الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 25، ألقاها
شرح أنواع المعرف بأل ودورها في الدلالة على العموم، مع توضيح الفرق بين أل الجنسية والاستغراقية والعهدية. وأهمية اعتبار عموم اللفظ في فهم الآيات القرآنية بغض النظر عن خصوص السبب.
قد يرد النص الشرعي بلفظ خاص ويُراد به العموم، وقد يرد بلفظ عام ويُراد به الخصوص، ويُستدل على ذلك بالقرائن. مثل قصة الرمل في طواف القدوم وآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾.
يناقش قاعدة أن خطاب الشارع يشمل جميع الأمة إلا إذا دل دليل على الخصوص، ويشرح أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنها تشريع وتأسي لأمته إلا إذا دل دليل على الخصوصية، مثل خصوصياته في العبادة والزواج.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: وألفاظ العموم كـ "كل" و "الجميع" والمفرد المضاف، والنكرة في سياق النهي أو النفي أو الاستفهام أو الشرط، والعرف، والمعرف بأل الدالة على الجنس أو الاستغراق، كلها تقتضي العموم. وقفنا بالأمس عند قوله: "والمعرف بأل الدالة على الجنس أو الاستغراق"، أي أل الجنسية الدالة على الجنس، فإنها تدل على العموم، مثل قول الله جل وعلا: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾، فـ "الماء" للجنس، أي جنس الماء، فيشمل كل ماء. والاستغراقية هي التي تدل على عموم جميع الأفراد، قول الله جل وعلا: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾، "إن الإنسان" أي كل إنسان، كل إنسان في خسارة، فهذه الآل تسمى الاستغراقية، تستغرق جميع الأفراد، مثلها مثلا تقول: "أكرم الطلاب" يعني جميع الطلاب. ويقول أهل العلم: دلالتها على الاستغراق أن يحل محلها "كل"، "إن الإنسان" = "إن كل إنسان"، "أكرم الطلاب" = "أكرم كل الطلاب"، فهذه تدل على العموم. وهل هناك أل لا تدل على العموم؟ الجواب: نعم، أل العهدية قد تدل على العموم وقد لا تدل على العموم، على حسب معهودها، إن كان عاما دلت على العموم، وإن كان خاصا دلت على الخصوص. العهد مثلا الذكري كقول الله جل وعلا: ﴿إن أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول﴾، أل هنا في "الرسول" أي المعهود ذكره قبل، وهل هو عام أو خاص؟ الجواب: خاص، هذا الرسول هو موسى، فهنا ما أفادت العموم. وقد تفيد العموم في مثل قول الله جل وعلا: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس﴾، الآية التي فيها قول الله جل وعلا: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون﴾، المراد بالملائكة هنا أي المذكورون قبل، الذين أمرهم الله جل وعلا بالسجود لآدم، وهذا الأمر لجميع الملائكة، فقوله: "فسجد الملائكة"، فأل هنا للعهد الذكري دال على العموم لأن معهودها عام. فالمقصود أن العهدية قد تدل على العموم وقد لا تدل على العموم، بخلاف الدالة على الجنس أو الاستغراقية، فهذه تدل على العموم. قال: والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، يعني إذا نزلت بعض الآيات في حوادث خاصة، فالعبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها. مثاله: آيات الظهار، آيات الظهار نزلت في أوس بن الصامت حين ظاهر من امرأته خوله، قال لها: "أنت علي كظهر أمي"، فذهب تشتكيه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله جل وعلا هذه الآيات: ﴿والذين يظاهرون من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي يلدنهم﴾ إلى آخر الآيات، السبب خاص هي قضية أوس بن الصامت مع زوجته، ونزلت الآيات عامة: ﴿والذين يظاهرون منكم من نسائهم﴾، جاء بلفظ العموم، "الذين" من ماذا؟ اسم الموصول، والأسماء الموصولة من ألفاظ العموم. فهنا هل نقول: العبرة بخصوص هذا السبب فتكون هذه الآيات خاصة في أوس بن الصامت وزوجته؟ أو العبرة بعموم لفظها فتكون عامة وشاملة لكل من فعل مثله؟ فالجواب: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، العبرة بعموم لفظ الآيات فتكون عامة لسائر الأمة، وكل من فعل مثل هذا الفعل أو قال مثل هذا القول فإن الآيات تشمله. مثل أيضا آيات اللعان التي نزلت في هلال ابن أمية وزوجه، السبب خاص ونزلت الآيات عامة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم﴾ إلى آخر الآيات، "والذين يرمون" جاء بلفظ العموم، فالعبرة بعموم لفظها لا بخصوص سببها، هذا معنى قول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". قال: ويراد بالخاص العام وعكسه مع وجود القرينة الدال على ذلك، يراد بالخاص العام يعني قد يرد الدليل على قضية خاصة وعلى فعل خاص لكن يراد به العموم، يراد به عموم التشريع، وقد يكون العكس. مثال إرادة الخاص العام: ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه حين قدموا مكة، فقال المشركون: "يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب" يعني أتعبتهم وهلكتهم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يرملوا الأشواط الثلاثة يعني يسرعوا في المشي حتى تظهر قوتهم، فأمرهم بذلك حتى يبطل قول هؤلاء المشركين، الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى في طواف القدوم. طيب هذا الآن الظاهر أنه سبب خاص وأمر خاص بقضية خاصة، زال سببها، هل زال هذا الحكم أو بقي الحكم عاما؟ الجواب: بقي الحكم عام، فصار من المشروع لمن يطوف طواف القدوم أن يرمل الأشواط الثلاثة، فاستمر مشروعية الرمل مع أن الظاهر سببها أنه خاص. قال: ويراد بالخاص العام، فهذا الآن الحكم الخاص أريد به العموم، فاستمر عمومه. وعكسه يعني يراد بالعام الخاص، يأتي اللفظ العام ويراد به الخصوص، وهذا الذي يسميه العلماء العام الذي يراد به الخصوص، لفظ عام لكن يقصد به بعض أفراد العموم، ما يراد به جميع أفراد العموم، فيسمى عام يراد به الخصوص. ومثاله قول الله جل وعلا: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾، هذه الآية لما نزلت فهم الصحابة رضي الله عنهم منها العموم يعني عموم الظلم، فيشمل الظلم الأكبر وهو الشرك، وظلم الإنسان لنفسه، وظلم الإنسان لأخيه، فلما سمعوا هذه الآيات أتوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا: يا رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ من منا يسلم من الظلم؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم»، فبين لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد بالظلم في هذه الآية هو الشرك، هو خصوص الشرك. الآن الآية لفظها عام: "الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم"، هنا ظلم نكرة في سياق النفي فتدل على العموم، فيشمل كل أنواع الظلم، لكن المراد به نوع خاص من أنواع الظلم وهو الشرك بالله جل وعلا، فهنا جئ بالعام وأريد به الخصوص، جئ باللفظ العام وأريد به الخصوص، خصوص بعض أفراد هذا العام. وكذلك قد يأتي العام قد يأتي اللفظ العام ثم يخص بعض الأفراد في نص آخر أو في دليل آخر، وهذا ليس من العام المخصوص، عام يدخله التخصيص، وتفاصيل هذه المسائل تذكر في كتب الأصول الموسعة، لكن نعلم هنا أنه قد يرد الخاص ويراد به العام، وقد يرد اللفظ العام ويراد به الخصوص. قال: وخطاب الشارع لواحد من الأمة أو كلامه في قضية جزئية يشمل جميع الأمة وجميع الجزئيات إلا إذا دل دليل على الخصوص، يعني إذا جاء الخطاب من الشرع من الكتاب أو السنة، آية أو حديث، فيها خطاب موجه لفرد من الناس، هل هذا الحكم يكون خاصا بهذا المخاطب أو يكون حكما عاما لجميع الأمة؟ الجواب: أنه حكم عام لجميع الأمة، فجميع الأمة تشاركه في هذا الحكم. وهذا كثير في الكتاب والسنة ورود بعض الآيات أو الأحاديث في قضايا خاصة، خطب بها النبي صلى الله عليه وسلم بعض السائلين، فحكمها عام، حكمها عام إلا إذا دل الدليل على التخصيص. مثلا رجل سأل النبي عليه الصلاة والسلام أنه فعل أو وقع في شيء مع امرأة إلا الزنا، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾، قال: يا رسول الله، أهي لي خاصة أم للناس عامة؟ قال: «بل للناس عامة»، مع أن الخطاب موجه إليه: "أقم الصلاة"، أمر لفرد، لكن حكمها عام، حكمها عام لجميع الأمة. وهكذا قل مثلها في كثير من الأحاديث الواردة على مثل هذا الخطاب، إلا إذا دل دليل التخصيص، إذا دل دليل على أن المراد به تخصيص هذا المخاطب بالحكم فهنا لا يشمل غيره. مثل إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن شهادة خزيمة ابن ثابت رضي الله عنه بشهادة رجلين، هذا حكم خاص، هذا حكم خاص لا يتعدى إلى غيره، لأن الأصل أن شهادة الرجل بشهادة رجل، لكن هنا خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الميزة والكرامة أن جعل شهادته بشهادة رجلين. وهكذا أيضا في قضية خال البراء، لما أسرع وذبح أضحيته قبل صلاة العيد، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من ذبح قبل الصلاة فشات شات لحم»، أخبره أنه ذبح قبل الصلاة، فقال: عندنا عناق هي أحب إلينا من شاتين، والعناق هي الصغير من الغنم يعني الذي لم يبلغ سنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذبح ولن تجزئ عن أحد بعدك»، ولن تجزئ عن أحد بعدك، هذا دليل الخصوصية أن هذا الحكم خاص له، لا الأصل أن الأضحية لابد أن تكون سنة من المعز، فدل هذا على الخصوصية. قال: وفعله صلى الله عليه وسلم الأصل فيه أن أمته أسوته في الأحكام إلا إذا دل دليل على أنه خاص به، الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم التشريع والتأسي، ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على جهة العبودية فإن نتأسى به فيه، "ولكم في رسول الله أسوة حسنة"، قال الإمام بن كثير رحمه الله: هذه الآية أصل في التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام. فمن زعم مثلا أن هذا الفعل خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام نقول: هات الدليل، هات الدليل على الخصوصية، الأصل الأصل عدم الخصوصية، الأصل عدم الخصوصية إلا إذا دل دليل على ذلك. كمثلا زواج النبي صلى الله عليه وسلم بالواهبة نفسها، هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا يجوز لغيره من أمته أن يفعل ذلك، يعني إذا وهبت المرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فيتزوجها بغير ولي مثلا، هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ما يجوز لغيره أن يفعل ذلك، الزيادة على أربع مثلا في النكاح، والجمع بين النساء، لا يجوز لغير النبي عليه الصلاة والسلام أن يجمع أكثر من أربع، هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام. كذلك الوصال في الصيام، أن يواصل الإنسان الصيام من غير أن يفطر اليوم واليومين والثلاث والأربع، هذا خاص بالنبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا غيرها من الخصوصيات التي دل عليها الدليل، فإن لم يدل دليل على الخصوصية فالأصل هو التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام. نكتفي بهذا القدر، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.