الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 47، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
القاهر والقهار من أسماء الله الحسنى، ومعناهما الموصوف بالعزة التي هي عزة القهر والغلبة. الله جل وعلا هو القاهر الغلاب الذي قهر كل أحد وغلب كل أحد.
تحقيق العبودية لله جل وعلا باسمه القاهر القهار يتطلب تحقيق التوحيد لله سبحانه وتعالى. العبادة والتوحيد إنما تكون لله الواحد القهار الذي قهر كل شيء.
الإيمان باسم الله القاهر القهار يورث الخشية والخوف من الله، ويجعل العبد على طاعة دائمة لله، ويبعده عن المعاصي والذنوب. ينبغي للمسلم أن يستحضر مراقبة الله تعالى له في كل أحواله.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا القاهر، وهكذا ذكر اسم الله جل وعلا القهار. فالقاهر والقهار من أسماء الله جل وعلا الحسنى، والقاهر ورد في موضعين في كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير﴾، كما في سورة الأنعام. قال جل وعلا: ﴿وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة﴾، وهكذا في سورة الأنعام. وأما القهار، فورد في مواضع في كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا على لسان يوسف عليه الصلاة والسلام، مبينًا ومرشدًا ومنكرًا على المشركين وأهل الشرك: «يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار»، «ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون». وقال جل وعلا، آمرًا في كتابه الكريم: ﴿قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار﴾. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾. فالقاهر والقهار من أسماء الله جل وعلا الحسنى، ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا انقلب من جنب إلى جنب في نومه، قال عليه الصلاة والسلام: «لا إله إلا الله الواحد القهار، رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار». فكان يقول هذا الدعاء وهذا الذكر عليه الصلاة والسلام. ومعنى اسم الله القاهر والقهار، فالقهار صيغة مبالغة من القاهر، والقهر صيغة مبالغة من القاهر، ومعنى القهار أي الذي قهر كل المخلوقات سبحانه وتعالى، والذي خضعت له كل المخلوقات وانقادت لعزته وقدرته جل وعلا واقتداره. قال ابن قيم رحمه الله تعالى في نونيته: «وهو العزيز فلن يرام جنابه أن يرام جناب ذي السلطان وهو العزيز القاهر الغلاب لم يغلبه شيء»، هذه الصفتان: «وهو العزيز بقوة هي وصفه فالعز حينئذ ثلاث معاني»، فمن معاني اسم الله جل وعلا العزيز أنه الموصوف بعزة القهر والغلبة. فمعنى القهار ومعنى القاهر أي الموصوف بالعزة التي هي عزة القهر والغلبة، فالله جل وعلا هو القاهر الغلاب، وهو القهار جل وعلا الذي قهر كل أحد وغلب كل أحد جل وعلا، فهو القاهر وغيره مقهور، فهو القاهر وغيره مقهور، قهر العباد على ما هم عليه، قهرهم على العبودية العامة، فما من أحد إلا وقد قهر وصار عبدًا وكان عبدًا للقاهر القهار جل وعلا. إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا، قهر القاهر القهار جل وعلا عباده على الهلاك، فكل هالك إلا وجهه، كما قال جل وعلا: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾، قهرهم بالموت، فما من أحد إلا وسيذوق الموت، ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾. فكل أحد قد قهره الله جل وعلا على هذا الحال الذي هو عليه، قهر الإنس على حالهم الذي هم عليه، فلا يستطيع الإنس مهما شاءوا أن يغيروا من حالهم الذي جعلهم عليه القاهر القهار سبحانه وتعالى، وهكذا الجن مع ما عندهم من القدرات وما عندهم من القوة التي أعطاهم الله جل وعلا، لكنهم مع هذا مقهورون على هذا الحال الذي قهرهم عليه القاهر القهار جل وعلا، فلا يستطيعون أن يغيروا من حالهم ولا من أرزاقهم ولا من أوصافهم. فالخلق قد قهروا على الرزق الذي رزقهم القاهر القهار، وعلى الحال الذي قهرهم القاهر القهار عليه، فكل خلق الله جل وعلا مقهور، قهرهم القاهر القهار سبحانه وتعالى، فالكل دليل، والكل خاضع، والكل تحت عظمته، والكل منقاد لأمره سبحانه وتعالى، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: "كن فيكون"، فلا يستعصي عليه شيء سبحانه وتعالى، لأنه قد قهر كل شيء سبحانه وتعالى. فمن مقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه القاهر القهار أن يحقق العبد العبودية لله جل وعلا، وأن يحقق التوحيد لله سبحانه وتعالى، ذلك لأن التوحيد ولأن العبادة إنما هي حق القاهر القهار، العبادة والعبودية إنما هي حق القاهر القهار. ولذلك من تأمل في كتاب الله جل وعلا في المواضع التي ورد فيها اسم الله جل وعلا القهار، وجدها مقترنة باسمه جل وعلا لفظ الجلالة "الله"، وهكذا مقترنة باسمه جل وعلا "الواحد"، فالآيات في كتاب الله جل وعلا التي ذكر فيها اسم الله جل وعلا القاهر القهار اقترنت باسم الله جل وعلا لفظ الجلالة "الله"، وهكذا اقترنت باسم الله جل وعلا "الواحد". ومعنى ذلك أن الواحد هو القهار جل وعلا، والقاهر القهار هو الواحد سبحانه وتعالى، فلا قاهر ولا قهار إلا واحد وهو الله جل وعلا، كما في قوله: ﴿لمن الملك اليوم لله الواحد القهار﴾، فالقهر إنما هو لواحد وهو الله جل وعلا، ولذلك العبودية إنما تكون للمالك الملك سبحانه وتعالى الذي له الملك وحده جل وعلا. وهكذا كذلك العبودية إنما تكون لخالق السماوات والأرض وخالق العباد كلهم وهو الله جل وعلا، فالعبودية تكون للخالق، تكون للقهار جل وعلا، ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار﴾. فالإله الواحد الحق هو الذي وصف بالقهر، ومن تسمى بالقاهر القهار وهو مستحق لذلك الاسم ولذلك الوصف وهو الله سبحانه وتعالى، ولذلك إذا تأملنا في هذه الدعوة العظيمة التي دعا بها الصديق يوسف عليه الصلاة والسلام، مع أنه في السجن إلا أنه كان داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى، فلما سأله أولئك بين لهم عليه الصلاة والسلام بهذه الدعوة العظيمة التي فيها الأمر بتحقيق العبودية وتحقيق التوحيد لله جل وعلا، ضرب لهم في دعوته مثلًا عظيمًا: «يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار»، أأرباب متفرقون بين الشعاب والأودية، بين الأحجار والأشجار، فهي آلهة متفرقة خير أم الله الواحد القهار؟ أي: هل هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله جل وعلا، وهذه الآلهة التي صرفت لها العبادات وهي متفرقة وهي كذلك بين الشعاب والأودية، بين الأحجار والأشجار، خير أم الله الواحد القهار الذي قهر كل شيء؟ فهذه مقهورة لأنها مخلوقة، هذه الآلهة التي عبدت مع الله جل وعلا، سواء كانوا من البشر أو كانوا من الجمادات أو كانوا من الشجر والحجر، فكلها مخلوقات وكلها مقهورات، قهرها القاهر القهار جل وعلا. فكيف تعبد مع الله جل وعلا؟ هل هي قاهرة أم مقهورة؟ فهي إما أن تكون قاهرة وإما أن تكون مقهورة، فإن كانت قاهرة فإذا تستحق أن تعبد، وإذا كانت مقهورة فإذا إنما هي لا تستحق أن تعبد، بل يجب عليها أن تعبد قاهرها، أن تعبد قاهرها الذي قهرها وهو الله سبحانه وتعالى. ولا شك أن جوابهم أن هذه مخلوقة وأنها مقهورة على الحال الذي هي عليه، سواء كانت أشجارًا أو أحجارًا أو شمسًا أو قمرًا أو غير ذلك، فإذن العبادة والتوحيد إنما يكون للقاهر القهار جل وعلا وحده لا شريك له، فهي دعوة عظيمة من يوسف عليه الصلاة والسلام تحتاج إلى أن يتأملها وأن يتدبرها القارئ ليعلم كيف استنبط الصديق يوسف عليه الصلاة والسلام هذا من ما أوحى إليه ربه جل وعلا، وما ألهمه الله جل وعلا إياه في بيان فساد وبطلان عبادة غير الله جل وعلا، وأنها مقهورة قد قهرت، فكيف تصرف لها العبادة وكيف تعبد مع الله جل وعلا؟ وهكذا كذلك العبادة والتوحيد إنما يكون للقاهر جل وعلا الذي قد قهر خلقه جل وعلا، فالله جل وعلا هو القاهر سبحانه وتعالى، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير، فالله جل وعلا هو القاهر فوق عباده، ومعنى أنه على مخلوقاته كلها جل وعلا، فمن قهره سبحانه وتعالى أنه الموصوف بالعلو، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، فهو جل وعلا على قهرًا على عباده، فقهرهم الحكيم الخبير سبحانه وتعالى. وهذا مقتضاه أن يرفع العبد أكف الضراعة إلى القاهر القهار سبحانه وتعالى، ويدعوه ويجعل حوائجه متوجهة إليه وحده لا شريك له، ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا القاهر القهار أن يكون العبد على خوف وعلى وجل وعلى خشية، إذا علم أن الله جل وعلا هو القاهر وهو القهار. فمثل هذه الأسماء: القاهر، القهار، الجبار، العظيم، مقتضى الإيمان بها أن تورث في قلب العبد الخشية والخوف من الله جل وعلا، لعلم العبد أن الله جل وعلا قهره، فهو دليل وهو خاضع لربه جل وعلا القاهر القهار، وهذا يستدعي من العبد أن يكون على دوام الطاعة لله جل وعلا، لماذا؟ لأنه علم أن الله جل وعلا إذا عصي فإنه جل وعلا قاهر قهار عظيم جبار سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، فكيف يعصي ربه سبحانه وتعالى القاهر القهار؟ وإنما وقع العباد في معصية الله جل وعلا في انتهاك محارم الله سبحانه وتعالى لضعف إيمانهم بالله جل وعلا القاهر القهار، وإلا لو أنهم آمنوا حقًا ورسخ ذلك في قلوبهم، وأن الله جل وعلا هو القاهر القهار الذي قهر كل شيء سبحانه وتعالى، ولا يعجزه شيء، فكيف بعد ذلك يتجرأ العبد على انتهاك محارم القاهر القهار سبحانه وتعالى؟ وكيف يعصي القاهر القهار جل وعلا؟ وكيف يشرك بالله جل وعلا القاهر القهار؟ وكيف يتعلق قلبه بغير الله سبحانه وتعالى؟ وإنما وقع الناس في ذلك بسبب ضعف إيمانهم بالله سبحانه وتعالى وبأسمائه وصفاته، وإلا فإنبياء الله جل وعلا الذين آمنوا حق الإيمان بأسماء الله جل وعلا وصفاته، ومنها القاهر القهار، فكانوا على وجل عظيم دائم، وكانوا على خوف دائم من الله سبحانه وتعالى، إذا وقعت منهم الزلة في ألسنتهم سارعوا إلى الإنابة وإلى التوبة إلى الله جل وعلا، خروا سجدًا لله جل وعلا، وأكثر من الصالحات والأعمال لتمحى تلك السيئات وتلك الهفوات التي حصلت، وذلك لعظيم إيمان قلوبهم بالله سبحانه وتعالى. وهكذا من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه القاهر القهار أن يتذكر كل جبار في هذه الدنيا، وكل متكبر في هذه الدنيا، بأنه إن قهر عباد الله جل وعلا ظلمًا وجورًا وتعديًا واعتداء، فإن فوقه القهار الذي لا يقهره شيء، فهؤلاء المتكبرون وهؤلاء المتجبرون وهؤلاء المعتدون وهؤلاء الظالمون الذين ظنوا أنفسهم أنهم قدروا على قهر عباد الله جل وعلا، عليهم أن يتذكروا أن الله جل وعلا هو القاهر وهو القهار سبحانه وتعالى. وقهرهم هذا إنما هو قهر راجع إليهم، ووباله عليهم، فإن الله جل وعلا الذي قهرهم قادر على قهرهم، فيتذكر الظالم اسم الله جل وعلا، ويذكر الظالم ربه جل وعلا القاهر القهار، فهذا يجعله على ابتعاد عن أخذ أموال الناس بالباطل، وعن أخذ كذلك حاجاتهم، والابتعاد عن الاعتداء عليهم، لأنه يخاف من القاهر القهار سبحانه وتعالى. وأما إذا غفل الناس عن القاهر القهار جل وعلا، فإنهم صاروا يعبثون وصاروا يعيثون في الأرض فسادًا، لا يبالون ولا يخافون، وذلك لغفلة قلوبهم والعياذ بالله، وذلك لركونهم لأنفسهم والعياذ بالله. فعلينا عباد الله أن نؤمن بأسماء الله جل وعلا، وأن نتدبر فيها، وأن ننظر إلى مقتضاها، فإن الإيمان بأسماء الله وصفاته، ومثل هذه الأسماء خاصة والتي تورث الخشية في القلوب والخوف والوجل، أمثال اسم الله القاهر القهار، الجبار، العظيم، المتكبر، تجعل الإنسان في هذه الدنيا متواضعًا، تجعله دليلًا خاضعًا لربه سبحانه وتعالى، خائفًا وجلًا، قائمًا بأمر الله سبحانه وتعالى، مبتعدًا عن الذنوب والمعاصي، فيكون بين الخوف والرجاء لربه سبحانه وتعالى. يعلم أن الله سبحانه وتعالى قد قهره، وأنه القاهر الذي قد قهره، فيكون على مراقبة له جل وعلا في ليله ونهاره، وصباحه ومسائه، وفي كل أحواله، يعيش على ذلك وينتقل من هذه الدنيا وهو على ذلك الاستحضار العظيم لمراقبة ربه جل وعلا القاهر القهار. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم الإيمان في قلوبنا بأسمائه وصفاته، وأن يجعلنا ممن آمن به جل وعلا حق الإيمان بأسمائه وصفاته، وأن يوفقنا للعمل بمقتضى ما علمنا من أسمائه وصفاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.