الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 247، ألقاها
يُبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خيار الناس في الجاهلية يبقون كذلك في الإسلام إذا تعلموا دينهم وعملوا به، مشيرًا إلى أن الناس معادن مختلفة في الطباع والأخلاق. يُظهر ذلك أهمية الفقه في الحفاظ على الأفضلية.
يشرح الحديث النبوي الذي يؤكد أن خيار الناس في الجاهلية يظلون خيارًا في الإسلام إذا فقهوا، مبينًا أن الأفضلية تتعلق بفهم الدين والعمل به، وأن الناس يختلفون كما تختلف المعادن في الجودة والنقاء.
يُبرز أهمية الجمع بين العلم الشرعي والتقوى، حيث يُعد الفقه مع الخشية من الله سببًا للسؤدد والكرامة، ويُظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك من خلال أمثال توضح أصناف الناس في استفادتهم من العلم.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال شيخنا محمد بن هاد الوادي، رحمه الله: قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: حدثنا روح -وهو روح بن عبادة القيسي البصري- ووكيع، قال: حدثنا ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، قال: أخبرني أبو الزبير، وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، قال: إنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خيار الناس في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». وقال رحمه الله: حدثنا أبو أحمد -وهو الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير، أبو أحمد الزبيري البصري، وأقصد الكوفي من أصحاب سفيان الثوري- قال: حدثنا سفيان -وهو أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الإمام الحافظ- عن نبيه، عن الزبير، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «الناس معادن، فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم. فهذا الحديث قد جاء في الصحيحين من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، كذلك عن عبد الله بن عمر العمري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. وفيه لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الناس، فقال: «أتقاهم -أو أكرمهم- قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فتسألوني -أو قال: عن نبي الله ابن نبي الله يوسف ابن نبي الله إسحاق ابن نبي الله إبراهيم خليل الله- فقالوا: ليس عن هذا، قالوا: تسألون عن معادن العرب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. وكذلك أيضا جاء في الصحيحين حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». ومعنى هذا الحديث أن الناس معادن، كالمعدن، المعدن فيه معدن بغير شوائب، ومعدن بشوائبه، ومعدن كذلك أيضا نفس المعدن تجد يختلف. فلهذا فالمعادن تختلف، وكذلك أيضا الناس يختلفون، فمنهم الشريف في قومه، ومنهم الوضيع في قومه، ومنهم الوسط في قومه، وهكذا. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فخيارهم في الجاهلية» أي من كان شريفا ومقدما في الجاهلية فإنه خيار في الإسلام إذا فقه. وغالبا ما معادن العرب معادن أصيلة، وكذلك هم في طبعهم محبة الخير والشرف والجاه، فإن كانوا أرادوا الجاه والشرف فأيضا كذلك لهم الجاه والشرف في الإسلام، لكن ليس على إطلاق ذلك، وإنما إذا فقهوا، إذا تعلموا هذا الدين. فالمراد خلاصة معنى الحديث أن السؤدد لا يكون في الدين إلا بالفقه فيه، السؤدد في الدين لا يكون إلا بالفقه فيه. ولهذا الفقهاء هم خير الناس وأفضل الناس إذا عملوا بذلك الفقه، لأن الفقه ليس المراد الفقه الذي يتفقه دون أن يعمل، فهذا ليس بفقه، وإنما الفقه هو الذي يعلم الشرع وتعاليم الشرع ويعمل بها. ولهذا لما قيل للحسن: ألست أنت فقيها؟ قال: وهل رأيت فقيها بعينيك قط؟ أنا هل رأيت بعينيك فقيها؟ وأراد أن يبين أن الفقيه حقا هو الذي تعلم العلم وعمل به، هذا الذي فقه دين الله جل وعلا. ولهذا من أعظم السؤدد في هذا الدين أن يكون الإنسان من أهل العلم والفقه والتقوى، يعني يكون خشية الله معه مع الفقيه العالم، فليس العلم وحده، وإنما العلم مع الخشية والتقوى. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث بموسى: «ومثل من فقها في دين الله ونفعه الله بما جئت به، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به». فلما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثل الأراضي: أرض تمسك الماء وتنبت الكلأ، وأيضا انتفع بها الناس، وأرض تمسك الماء فقط، وأرض لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فلا تنفع نفسها ولا تنفع الناس. فلهذا ذكر أن هذا مثل من فقها في دين الله، تفقها في دين الله، وعلم أن الخير هو في اتباع هذا الشرع وفي تعليم هذا الشرع. فلهذا فالناس في هذا الحديث كما ذكر الحافظ ابن حجر، رحمه الله: أن الناس على أربعة أقسام في هذا الحديث. وهم: الناس كانوا من الأشراف في الجاهلية، أيضا يصيرون أشرافا في الإسلام إذا فقهوا دين الله، فساد الناس بالذكاء وبالحنكة وبغيرها في الجاهلية، لكن بقي هذا شرف فيهم عندما تعلموا، وأيضا فقهوا دين الله جل وعلا. وكذلك أيضا قسم من الأقسام أيضا الذي يقابله: من فقها في دين الله، قسم شريف في الجاهلية، لكنه لم يفقه دين الله عز وجل، فهو ليس له شرف ولا كرامة في الإسلام. وقسم ليست له كرامة وشرف في الجاهلية، لكن كرمه الله عز وجل بالإسلام فشرف وكرم، وهذا بالعلم والفقه والخشية. وكذلك قسم لا هذا ولا هذا، وهذا من أقصر الأقسام. فهذا معنى هذا الحديث: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». فنكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم.