الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 745

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 745

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 745، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

حديث ابن عمر في فضل الموت بالمدينة وشفاعته

يروي الشيخ مقبل بن هادي الوادعي حديث ابن عمر الصحيح عن النبي ﷺ: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها»، مبيناً سنده عبر معاذ بن هشام وأبي أيوب السختياني وصحته على شرط الشيخين مع علة غير قادحة، مشيراً إلى أن المدينة كان بها جو قد يضر الوافدين مما يبرز فضل الموت فيها رغم ذلك.

دعاء النبي بنقل حمى المدينة إلى الجحفة وفضل الصبر على لأوائها

يسرد المقطع قصة مرض الصحابة عند قدومهم المدينة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بنقل حمى المدينة إلى الجحفة فاستجاب الله، وبيّن أن من صبر على شدة برد المدينة وحرها وأجوائها كان له شفيعاً يوم القيامة، ومن مات بها صابراً لم يخرج منها.

فضل المدينة المنورة وانحسار الإيمان إليها ومحبة المؤمنين لها

يستعرض المقطع فضائل المدينة بأنها خير للناس من الشام والعراق واليمن، وأنها تنفي الخبث ويأرز إليها الإيمان، وأن من مات فيها يشفع له النبي، كما كان السلف يحبون المشي في طرقها تذكيراً بسيرته، ويؤكد أن المؤمنين يحبون مدينة رسول الله مستشهدين بحديث انحسار الإيمان إليها كانحسار الحية إلى جحرها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولاه. ما بعد: قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: حدثنا بندار، وهو محمد بن بشار البصري، وذكرنا عنه أنه لم يرحل، لم يرحل من البصرة طاعة لأمه، فعوضه الله عز وجل بحفظ أحاديث كثيرة جداً حتى صار من أكثر حفاظ البصرة، مع أن مشايخه معدودون؛ أنا أخذ عن محمد بن جعفر، وأخذ عن يحيى بن سعيد القطان، عن عبد الرحمن بن مهدي، وعن معاذ بن هشام، ومحمد بن ربيعة بن أبي عدي، وغيرهم من هؤلاء من مشايخ أهل البصرة، لكنه أكثر في الحديث رحمه الله. قال: أخبرنا معاذ بن هشام، معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، قال: حدثني أبي، وهو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، عن أيوب، وهو ابن أبي تميمة السختياني، عن نافع، عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها». قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث أيوب السختياني. قال أبو عبد الرحمن: هو حديث صحيح على شرط الشيخين، وله علة غير قادحة كما في الصارم المنكي. قالوا: الحديث أخرجه ابن ماجه وأحمد. فقال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا معاذ بن هشام. به من تابع علي بن عبد الله بن المديني، تابع بن دار، فهذا أتم معناه؛ متابعة عظيمة أن يتابعه وأن يتابعه هذا الإمام. فالحديث يقول: النبي عليه الصلاة والسلام: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها». وقد جاءت الأحاديث في هذا في صحيح مسلم وفي غيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لمن يموت بالمدينة. ولما كانت المدينة فيها من الجو الذي يضر مثلاً بالشخص، أول ما جاء أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين، لم يستطيعوا أن يتحملوا جو المدينة؛ كان جو المدينة خامداً، وأيضاً فيه شيء من الوباء، فإن بعض المناطق تجد أنها خاصة التي تكون قرب الصحراء، فيكون غالباً جوها فيه شيء من الوباء الذي قد لا يتحمله الإنسان فيمرض. لهذا الصحابة رضي الله عنهم لما جاءوا إلى المدينة مرضوا، فمرض أبو بكر وبلال وغيرهما، حتى قالت عائشة: فدخلت على أبي بكر وهو يقول: «كل امرئ مصبح في أهله، والموت أدنى من شراك نعله»، وهكذا بلال أيضاً يرتجز فيقول: «ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادٍ وحولي إذخر وجليل، وهل أردن مياه مجنةٍ، وهل يبدون لي شامة وطفيل». معنى ذلك: أنه يتمنى أنه عاش في مكة ومات فيها. فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام هذا الأمر من أصحابه، دعا النبي عليه الصلاة والسلام أن ينقل الله عز وجل حمى المدينة إلى الجحفة. ولهذا لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام في قضية، أو في عمرة القضية، ودخل مكة لأجل أن يطوف، قالت قريش: سيأتي عليكم ناس قد وهنتهم حمى يثرب، وعنى: نخرت فيهم وفي عظامهم حمى يثرب، والمراد به الجو. لكن النبي عليه الصلاة والسلام قد دعا أن حماها تنقل، أن حماها تنقل إلى الجحفة. وفوق هذا أيضاً كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من صبر على لأوائها كنت له شفيعاً يوم القيامة». على لأوائها: أي على ما يكون فيها من الجو، من شدة البرد وشدة الحر، أو ما يكون فيها من الجو الذي يحمل شيء من الوباء وغير ذلك. لكن ذلك الوباء الذي كان موجوداً في يثرب، بعد دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، تعافى الصحابة رضي الله عنهم وألفوا ذلك الجو الذي كان في المدينة، ويأتي بعد ذلك المهاجرون ولا يضرهم. وكما قلنا: أن بعض المناطق، خاصة كما قلنا التي تقرب من الصحراء، يكون جوها خامداً، وغالباً يكون معه شيء من الوباء الذي ينتشر بين الناس، فيفعل حمى وصدراً وغير ذلك. فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام دعا أن تنقل حماها إلى الجحفة، لكن لا زالت بقيت الأشياء التي تكون في كل منطقة؛ يأتي بعض أجواء خاصة عند تغيير الأجواء من حر إلى برد، أو من برد شديد إلى هواء أو إلى غير ذلك، فتتغير الأهوية على الناس، فيأتي بعد ذلك شيء من الأمراض وغير ذلك. كذلك كانت المدينة بعد أن نقل الله عز وجل حماها إلى الجحفة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من صبر على لأوائها كنت له شفيعاً يوم القيامة»، وأنه من صبر على لأوائها ومات بها لم يخرج. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام بيّن أن المدينة هي خير للناس. ولهذا جاء في الصحيحين في حديث زهير بن سفيان، أو سفيان بن زهير، جاء هكذا بالشكل: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ستفتح الشام فيذهب الناس إليها، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». ثم قال: «ستفتح العراق ويذهب الناس إليها، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». قال: «ستفتح اليمن ويذهب الناس إليها، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون». فالمدينة خير لهم، فمن صبر في المدينة حتى مات بها يشفع له النبي عليه الصلاة والسلام. أيضاً المدينة يخرج الله عز وجل فيها الخبث، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «المدينة كالكير تنفي خبثها ويبقى طيبها». وقال عليه الصلاة والسلام: «وإن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»؛ كأنه يزحف إلى المدينة، الإيمان يزحف إلى المدينة كما أن الحية تزحف حتى تأتي إلى جحرها. وهكذا أهل الإيمان يحبون المدينة، يحبون المدينة، لهذا تجد أن الإنسان لما يذهب إلى المدينة ينشرح صدره ويجد حلاوة في ذلك المكان، وخاصة إذا استشعر أن ذلك المكان كان فيه النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. وهكذا كان السلف رحمهم الله، كان أيوب يقول: أيوب السختياني كان يمشي في الطريق في المدينة ويقول: «قد مشى فيها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم»، يستشعر أن النبي عليه الصلاة والسلام قد مشى في هذا المكان. وهذا ليس من تتبع الآثار، وإنما هذا من ذكر، أو يذكر نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم محبة له، وأيضاً كذلك شوقاً لرؤيته وشوقاً لما كان يفعله عليه الصلاة والسلام. لهذا كان يقول: هذا الطريق مشى فيها رسول الله. وجاء ذلك عن مالك رحمة الله عليه، وجاء عن غيرهم من السلف. وأجى كما قلنا: ليس من باب تتبع الآثار، وإنما هو من التذكر حياة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنه عاش في هذه المدينة، ومشى إلى المسجد، وصلى في ذلك المسجد العظيم، مسجده صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وخلاصة الأمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها». ومن استطاع أن يجلس في المدينة حتى يأتيه أجله فإنه على خير، فإنه على خير. وأهل الإيمان يحبون مدينة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها». فهذا شيء مما يذكر في هذا الحديث، فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.