شرح السنة للإمام البربهاري 139

شرح السنة للإمام البربهاري 139

الدرس في شرح السنة للإمام البربهاري 139، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى الاعتصام بالسنة وأهميته للنجاة

يشرح معنى الاعتصام بالسنة ونجاته، ويبين أن من مات على السنة فهو صديق. الاعتصام بالسنة هو السبيل للنجاة في الدنيا والآخرة.

أهمية التمسك بالسنة في مواجهة الفتن

التمسك بالسنة هو الطريق للنجاة من غضب الله والفتن والمحن. الرسول صلى الله عليه وسلم ترك للأمة كتاب الله وسنته للاستمساك بهما.

الدعاء والصلاة على النبي ختامًا

يتضمن دعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه. يُظهر الاعتراف بقدرة الله تعالى وولايته على كل شيء.

  • 10 جمادى الأولى 1446هـ - 11/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقال أبو العالية: من مات على السنة مستورة فهو صديق، ويقال: الاعتصام بالسنة نجاه. في هذا الفصل، إخواني في الله، والذي قد أعده المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الآثار المروية عن سلفنا الصالح في باب الحث على السنة والتحذير من البدعة، أورد رحمه الله تعالى أثر أبي العالية الذي يقول في مطلعه: من مات على السنة مستورة فهو صديق. وقال العلماء: معنى قول المؤلف رحمه الله تعالى "مستورة" أي أنه لم يظهر خلاف ذلك، هذا معنى بأنه مستور، أي أنه لم يظهر خلاف ذلك. فمن أظهر السنة ولم يظهر منه شيء خلاف السنة، ويحكم على ظاهره بأنه من أهل السنة، وهذا إعمالا للقاعدة العامة أن الأصل في الناس السلامة، إعمال القاعدة على أن الناس يأخذون بظواهرهم، وأن الأصل في الناس كذلك السلامة. وقد مر معنا في دروس الماضي ما يتعلق بأثر عمر رضي الله تعالى عنه، والذي فيه أن من أظهر لنا خيرا قربناه وأمناه، وليس لنا من سريرته بشيء. فمن أظهر السنة وتمسك بها، فيأخذ على أنه من أهل السنة، وما بعد ذلك من أمر الباطن، فهذا أمره إلى الله جل وعلا، أمره إلى الله جل وعلا، ولا يمكن أن تتعامل مع الناس، عبد الله، ببواطنهم، فهذا ليس لك إلا من ظهر له قرينة هنا وهناك، هنا يختلف الحكم، لكن الأصل من أظهر لنا السنة فإنه يعامل على أنه من أهل السنة. كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: من أظهر لنا خيرا قربناه، وثم قال: من أظهر لنا شيئا شرا قصيناه وأبعدناه، كما قال رضي الله تعالى عنه. فقال رحمه الله: من مات على السنة مستورة -مستورة أي لم يظهر خلاف السنة- فإن أظهر شيء فهنا خرج من مجال السنة. من كان يقول: أنا على السنة، ثم ظهر من أعماله ومن أقواله ومن سلوكياته ما فيه من البدع ما فيه، فهذا يلحق به البدع وليس له من السنة في شيء. ويقال: الاعتصام بالسنة نجاه. وهذه من الآثار التي تناقلها السلف جيلا بعد جيل، وهي من العبارات الرائعة والمأخوذة من الكتاب والسنة، بل هذا العنوان أصبح عنوانا لكثير من الأبواب والكتب التي كان العلماء يسطرونها ويذكرونها في مباحثهم وفي فصول كتبهم: أن الاعتصام بالسنة نجاه. يقول إمام الزهري رحمه الله تعالى: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاه. كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاه. فقول رحمه الله تعالى: كان من مضى من علمائنا، إذن هي عبارة سائرة معنى سائرة، أي سارت بها الركبان وتناقلها العلماء جيلا بعد جيل لقوتها ولأنها مؤيدة من قبل الكتاب والسنة. كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاه، فمن اعتصم بسنة النبي عليه الصلاة والسلام كتب له ربنا جل وعلا النجاة، النجاة من ماذا؟ النجاة في الدنيا والنجاة في الآخرة، النجاة في الدنيا والنجاة في الآخرة. فمن اعتصم بسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، فإن الله جل وعلا ينجيه في الآخرة من العذاب ومن النار. وقد مر معنا ما يتعلق بحديث الفرق، قوله عليه الصلاة والسلام: وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار، كلها في النار. وجاءت الروايات: قال: إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي. فهي دلالة على أن من اعتصم بالسنة فإن الله جل وعلا ينجيه من النار. فمن تمسك بالسنة ينجيه ربنا جل وعلا من عذاب جهنم، وهكذا النجاة ليست فقط في الآخرة، بل كذلك في الدنيا، ينجي الله جل وعلا من شاء من عباده، وخاصة من التزم بالسنة، ينجيه من ماذا في الدنيا؟ من الهموم، من الغموم، من الأزمات، من الغموم، من الكربات، من الفتن، من الشدائد، من المصائب، من المضائق. ما من بلية يا عبد الله، ما من فتنة مدلهمة تنزل على عباد الله، فمتى ما اعتصموا بالسنة حماهم الله وواقاهم الله من شر هذه الفتن. وأدلة كثيرة تدل على ذلك، كقوله عليه الصلاة والسلام: إنه من سيعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا. وهذه دلالة على كثرة الافتراق والاختلافات والفتن النازلة على الأمة. فإنه من سيعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعد، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. فأخبر نبينا عليه الصلاة والسلام أن من المنجيات من الفتن الاعتصام بالسنة، أنك يا عبد الله تعتصم بالسنة. وهكذا قسم ما يتعلق بالهلاك، إن أردت أن الله جل وعلا ينجيك من الهلاك، فعليك بالسنة. قال عليه الصلاة والسلام: تركت فيكم شيئين اثنين، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعد أبدا: كتاب الله وسنتي. لن تضلوا من أراد الاستمرار على الاستقامة، من أراد الاستمرار على الهداية، فعليه عبد الله بالاستمساك بسنة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه. وهكذا قول عليه الصلاة والسلام: تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وهذا الجزاء من جنس العمل، من أعرض عن السنة فإن النجاة لن تكن من نصيبك. كل من أعرض عن السنة وأراد أن يصل إلى الله كما يدعي بطريق غير طريق السنة، فإنه سيضل عن سواء السبيل. قال عليه الصلاة والسلام: تركتكم على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك. فالهلاك ومن نصيب من أعرض عن السنة. فإخواني في الله، فمن أراد النجاة في الدنيا من الفتن والمحن والمصائب والنكبات، ومن أراد النجاة في الآخرة، فعليه بالاعتصام بسنة نبينا عليه الصلاة والسلام. وانظر إخواني في الله لعبارة العلماء، لم يقولوا التمسك، بل الاعتصام، ويتدل على شدة التمسك. لا يكون حالنا أن الانتساب للسنة عبارة نسبة قولية، كثير من الناس إذا صرحت وإذا سألت عن منهجه وعن فكره وعن تياره لقال: أنا على السنة، أنا على السنة، لكن إن فتشتها في مقام السنة أين هي في حياته؟ لا شيء، لا شيء أبدا من مسمى السنة ترى في حياته في هيئته في ملبسه في تعبده في معاملاته، السنة بعيدة جدا عنه. فليس هذا الطريق يا عبد الله الطريق للنجاة، وإن كان ينفع، لكن ليس بذاك النفع الذي ترجو منه النجاح من غضب الله في الآخرة، وكذلك من الفتن والمحن في الدنيا. فإن العبد كلما ازداد تمسكا كلما ازداد نقاء، وذلك على قوة التمسك بدين الله جل وعلا. ولهذا تجد من العلماء أن يفصل ويأتي بالعبارة: الاعتصام ليس انتساب، بل اعتصام، تعتصم في منهجك، تعتصم في عقيدتك، تعتصم في معاملاتك، كل ذلك على السنة النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك يستفاد من ذلك أن الاعتصام لا يتأتى إلا بعلم، كيف تعرف هذه السنة حتى تعتصم بها؟ لا يمكن أن تميز السنة عن غيرها، تميز السنة عن العبادات عن العادات، تميز السنة عن المحدثات. لا يمكن هذا لأي أحد أن يفرق بين هذا وذاك، تأتيك الفتن، تأتيك المحن، فكيف تظفر وتعلم أن هذه السنة حتى تستمسك بها إلا بعلم. وهنا إخواني في الله، لأنه نبع على هذا المسلك الذي وصفناه لكثرة الجهل الذي عم، لا أقول عند عامة الناس، بل بعض من ينتسب للدين، أنه يسمي بعض الفرق التي ليست على السنة بأنه يسميها باسم السنة. بل سمعنا ما هو أعظم من ذلك، سمعنا من بعض التيارات ومن الفرق من يسمي نفسه بالدعوات السلفية، بل الدعوات السلفية المسلحة. كيف تأتي دعوات سلفية مسلحة؟ ما يمكن هذا، خبط خبط في الألفاظ وخبط كذلك في الألقاب وخبط كذلك في الألقاء وفي المسميات. فالناس ما يعرف السنة، كثير من الناس، بل حتى من ينتسب للدين لا يعرف ما هي السنة. فما يمكن للشخص أن يعرف ما هي السنة إلا إذا تعرف عليها، يتعلم ما هي السنة، كيف طريق السنة، من هم أهل السنة، ما هي أخلاق السنة، عقائد السنة، منهاج السنة. وبذلك يعرف الطريقة الصحيحة. أما دعوى ولهذا ترى كثير من الناس المخدوعين، وهنا نحن رساحة مكتظة بجماعات أشكال وألوان كلها تحت مسمى السنة، كلها تحت مسمى السنة. وهذا إخواننا في الله إنما يتخبط الناس بهذه التخبطات لما قل علمهم في هذا الباب. فالمسلم إخواننا في الله عليه أن يعرف أولاً ما هي طريق السنة، ما هي طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام في اعتقاداته في معاملاته في عباداته في تعامله. ومن ثم بعدما يظفر بهذه المعرفة التامة، وبعدها عليه ماذا؟ يستمسك بالسنة كما أمره ربنا جل وعلا، ويجعل السنة هي الحاكمة في كل الأمور. فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما. هذه السعادة وهذا كذلك النجاة يا عبد الله، أنك بعدما تتعرف على السنة تحكمها في كل أمورك، في أي في أمور الفرق، في أمور الاختلافات، في مسائل الاعتقاد، في مسائل المنهاج، في مسائل السلوك، بل حتى مسائل خاصة بينك وبين أهلك، بينك وبين أزواجك، بينك وبين جيرانك، طبق السنة في كل صغيرة وفي كل كبيرة تجد السلامة. تجد السلامة يا عبد الله هي من نصيبه، وكيف لا؟ فإنك لذت بملاذ عظيم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.