أهل العلم هانوه لهانوا». معنا صاروا أدلة، وصاروا أيضا ممن يطلب الدنيا. بل الواجب صون العلم. قالوا: إن كان المتعلم كبير القدر، بل يصون العلم عن ذلك، كما صانه السلف، وأخبارهم في هذا كثيرة مشهورة مع الخلفاء وغيرهم. فإن دعت إليه ضرورة، أو اقتضت مصلحة راجحة على مفسدة ابتداله، رجونا أنه لا بأس به، ما دامت الحالة هذه، أنه كان الإنسان اضطر إلى مثل هذا الشيء، أنه يذهب به إلى أبواب السلاطين لأجل مصلحة ليست عائدة له، وإنما تكون عائدة للمسلمين، أن يدخل مثلا على هذا السلطان وينصحه، أو أن هذا السلطان يحب هذا الشيخ ويقدره، فإتيانه فيه مصلحة للمسلمين، وفيه مصلحة لأهل الخير، فلا بأس بذلك، ما لم ير أنه يضعف نفسه. قال رحمه الله: قال رجونا أنه لا بأس به ما دامت الحالة هذه. وعلى هذا يحمل ما جاء عن بعض السلف في هذا، أن دخولهم على الأمراء أو تعليمهم للأمراء. قالوا: منه إذا فعل فعلا صحيحا جائزا في نفس الأمر، ولكن ظاهره أنه حرام أو مكروه أو مخل بالمروءة ونحو ذلك، فينبغي له أن يخبر أصحابه ومن يراه يفعل ذلك بحقيقة ذلك الفعل، ينتفع، ولألا يأثم بظنهم الباطل، ولألا ينفر عنه ويمتنع الانتفاع بعلمه. ومن هذا الحديث الصحيح «إنها صفية» - معنا المراد أن العالم هذا قد يفعل فعلا ظاهره أن فيه مخالفة أو فيه شيء من الشكوك - لكن أحيانا الإنسان لا يعلم السبب لماذا فعل هذا الشيخ هذا الفعل. فلهذا فلابد أن يبين وجهته في فعل هذا الأمر، حتى لا يقتدى به فيقتدى به في شيء مخالف للشريعة. مثل ما جاء في حديث «إنها صفية»، النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أن الرجلين اللذين مرة سيقذف معنا الشيطان في قلوبهما شيئا سيكون في شك في قلوبهم، فقال: «على رسلكما، إنها صفية» - معنا صفية بنت حيي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام - معنا حتى لا يظن في النبي عليه الصلاة والسلام ظنا لا يليق. وكذلك - وهو نبي الله صلى الله عليه وسلم - باب أو لا غيره، فإذا رأى أنه أدخل نفسه في شيء مما يشك فيه، فإنه ينبغي أن يبين لطلبته أو لإخوانه أو لمن رآه أن يبين له العذر، حتى لا يظن فيه الظن السوء، فيأخذ بعد ذلك قدوة أن فلان فعل كذا. وهذا عند الأمور المشتبهة أحيانا، أو ما يظهر فيها الخطأ، ما يظهر فيها الخطأ، وقد يكون فعل ذلك لسبب معين، أو حضر مجلسا مثلا ما كان يظن أن هذا المجلس فيه شيء من المنكر، ثم تبين له بعد المجلس أنهم فعلوا كذا وفعلوا كذا. فذاك الذي ينظر إلى هذا الأمر، وأن هذا منكر، وكيف حضره فلان وهو لم ينتبه لهذا، ولم ينتبه لهذا المنكر الذي كانوا يفعلونه مثلا، وجد مثلا نساء، لكن هو ما رآهم، وإلا لو رآهم لقام. فقيل له: إن نساء في مجلسك، وأيضا سافرات عن وجوههم، وغيرها من هذه الأمور التي قد تحصل لبعض الناس، إما بسبب مثلا أنه لم يعرف هذا الشيء، أو بسبب أنه فعله اضطرارا أو لحاجة أو لمصلحة أعظم من هذا. فلابد أن يبينه حتى لا يتهم في دينه. فهذا شيء مما يذكر في هذه الآداب. والله تعالى أعلم.