الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع معاني أسماء الله الحسنى: الأول والآخر والظاهر والباطن، ويبين دلالتها على إحاطة الله بخلقه. الإيمان بهذه الأسماء يؤثر على سلوك المؤمن وعباداته.
يشرح المقطع مقتضيات الإيمان بأسماء الله الحسنى مثل الأول والآخر والظاهر، ويبين كيف يؤثر الإيمان بهذه الأسماء على سلوك المؤمن. يجب على المسلم أن يظهر شعائر الإسلام ويطهر باطنه.
يوصي المقطع بالرد على الوساوس الشيطانية بالإيمان بأسماء الله الحسنى وتطبيق ما جاء في القرآن والسنة. الإيمان بهذه الأسماء يقطع الطريق على الوساوس ويذهب الشكوك.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى آلهما، بعد. فمن الأسماء الحسنة التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله جل وعلا: الأول والآخر والظاهر والباطن. فالأول والآخر والظاهر والباطن من أسماء الله جل وعلا الحسنة، قد ذكر الله جل وعلا هذه الأسماء في موضع واحد في كتابه الكريم، متوالية في سورة الحديد، قال جل وعلا: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم﴾. ولذلك ذكرها المؤلف -رحمه وتعالى- في هذا الموضع متوالية؛ لأنها جاءت في كتاب الله جل وعلا كذلك. وفي سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قد جاء في صحيح مسلم -رحمه الله تعالى- من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «كان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، أعود بك من شر كل شيء أن تأخذ بناصيته، أنت الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر». فهذا الدعاء العظيم الذي أرشد إليه النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- تضمن معنى هذه الأسماء العظيمة: الأول والآخر والظاهر والباطن. فمعنى هذه الأسماء: الأول والآخر والظاهر والباطن، قد بينه المعصوم -عليه الصلاة والسلام-، وهو أفضل من بين ما أنزل إليه من ربه جل وعلا. فقد بيّن النبي -عليه الصلاة والسلام- معاني هذه الأسماء العظيمة، فقال في معنى اسم الله جل وعلا الأول: أي الذي ليس قبله شيء. وفي معنى اسم الله الآخر: أي الذي ليس بعده شيء. وفي اسم الله الظاهر: أي الذي ليس فوقه شيء. وفي معنى اسم الله الباطن: أي الذي ليس دونه شيء. وهذه المعاني العظيمة الدالة عليها هذه الأسماء العظيمة، دالة على إحاطة الله جل وعلا بخلقه، على إحاطة الله جل وعلا بخلقه سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا قد أحاط بخلقه جل وعلا أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا. أحاط الله جل وعلا بخلقه إحاطة زمانية، وإحاطة مكانية. فالإحاطة الزمانية، دال عليها اسم الله جل وعلا الأول والآخر، وصفته جل وعلا الأولية والآخرية. فاسم الله جل وعلا الأول والآخر، وصفته الأولية والآخرية، دال على إحاطته جل وعلا بخلقه الإحاطة الزمانية. فهذه الأسماء تدلنا على هذه المعاني العظيمة التي خلاصتها إحاطته جل وعلا بخلقه، فهو سبحانه وتعالى المحيط بخلقه. والله من ورائهم محيط، سبحانه وتعالى. والأول -كما بينه النبي عليه الصلاة والسلام- بقوله: «ليس قبله شيء». كذلك أيضا بين ذلك -عليه الصلاة والسلام- في حديث عمران بن الحصين -رضي الله تعالى عنه- كما في البخاري، حين وفد أهل اليمن على النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عمران بن حصين -رضي الله تعالى عنه-: إني عند النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، فدخل عليه قوم من بني تميم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أقبل البشرى، أقبل البشرى، يا بني تميم». فقالوا: بشرتنا، فأعطنا. قال: فدخل أناس من أهل اليمن، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يقبل البشرى، يا أهل اليمن، إذ لم يقبلها بنو تميم». قالوا: قبلنا يا رسول الله، جئنا نسألك ونتفقه في الدين، جئنا نتفقه في الدين ونسألك عن هذا الأمر، ما كان؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السماوات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء». فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- معنى اسم الله جل وعلا الأول، وأنه جل وعلا الأول الذي ليس قبله شيء. وهكذا معنى اسم الله الآخر، والظاهر، والباطن. وهذه الأسماء العظيمة لها مقتضيات. فالإيمان باسم الله جل وعلا الأول والآخر والظاهر والباطن، لها مقتضيات. فمن مقتضى إيمان العبد باسم الله جل وعلا الأول، أن يفرد ربه جل وعلا بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ لأنه علم أن الله جل وعلا هو الأول. فإذا كان سبحانه وتعالى هو الأول الذي ليس قبله شيء، فمعنى هذا أنه لا شريك له، ومعنى هذا أنه لا مساوي له، ومعنى هذا أنه لا مد له، ومعنى هذا أنه لا مثيل له سبحانه وتعالى؛ لأنه أول في صفاته، لا وجود لغيره، بل هو الأول سبحانه وتعالى في وجوده جل وعلا، أولية مطلقة. فهذا يقتضي نفي الشريك عن الله جل وعلا، ونفي الند، فلا تتخذ لله أندادا، ونفي كذلك الكفو، «لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد»، ونفي السمي، «هل تعلم له سميا»، «ليس كمثله شيء وهو السميع البصير». ومن مقتضى إيمان العبد باسم الله جل وعلا الأول، ألا يلتفت إلى الأسباب التي كانت سببا في حصول هذه النعم عليه. فالعبد يتحصل على نعم الله جل وعلا، والله سبحانه وتعالى قد ربط المسببات بأسبابها. فالعبد عليه -مع إتيانه بالأسباب- أن لا يلتفت إلى الأسباب، يعمل الأسباب من غير التفات قلبي إلى هذه الأسباب، وإنما القلب يلتفت إلى مسبب الأسباب المنعم، وهو الله سبحانه وتعالى. والأسباب إنما تعمل فقط، الأسباب يؤخذ بها وتعمل، لا يلتفت إليها ولا يتعلق القلب بها في حصول المنافع أو دفع المضار، وإنما هي أسباب تفعل. أما التفات القلب وتعلق القلب، إنما يكون بالمنعم جل وعلا، مسبب الأسباب؛ لأنك عبد الله، علمت أن الله جل وعلا هو الأول، فالله سبحانه وتعالى هو الأول، فضله عليك سابق، ففضله عليك سابق على الأسباب. متى تحقق لك ذلك الفضل، ومتى تحققت لك تلك النعمة، حتى تلتفت إلى هذا السبب الذي إنما حصل مؤخرا؟ حصل مؤخرا، قد سبقه فضل الله، قد سبقه فضل الله جل وعلا عليك قبل ماذا؟ فعلك للأسباب؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد كتب الأرزاق، وقد كتب النعم التي أسداها لعباده. فكيف تلتفت إلى السبب وتغفل عن المسبب؟ تلتفت إلى ما حصل مؤخرا، ولا تلتفت إلى ذلك الذي قد تفضل الله سبحانه وتعالى به عليك من قبل حصول هذا السبب، ومن قبل فعل هذا السبب. فهذا من مقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا الأول، أن لا تتعلق بالأسباب، وأن لا تلتفت إليها. فالاعتماد على الأسباب شرك في التوحيد، وترك الأسباب قدح في الشريعة. فلا تقول: «لولا كذا لكان كذا وكذا»، أو «لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا»، «لو كذا وكذا»، «لولا كليبة لأتانا اللصوص»، «لولا السائق كان ماهرا»، «لولا الطبيب كان حاذقا لفشلت العملية أو لهلك المريض»، أو «لولا كان الطيار»، «لولا كان الملاح». مثل هذه الألفاظ الدالة على التفات القلب إلى الأسباب، والغفلة عن المنعم مسبب الأسباب جل وعلا. وهكذا أيضا من مقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا الأول، أن تكون من الأولين. فالله سبحانه وتعالى يحب عباده الأولين، المسارعين في الخيرات، الذين هم أول الناس مسارعة في فعل الخيرات، وفي فعل مرضات رب العالمين سبحانه وتعالى. فقد أثنى ربنا جل وعلا على نبيه -عليه الصلاة والسلام-، بل أمره أن يقول ذلك، وأن يصرح بذلك: «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». فالأول يحب من عباده الأولين، الذين هم أول الناس مسارعة في مرضات الله جل وعلا، مسارعة في التنافس في الخيرات، في محبوبات رب العالمين جل وعلا. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الأول، أن تكون عبد الله من المسارعين الأولين المتنافسين في مرضات الله سبحانه وتعالى. وإسم الله جل وعلا الآخر، من مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الآخر، أن تخلص في عباداتك، وأن تجعل مقصدك وآخر أمرك وآخريتك هو نيل الثواب من الله سبحانه وتعالى، الثواب الأخروي الذي أخره الله جل وعلا لك، الذي أخره لك الآخر، المؤخر. فتؤخر وترجو ذلك الثواب المؤخر، لا تريد بأعمالك وعباداتك هذا الحظ العاجل، وهذا الحظ الفاني الزائل. وإنما تعمل الطاعات وتخلص فيها لله جل وعلا، رجاء ذلك الثواب العظيم المؤخر المؤجل الذي أجله الله سبحانه وتعالى لك في الدار الآخرة. وهذا يدفعك على الإخلاص في عبادتك، في صلتك للأرحام، وإن كان، يترتب عليها طول العمر في الدنيا، وسعة الرزق. لكن أنت مع ذلك غير ملتفت إلى هذا الثواب العاجل، وإنما قصدك ذلك الثواب العظيم، والفوز بجنات رب العالمين سبحانه وتعالى. وهكذا إذا كنت في الجهاد في سبيل الله، مع أن من قتل قتيلا فله سلبه. إلا وأنت مع ذلك إنما مرادك وقصدك العظيم وهدفك هو تحصيل ثواب رب العالمين، تلك الدرجات العالية التي أعدها الله سبحانه وتعالى للمجاهدين. وهكذا في سائر أعمالك، تخلص العبادة لله سبحانه وتعالى؛ لأنك علمت أن الله جل وعلا هو الآخر سبحانه وتعالى. وجل وعلا اقتضت حكمته أن يؤخر نعيما عظيما لعباده. فأنت تنظر إلى ذلك الذي أخره الله سبحانه وتعالى لك، فتخلص في عباداتك لله سبحانه وتعالى. ومن مقتضى إيمانك باسم الله جل وعلا الظاهر، أن تظهر شعائر هذا الدين، وأن تظهر كل حق، وأن تظهر كل ما يحبه الله سبحانه وتعالى. فالظاهر يحب ظهور الحق، أن يظهر الحق، وأن يعلى هذا الحق، وأن يرتفع عاليا. قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾. فإذا علمت أن من أسماء الله جل وعلا الظاهر، وإذا علمت كذلك أن الله سبحانه وتعالى يحب إظهار دينه، وإعلاء كلمته جل وعلا، وإعلاء سنة، وإظهار سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، سارعت في إظهار شعائر هذا الدين، وأظهرتها، ودعوت إليها، وكنت من الظاهرين، وكنت من الظاهرين الذين أظهروا شرع رب العالمين سبحانه وتعالى على جوارحهم، وفي دعوتهم. وكنت من أولئك الذين تمسكوا بكتاب الله جل وعلا، وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، كما في حديث معاوية -رضي الله تعالى عنه- في الصحيحين: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». فهم ظاهرون؛ لأنهم أظهروا شرع رب العالمين جل وعلا، أظهروا سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، أظهروا الحق، دعوا إليه، دعوا إليه بالسيف والسينان، وأظهروه كذلك بالحجة والبيان والبرهان. فأنت يا عبد الله، عليك أن تظهر شعائر رب العالمين، وأن تظهر شعائر الإسلام، وأن تعتز بها، وأن تدعو إليها. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الظاهر، أن ينظر فيما يحب أن يظهر، ما يحبه الظاهر جل وعلا أن يظهر، فتظهره. وما يبغضه جل وعلا يبغض ظهوره، فلا تظهره. إذن لا تجاهر بالمعاصي، إذن لا تظهر المخالفة الشرعية على جوارحك. فلا تكون المخالفة في لبسك تظهرها، ولا تكون المخالفة على جوارحك تظهرها، ولا في مشيك، ولا في كلامك. كل شيء لا يحب الله جل وعلا إظهاره، لا يحب الظاهر أن يظهر، فلا تظهره، لا على لسانك، ولا على بصرك، ولا على جوارحك، ولا على ملبسك. وإنما تظهر ما يحب إظهاره الظاهر جل وعلا، فتظهر شعار الإسلام، وتعتز بها، تظهر السنة في ملبسك، تظهر السنة في مشيتك، تظهر السنة في مجلسك، تظهر السنة في أكلك، في شربك، في كلامك، في حديثك، تظهر السنة، تظهر الحق، تظهر الصواب في جميع شؤون حياتك، وبسائر أعمالك؛ لأن الظاهر جل وعلا يحب إظهار كل حق، وإظهار كل ما فيه تعظيم لشرع رب العالمين سبحانه وتعالى. ولا تظهر ما يبغضه الله سبحانه وتعالى. قد ثبت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- كما في الصحيح، من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه ورضاه- قال -عليه الصلاة والسلام-: «كل أمتي معافى، كل أمتي معافى إلا المجاهرين». هؤلاء المجاهرون أظهروا المخالفة، أظهروا ما يبغضه الله جل وعلا، أظهروا ما يغضب جل وعلا من ظهوره، فأظهروا -والعياذ بالله- المخالفات، وأظهروا كذلك الذنب والمعاصي. هذه تجر على معاصي الله سبحانه وتعالى، فعلت وفعلت وفعلت، فبات الله جل وعلا يسره، فأبى إلا أن يحدث فلان أنه فعل كذا، ونصب على فلان، وفعل كذا وكذا وكذا، وأظهر -والعياذ بالله- كل هذه الأمور التي لا يحب الظاهر إظهارها. بل عليك يا عبد الله أن تظهر كل طيب، وتخفي كل قبيح، وتظهر كل حق، ولا تظهر الباطل. وهكذا في أمورك كلها. فالظاهر سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يظهروا دينه، وأن يظهروا شعائره، وأن يظهروا كذلك سنة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-. ومن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الباطن، أن تراقب باطنك يا عبد الله، كما أنك طهرت ظاهرك؛ لأنك علمت أن الله جل وعلا هو الظاهر، والظاهر يحب من عبده أن يظهر كل طاهر، وأن يظهر كل طيب. فكذلك علمت أن الله جل وعلا كذلك هو الباطن، والباطن يحب من عباده أن يراقب باطنهم، وأن يطهر باطنهم، وأن يطهر باطنهم. فراقب قلبك يا عبد الله، وطهر باطنك من كل اعتقاد يخالف شرع رب العالمين جل وعلا. فلا تعتقد اعتقادا يخالف كتاب الله، أو سنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، لا شركا أكبر، ولا شركا أصغر، ولا رياء، ولا سمعة. وهكذا لا بغضا لأولياء الله جل وعلا، ولا محبة لأعداء الله جل وعلا. وهكذا كذلك لا حقدا، ولا حسدا، ولا بغضا، ولا كذلك شحناء، ولا بغضاء. فكما طهرت ظاهرك، طهر باطنك. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾. وقال جل وعلا: ﴿قد أفلح من تزكى﴾. فزكي -عبد الله- باطنك كما زكيت ظاهرك. وهكذا كذلك أيضا يقال في اسم الله جل وعلا الظاهر، أن تظهر نعم الله جل وعلا عليك، أن تظهر نعم الله جل وعلا عليك. فالظاهر يحب من عبده أن يظهر أثر نعمته عليه، كما أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- قال -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». فأنت أنعم الله سبحانه وتعالى عليك بنعم عظيمة، أنعم عليك بالأموال، أنعم عليك بكذا وكذا. فأظهر هذه النعم -عبد الله-، أظهر هذه النعم. الظاهر يحب أن تظهر نعمه سبحانه وتعالى، لا تظهرها تكبرا، ولا تظهرها كذلك خيلاء وتفاخرا، لا. وإنما أظهر أظهر هذه النعم شكرا لله سبحانه وتعالى، واعترافا منك بفضل الله سبحانه وتعالى عليك. وهذا أيضا مما يقضيه الإيمان، والتعبد لله جل وعلا باسمه الظاهر. فهذه الأسماء العظيمة: الأول والآخر والظاهر والباطن، منها ما لا يجوز أن يذكر إلا مقترنا، كاسمه جل وعلا الباطن. فاسم الله جل وعلا الباطن، وجب أن يقرن باسم الله الظاهر، فتقول: «الباطن الظاهر»، تقول: «الباطن الظاهر». لماذا؟ لأن اسم الله جل وعلا الباطن، لا يظهر كماله إلا بذكر اسم الله الظاهر. لا يظهر كمال اسم الله جل وعلا الباطن إلا بذكر اسم الله الظاهر. ومثل ذلك أيضا: النافع الضار، والمعز المذل، وهكذا المقدم المؤخر. وكذلك المانع المعطي. وقد أشار إلى هذا العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في نونيته، وبين أن من الأسماء ما لا يجوز أن يذكر إلا باقتران، وذكر منها: القابض الباسط، والمعز المذل، والنافع والضار. وأما الأول والآخر، فجاز أن يذكر الأول من غير اقتران باسم الله الآخر. وهكذا الآخر. ومن أهل العلم من قال: حتى الأول والآخر، الأولى والأكمل أن يذكر كذلك مقترنا. أشار إلى هذا العلامة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين -رحمه الله تعالى- في شرحه للواسطية، قال: «الأول والآخر، الأكمل يذكر الأول والآخر». وإلا فمن أهل العلم من قال: الأول والآخر، يعني الكمال يظهر بذكر أحدهما دون الآخر. بخلاف الباطن والظاهر، بخلاف الباطن والظاهر. فإذا كان كذلك، فالأكمل -عبد الله- أن تقول: «أول والآخر، الظاهر الباطن». ومن مقتضى الإيمان بهذه الأسماء جميعا: الأول والآخر والظاهر والباطن، أن لا تسترسل، أن لا تسترسل مع الوساوس الشيطانية، والشكوك التي يقذفها الشيطان في قلبك. لا تسترسل مع هذا. الشيطان يأتيك، ربما يقول: «من ربك؟ أين ربك؟ ومن ربك؟ ومن الذي خلق ربك؟». فلا تسترسل -يا عبد الله-، اقطع هذه الشكوك، وإقطع هذه الوساوس عنك؛ لأنك قد علمت أن الله هو الأول الآخر الظاهر الباطن. وقد ثبت عند أبي داود، عن عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه جاءه أبو زميل -رحمه الله-، وقال له: إني أجد في نفسي شيئا. فقال له ابن عباس: ما هو؟ قال: لا أتكلم به. فقال له ابن عباس: «أشيء من شك؟». قال: فضحك بعد ذلك ابن عباس، فتلا: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾. ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿وإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك﴾. ثم قال: «إذا وجدت شيئا من ذلك، فقل: هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم». فإنه سيذهب عنك. فعلم بهذا أن المقتضى الإيمان بهذه الأسماء العظيمة، أن لا يسترسل العبد مع وساوس الشيطان، بل يقطع. وليقل كذلك: «آمنت بالله ورسله». صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.