الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 14، ألقاها
القواعد الفقهية هي أحكام كلية تجمع مسائل متفرقة وتسهل على الدارسين فهمها وتطبيقها. من أمثلة هذه القواعد: اليقين لا يزول بالشك، والأمور بمقاصدها.
تنص قاعدة 'اليقين لا يزول بالشك' على أن اليقين لا يزول إلا بيقين مثله، وتُطبق في العبادات والمعاملات مثل الطهارة والصلاة. هذه القاعدة تُجنب الموسوسين التلاعب الشيطاني.
الأصل في الأشياء هو الطهارة والإباحة حتى يأتي دليل شرعي بخلاف ذلك، واستدل العلماء على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. هذا الأصل يساعد المسلم على التعامل مع الشكوك في الطهارة والتحريم.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله في رسالته، رسالة في أصول الفقه المهمة: فصل وأخذ الأصوليون من الكتاب والسنة أصولا كثيرة، بنوا عليها أحكاما كثيرة جدا، ونفعوا وانتفعوا بها. وهذه الأصول التي أخذها الأصوليون من الكتاب والسنة جعلوها قواعد، وأدرجوا تحتها فروعا ومسائل كثيرة. وهنا يشير المؤلف رحمه الله إلى ذكر بعض القواعد التي استنبطها العلماء من الكتاب والسنة، وقد اعتنى بها العلماء وأفردوها بالتصنيف والتأليف، بين منظوم ومنثور، وبين مبسوط ومختصر، وهي كثيرة. والمؤلف رحمه الله نفسه له رسالة في القواعد الفقهية، وهي عبارة عن نظم للقواعد الفقهية، وهو نظم مشهور للعلامة السعدي رحمه الله. وهذه القواعد والأصول نافعة؛ لأنها تجمع المسائل المتفرقة والمختلفة، ويسهل على طالب العلم معرفتها والاطلاع عليها والإحاطة بها. ولذلك اهتم بها العلماء اهتماما كبيرا، وهو هنا كما ذكرنا يشير إلى بعض هذه القواعد التي ذكرها العلماء. ونذكر تعريفا مختصرا للقواعد الفقهية. والقواعد جمع قاعدة، والقاعدة هي أساس الشيء، كقواعد البيت، هي أساسه الذي يبنى عليه. والقواعد الفقهية عبارة عن أحكام أو مسائل أغلبية تندرج تحتها أحكام جزئيات كثيرة؛ عبارة عن أمر أغلبي تندرج تحته جزئيات كثيرة. فقيل عن القاعدة بأنها أمر أغلبي؛ لأنها في الغالب يكون لها استثناءات، فلا تنطبق على كل المسائل، لكن في الأغلب أغلب المسائل تنطبق عليها هذه القاعدة وتندرج تحتها مسائل متعددة وفروع كثيرة. قال: فمنها اليقين لا يزول بالشك. أدخلوا فيهم العبادات والمعاملات والحقوق شيئا كثيرا. فمن حصل له الشك في شيء منها رجع إلى الأصل المتيقن. وقسم بعض العلماء القواعد إلى قواعد كلية وقواعد جزئية. قواعد كلية ذكروا خمس قواعد، قالوا: هي أساس وكليات القواعد، وتندرج تحتها بقية القواعد. وهذه القواعد الخمس هي: الأمور بمقاصدها، وقاعدة اليقين لا يزول بالشك، وقاعدة العادة محكمة، وقاعدة الضرر يزال، وكذلك المشقة تجلب التيسير. هذه تسمى بالقواعد الكلية. فهذه القاعدة: اليقين لا يزول بالشك، هذه من القواعد الكلية. ومعناها أن الشيء المتيقن لا يزول بمجرد الشك، وإنما يزيله يقين مثله. ولهذا من فروع هذه القاعدة: اليقين لا يزول إلا بيقين. وقولهم كذلك: الأصل بقاء ما كان على ما كان، هذه من فروع هذه القاعدة الكلية. فمثلا في باب العبادات، إذا شك الإنسان في طهارته، توضأ وتيقن أنه على طهارة، ثم شك هل أحدث أو لم يحدث، نقول: اليقين لا يزول بالشك. أنت متيقن أنك على طهارة، وشككت في الحدث، فالأصل أنك على طهارة، هذا هو اليقين. تبقى على هذا اليقين؛ فأنت على طهارة حتى تتيقن الحدث. أو العكس: تيقن أنه على حدث، مثلا دخل الحمام، ثم خرج، وكان ذلك مثلا في العصر، جاء وقت المغرب، فشك هل توضأ بعد أن دخل الحمام أم لا؟ هنا الآن ما هو المتيقن؟ المتيقن هو الحدث أنه محدث وما توضأ، لكن شك هل توضأ أم لا؟ فنقول: اليقين لا يزول بالشك. أنت متيقن أنك أحدثت، وشككت في الطهارة؛ إذن تبقى على هذا اليقين، وهو عدم الطهارة. كذلك أيضا في باب الصلاة، مثلا إذا شك هل صلى ثلاثا أو صلى أربعا، وليس عنده ما يترجح به أحد الاحتمالين، نقول: تبني على اليقين. ما هو اليقين؟ اليقين في العدد هو الأقل. اليقين في العدد إذا حصل الشك في العدد، فاليقين هو الأقل. شككت هل صليت ثلاثا أم أربعا؟ فاليقين هي ثلاث، هذه الثلاث متيقنة؛ إذن تجعلها ثلاثا، ثم تأتي بالرابعة. شككت هل طفت بالبيت خمسا أو ستا؟ تجعلها خمسا؛ لأن هذا هو اليقين، الأقل هو اليقين. تجعلها خمسا، ثم تأتي بالبقية. شككت في الرمي هل رميت ثلاثا أم أربعا؟ تجعلها ثلاثا؛ لأنها هي المتيقنة. فإذا حصل الشك في العدد، فيبنى على اليقين وهو الأقل، ثم يؤتى بعد ذلك بما يتبقى. أيضا في باب المعاملات: شك هل طلق أم لم يطلق؟ فالأصل واليقين عدم الطلاق. اليقين عدم الطلاق. شك هل طلق واحدة أو اثنتين؟ اليقين هي الواحدة. طيب شك هل حلف أو لم يحلف؟ فالأصل واليقين عدم الحلف وعدم اليمين. طيب اليقين لا يزول بالشك، شك، وهذا أيضا في باب الحقوق كما ذكر رحمه الله: إذا شك هل سدد الدين الذي عليه أم لا؟ هو متيقن أنه عليه دين، لكن شك هل سدد هذا الدين أم لا؟ نقول: اليقين عدم السداد؛ فيبقى الدين في ذمتك حتى تتيقن رده. فهذه القاعدة نافعة جدا، ينتفع بها المسلم في كثير من أبواب العبادات والمعاملات، وخاصة من كان يبتلى بالوسواس. من يبتلى بالوسواس فليعمل بهذه القاعدة: اليقين لا يزول بالشك. أنت توضأت وغسلت أعضاءك؛ إذن أنت على طهارة. أنت الآن على طهارة؛ فدع الشك. لا تقول: والله ما أدري هل غسلت يدي أم لا؟ تبقى تغسل يدك خمس مرات، عشر مرات، ويلعب بك الشيطان. لا، أنت غسلتها ومتيقن؛ اعمل بهذا اليقين، ولا تجعل الشيطان سبيلا في التلاعب بك في العبادة. قال: واستدل العلماء على هذه القاعدة بحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يُخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يُخيَّل إليه -يعني يظن أنه أحدث وأنه خرج منه ريح مثلا- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف -ما يخرج من الصلاة- حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. والمراد بذلك: التيقن؛ حتى يتيقن أنه أحدث. فإذا حصل اليقين، فهنا تزول الطهارة؛ لأنها ثبتت بيقين، فلا يزيلها إلا اليقين. قال: وقالوا: الأصل الطهارة في كل شيء. الأصل الطهارة في كل شيء؛ في الماء، في الثياب، في الحجارة، في الأرض، الأصل الطهارة. واستدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾، وبقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر في الصحيحين: «وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلي -يعني في أي وقت جاء وقت الصلاة وأنت خارج المسجد أو بعيد من المساجد، ما عندك مسجد، وجاء وقت الصلاة، وما عندك ماء، عندك التراب، وعندك الأرض، عندك الطهور، تتيمن بالتراب وتصلي-. ومعنى هذا أن التراب طاهر، وأن هذه الأرض طاهرة. وقس على ذلك سائر الأشياء؛ فالأصل فيها الطهارة. شككت في الماء هل هو نجس أو طاهر؟ الأصل هو الطهارة. جيت تريد تلبس ثوبا، شككت هل هذا الثوب طاهر أو نجس؟ فالأصل أنه طاهر. تستعمله حتى تتيقن النجاسة. فالأصل في كل شيء الطهارة. أردت أن تستجمر بالأحجار، ما تقول: هذا الحجر ربما أحد قد استجمر به، فهو نجس؟ لا، الأصل أنه طاهر. النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يستجمر، قال لالمسعود: ائتني بثلاثة أحجار. فأتى إليه بحجرين وروثة، أخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: «إنها رجس». الشاهد أنه أخذ الحجرين واستعملها؛ لأن الأصل فيها الطهارة. وهذه أيضا من القواعد التي تنفع المسلم الذي يبتلى بالوسواس؛ تعلم أن الأصل هو الطهارة في كل شيء؛ في الماء، في الثياب، في كل شيء، الأصل أنه طاهر حتى تتيقن النجاسة. قال: والأصل الإباحة إلا ما دل الدليل على نجاسته أو تحريمه. كذلك الأصل الإباحة -يعني في الأشياء- الأصل أنها مباحة حتى يأتي الدليل على أنه نجس أو حرام. ما هو الدليل؟ استدل العلماء بقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ومنه قوله جل وعلا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾. قالوا: فاللام هنا في قوله جل وعلا: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾، و﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ تدل على الامتنان؛ فالله يمتن على عباده بما خلق لهم في هذه الأرض حتى ينتفعوا به، ومن لازم ذلك أن يكون حلالا وأن يكون طاهرا؛ فدل ذلك على أن الأصل في الأشياء الحل. أيضا في حديث سلمان رضي الله عنه، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو عفو». والحديث في بعض السنن وله طرق عديدة؛ يدل ذلك على أن الأصل الإباحة. ولذلك كانت المحرمات معدودة؛ الأشياء المحرمة تأتي محدودة ومعدودة؛ يعني مثلا في باب الأطعمة، الله عز وجل يقول: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ يعني هذه هي المحرمات فيما نص الله سبحانه وتعالى عليها؛ معناه أن غير هذه المذكورات فهو على الأصل، وهو الحل. ثم تأتي بعد ذلك أشياء أخرى يأتي تحريمها في الكتاب أو في السنة، لكنها محدودة؛ لأن الأصل هو أنها حلال. الأصل أنها حلال؛ يعني مثلا في الحيوانات: هل الأصل في الحيوان الحل أو التحريم؟ الجواب: الأصل هو الحل. ولذلك لا يحرم من الحيوانات إلا ما جاء الدليل بتحريمه؛ لأن الأصل ماذا؟ هو الحل. هكذا أيضا في باب المأكولات، في باب الألبسة، في غيرها؛ الأصل في كل شيء الحل حتى يثبت التحريم. فإذا ثبت التحريم حينئذ ينتقل من الحل إلى التحريم. طيب نقف هنا إن شاء الله، ونكمل في الدرس اللاحق. صلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.