المحاضرة بعنوان تزكية النفس في اغتنام الخمس، والتي كانت بمسجد الكتيني بمنطقة تبالة بالشحر يوم الجمعة 24 ربيع الأول 1446هـ الموافق 27 سبتمبر 2024م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
بدأ المحاضر بالحمد لله والثناء عليه، ثم تحدث عن أهمية النعم الخمس المذكورة في الحديث النبوي الشريف. شدد على ضرورة شكر الله على هذه النعم واغتنامها.
ناقش المحاضر عدم دوام النعم وضرورة استغلالها فيما يعود بالنفع. أشار إلى أن الله يسأل عن هذه النعم يوم القيامة، وحث على اغتنامها قبل زوالها.
تحدث المحاضر عن أهمية اغتنام نعم الفراغ والشباب والحياة في طاعة الله قبل فواتها. أكد أن الموت يأتي فجأة ويحرم الإنسان من الاستمتاع بهذه النعم.
اختتم المحاضر المحاضرة بدعاء للمسلمين بالقبول والتوفيق، ودعا لمن ساهم في إعداد المحاضرات والمناسبات الدينية. أنهى بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله إخواني في الله، فإننا نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا اللقاء في هذا البيت من بيوت الله، نجتمع وإياكم فيما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا، فجزى الله خيرًا كل من أسهم في عقد مثل هذه اللقاءات المباركة. فشكرنا بعد شكر الله عز وجل لأهل هذا المسجد المبارك الذين أتاحوا لنا الفرصة في إلقاء هذه المحاضرة والكلمة، فشكرنا لآبائنا وأبنائنا وإخواننا لأهل هذه المنطقة عامة، ولأهل هذا المسجد خاصة، وهكذا شكرنا لأخينا الفاضل الأستاذ محمد باحجاج حفظه الله تعالى على ما كان من ترحيبه واستضافته واستقباله لإخوانه، فجزاه الله خيرًا جزاء وبارك الله في جهوده وفي أهله وماله وذريته. إخواني في الله، المحاضرة في هذه الليلة، والتي قد أعلن عن عنوانها، فهي باسم تزكية النفس في اغتنام الخمس، وعنيت بالخمس ما جاء ذكرها في حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، والذي رواه الإمام الحاكم في مستدركه بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك». هذه الخمس التي من اغتنمها في هذه الحياة الدنيا فقد سعى إلى زكاة النفس، وقبل الشروع إخواني في الله في ذكر هذه المذكورات الآنفة الذكر، أحببت أن أمهِّد لهذا الحديث بثلاث مسائل ينبغي أن يراعيها كل مسلم ومسلمة. أولاها: أن هذا الحديث فيه الإشارة إلى أهمية هذه النعم الخمس: نعمة الشباب، نعمة الصحة، نعمة الفراغ، نعمة الغنى، نعمة الحياة، ولا شك ولا ريب أن الله سبحانه وتعالى نعمه علينا كثيرة وكثيرة جدًا، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وقال جل في علاه: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾، إلا أن هذه الخمس تعتبر من أعظم النعم ومن أجل المِنن. ولهذا الإنسان إذا وجد أن الله عز وجل حباه هذه النعم الخمس فليحمد الله حمدًا كثيرًا طيبًا، وليقبل على شكر الله ليل نهار صباح مساء، وللأسف إخواني في الله نقولها صراحة: أن الكثير من الناس من ربما يعطيه ربنا جل وعلا شيئًا من هذه النعم إلا أنه لا يرفع بها رأسًا. المسألة الثانية والتي أود أن أذكرها في هذا المقام، وهي مستفادة من هذا الحديث: أن النعم لا تدوم، لا تدوم، تأملوا في الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم خمسًا قبل خمس: اغتنم شبابك قبل هرمك»، أي قبل أن تزول نعمة الشباب، «واغتنم صحتك قبل سقمك»، أي قبل أن تزول نعمة الصحة، وهكذا «اغتنم فراغك قبل شغلك»، أي قبل أن تزول نعمة الفراغ. فالنعم لا تدوم، وتلك الأيام نداولها بين الناس، يغير الله الحال من بعد حال، والإنسان إخواني في الله إذا علم أن هذه النعمة التي هي الآن بين يديه ويعلم أنها لن تدوم، حينها عليه أن يتفطن لأمر عظيم، ألا وهو أنه لا يتكل عليها ولا يركن إليها ولا يتعلق بها، وإنما يتعلق بربه سبحانه وتعالى. المسألة الثالثة: أن هذه النعم ينبغي أن تستغل، ينبغي أن تغتنم بما يعود عليك نفعه، بما يعود عليك منفعته، لأن هذه النعم التي أعطاك الله إياها تبددها تذهب عنك يمنة ويسرة فيما لا خير فيه ولا منفعة، لأن النعم سيسألنا الله عز وجل عنها يوم القيامة، كما قال جل في علاه: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «اغتنم غناك قبل فقرك»، نعمة الغنى، إذا جعلك الله عز وجل غنيًا، الغنى إخواني في الله مسألة، بعض الناس يرى أن الغنى هذه خصلة صفة إنما هي موجودة عند أرباب الأموال وأصحاب التجارات والعقارات، لا يا عبد الله، الغنى بما يغنيك الله به، ولو بشيء يسير. أنت غني إذا رأيت أن الله عز وجل حباك بستر الحال وبشيء من المال، فاعلم أن الله فضلك على كثير من الأنام، قال عليه الصلاة والسلام: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا»، أنت ملك تمشي يا عبد الله بكامل قواك، بكامل قواك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «واغتنم صحتك قبل سقامك»، نعمة الصحة، صحة الأبدان وعافية الأجساد من عظيم النعم التي يمنُّها الله على من شاء من العباد، أن تصبح وأنت لا تجد ألمًا ولا تشتكي وجعًا، فهذه من عظيم إنعام الله. قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، الصحة نعمة كثير من الناس من لا يعرف قدرها ولا يرى أن الله قد خصه بها، وإن الإنسان لربما يشعر بعظيم نعمة الصحة إذا افتقدها أو رأى غيره من المرضى. إحمد الله يا عبد الله إذا عافاك الله، إحمد الله، ولهذا كما جاء معنا في حديث عبيد الله بن محصن: «من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا»، أنت ملك تمشي يا عبد الله بكامل قواك. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «واغتنم فراغك قبل شغلك»، نعمة الفراغ، الفراغ كما يقال: أن تجد يا عبد الله من الوقت بفعل ما يحلو لك، هذا هو الفراغ، أن تجد من الوقت بفعل ما يحلو لك، هذا فراغ، الفراغ نعمة. قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، فالفراغ يا عبد الله نعمة، لكن الكثير من الناس يغبن، فتذهب عليه هذه النعمة سدى، ونعمة الفراغ يا عبد الله ينبغي أن تستغل، لهذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: «واغتنم فراغك قبل شغلك»، قبل أن تأتيك المشاغل فتضيق عليك الأوقات. فما تستطيع يا عبد الله أن تفعل ما يحلو لك، وإنما تفعل ما يجب عليك أن تفعل حينها، وإن هذا الفراغ ينبغي أن يستغل في طاعة الله، كما أسلفنا، قال ربنا جل في علاه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾، إذا فرغت من أعمالك من أشغالك مما كان من التزاماتك لأهلك وعيالك وناسك، فإذا فرغت فانصب أي انتصب لله عابدًا حامدًا ساجدًا شاكرًا راكعًا. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «واغتنم شبابك قبل هرمك»، نعمة الشباب، هذه المرحلة من مراحل بني آدم، والذي يكون فيها الإنسان في سن القوة والشدة والجد والاجتهاد والبذل والعطاء، فإنه ما شيدت الأوطان وما عمرت البلدان إلا على سواعد الشبان. فالشبان والشباب هم الذخر لإقامة البلاد وإلى تيسير أحوال العباد، كما جعلهم الله عز وجل سببًا لذلك، ولعظيم نعمة الشباب، فالله عز وجل سيسأل كل واحد منا عن هذه المرحلة التي ولت من حياته، كما جاء في حديث أبي برزة الأسلمي في سنن الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وفيما ذكر: وعن شبابه فيما أبلى». سن الشباب هذا السن الذي مضى وانقضى، أين ذهب وولى؟ سيسألنا عنه ربنا عز وجل يومًا يوم القيامة سؤالًا خاصًا يتعلق به، وعن شبابه فيما أبلى، وإن الإنسان إخواني في الله عليه أن يغتنم هذا السن، يا معشر الشباب، يا من لا يزال يتقلب في هذه المرحلة من الحياة، عليك أن تستغلها في طاعة ربك سبحانه وتعالى، فأبشر بكل خير. ثم قال عليه الصلاة والسلام في الأخير: «واغتنم حياتك قبل موتك»، نعمة الحياة، نعمة وأي نعمة أن تجد أن الله سبحانه وتعالى جعل لك فسحة من دهرك وجعل لك أمدًا من عمرك تسرح وتمرح في هذه الدنيا كما تريد وتشتهي. نعمة الحياة كم من أناس دخلوا في الله هم أشد منا حرصًا وأكثر منا حبًا على أن يكونوا معنا في هذه الحياة الدنيا، لكن سبقتهم الآجال ووفتهم المنية وقضوا نحبهم وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا موتى من أهل القبور، ما استطاعوا الرجوع، لو كان الأمر بأيديهم لأحبوا البقاء بيننا ومعنا، لكن الموت أتاهم فقبض الله جل وعلا أرواحهم. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ونسأل المولى جل وعلا أن يبارك لأهل هذه البلاد خاصة، ولأهل هذا المسجد عامة، بما كان من حسن استماعهم وإنصاتهم، وأسأل الله عز وجل أن يبارك في جهود من اجتهد في تجهيز مثل هذه الكلمات ولمثل هذه المحاضرات، وأن يجمع مثل هذه الجموع المباركة. فنسأل الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتوفانا على الإسلام والإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.