الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 12، ألقاها
الإجماع هو اتفاق العلماء المجتهدين على حكم حادثة بعد وفاة النبي، وهو دليل شرعي صحيح إذا ثبت وصح. استدل العلماء على حجية الإجماع بقول الله تعالى: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ﴾.
يشترط في الإجماع أن يكون مستندا إلى دلالة الكتاب والسنة، وأن يكون قطعي الثبوت خاصة في القرون المفضلة. يجب الرجوع إلى الإجماع إذا ثبت يقينا ولا يجوز مخالفته.
الإجماع دليل شرعي إذا ثبت وصح، ويقسم إلى إجماع قطعي وظني. يجب العمل به إذا كان مستندا إلى الكتاب والسنة، وقد يكون الدليل واضحا أو خفيا.
يبرز المقطع أهمية اطلاع العلماء على مذاهب العلماء في مختلف الأقطار، ويشير إلى قلة من يمتلك هذه المعرفة بسبب الحاجة لسعة الاطلاع. يختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: فصلٌ، وأما الإجماع فهو اتفاق العلماء المجتهدين على حكم حادثةٍ، فمتى قطعنا بإجماعهم وجب الرجوع إلى إجماعهم، ولم تحل مخالفتهم، ولا بد أن يكون هذا الإجماع مستنداً إلى دلالة الكتاب والسنة. الإجماع هو أحد الأدلة الشرعية التي يحتج بها ويستدل بها في إثبات الأحكام، والقول الحق بالإجماع أنه دليلٌ صحيح ويحتج به إذا ثبت وصح. إذا ثبت وصح، وهذا القول قولٌ وسط بين طائفتين: طائفة ردت الإجماع ونفت أن يكون حجة، قول بعض الخوارج والشيعة والنظام من المعتزلة، وقولٌ توسعوا في باب الإجماع، فيستدلون بالإجماع مع وجود ماذا الخلاف في هذه المسألة أو المسائل التي يستدل بها بالإجماع. والحق بذلك وسط. واستدل العلماء على حجية الإجماع بقول الله جل وعلا: ﴿ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا ﴾. هذه الآية فيها وعيد، فيها وعيد لمن خالف سبيل المؤمنين، فهو موعودٌ بهذا الوعيد الشديد. وسبيل المؤمنين أي ما اتفقوا عليه وأجمعوا عليه، ما اتفقوا عليه وأجمعوا عليه، فلا يجوز مخالفتهم فيه. بعض أهل العلم قال: هذه الآية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من المتشابه، لكن بعد وفاته عليه الصلاة والسلام فهي من المحكم البين الواضح، لأنه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فالعبرة بقوله، وكذلك بما صح عنه عليه الصلاة والسلام. وأما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، فالحجة بالكتاب والسنة، وما أجمع عليه العلماء. وما أجمع عليه العلماء مما دلَّت عليه أدلة الكتاب والسنة. قال: وأما الإجماع فهو اتفاق العلماء المجتهدين على حكم حادثة. وهذا التعريف يضاف إليه كذلك قيدين: الأول بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فيقال: هو اتفاق العلماء المجتهدين بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام على حكم حادثة. يضاف كذلك شرعية، يعني مما يتعلق بأحكام الشريعة. فقوله: اتفاق العلماء، قوله: اتفاق، خرج به وجود خلاف، خرج به وجود خلاف، فإذا وجد الخلاف ولو كان المخالف واحدا ممن يعتبر به فلا إجماع، فلا إجماع. فالإجماع لا بد أن يكون فيه اتفاق جميع العلماء. قال الإمام الشافعي رحمه الله: في الإجماع المعتبر إذا قال أجمع، لم تجد أحدا يخالفك. إذا قال أجمع، لم تجد أحدا يخالفك. إذا لا بد من اتفاق العلماء جميعا. وقول العلماء أخرج غير العلماء كالعوام وأشباه العوام، فلا اعتبار بخلافهم ولا بإجماعهم. قوله: المجتهدين، أخرج المقلدين، أخرج المقلدين، من كان مقلدا وليس من أهل الاجتهاد، فإنه كذلك لا يعتبر بقوله. وقولنا: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أخرج ما إذا كان ذلك في حال حياته، فإنه لا يعتبر به، لأن العبرة في حياة النبي عليه الصلاة والسلام هو بقوله. على حكم حادثة شرعية، يعني يكون الإجماع على إثبات حكم حادثة شرعية، إما في تحليل أو تحريم أو أمر أو نهي أو غير ذلك من الأحكام الشرعية. فقولنا: على حكم حادثة شرعية، خرج به ماذا الحوادث العقلية أو العادية العادية، مثلا كون النار تحرق، هذا شيء عادي ما يحتاج إجماع لإثباته، أو كون الأكل يحصل به الشبع مثلا، هذا أمر عادي، أو أمر عقلي أن الكل أكبر من الجزء، فهذا لا يحتاج إلى إجماع. إذن الإجماع اتفاق العلماء المجتهدين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على حكم حادثة شرعية. قال: فمتى قطعنا بإجماعهم وجب الرجوع إلى إجماعهم، ولم تحل مخالفتهم. وقوله: متى قطعنا بإجماعهم، يعني إذا ثبت الإجماع يقينا وقطعنا بثبوت هذا الإجماع هنا، وجب الرجوع إلى إجماعهم، يؤخذ بما أجمع عليه العلماء وما اتفقوا عليه، ولا يجوز مخالفتهم، لأن هذا خلاف ما أمر الله سبحانه وتعالى به من اتباع سبيل المؤمنين. ومن خالفهم فهو مخالف لما أمر الله سبحانه وتعالى به. وقوله: متى قطعنا بإجماعهم، يخرج به ما إذا كان الإجماع غير مقطوع به، إذا كان الإجماع غير مقطوع به بل مختلف في ثبوته، فهنا يعني لا يجوز إلزام الناس بهذا الإجماع لأن الخلاف موجود، لأن الخلاف موجود، فلا يكون الإجماع هنا إجماعا قطعيا. لكن ينبه كما سيأتي إلى أن الإجماع منه ما هو إجماع معتبر، ومنه ما هو إجماع غير معتبر. فالإجماع المعتبر في الأصل هو ما كان في القرون المفضلة، ما كان في القرون المفضلة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، لأنه في ذلك العصر كان يمكن الإحاطة بأقوال العلماء. وأما بعد القرون المفضلة فإن الأمة انتشرت وتوسعت، وصعب الإحاطة بأقوال العلماء جميعا، فيصعب نقل الإجماع. ولذلك يقال: ما كان بعد القرون المفضلة إن صح وثبت نقل الإجماع، ولم يعرف يعني فيه مخالف، فهنا يحتج به ويعمل به. وأما إن كان هذا الإجماع مخروما بوجود من يخالف ممن يعتد به، فإنه لا يكون إجماعا معتبرا، لا يكون إجماعا معتبرا. ومع ذلك إذا كان هذا القول هو قول أكثر العلماء وعامة العلماء، وكان قولهم يعني يوافق الدليل، دليل من الكتاب والسنة، فلا شك أن الأخذ به أولى، الأخذ به أولى وأسلم للإنسان من الوقوع في الخطأ، وإن كان هناك من يخالف، لكن هذا قول أكثر العلماء، وقولهم يوافقه الدليل، قولهم يوافق الدليل، فهنا يؤخذ بقولهم. قال: ولا بد أن يكون هذا الإجماع مستندا إلى دلالة الكتاب والسنة. لا بد أن يكون هذا الإجماع مستندا إلى دلالة الكتاب والسنة. وفي الحقيقة الإجماع إما أن يكون قائما على دليل واضح صريح صحيح من الكتاب والسنة، وهذا حال كثير من الإجماعات. وقد يكون الدليل خفي قد ما يعلم به الإنسان، ومع ذلك فالإجماع ثابت، ولو يوجد هناك مخالف، فكذلك يؤخذ بهذا الإجماع. وربما يخفى عليك ويعلمه غيرك، قد يخفى عليك ويعلمه غيرك، ومدام أن الإجماع صحيح فإنه يعمل به. مثل مثلا إجماع العلماء على أن الماء إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة، فإنه يكون نجسا لا يجوز استعماله، هذه المسألة مجمع عليها، ورد فيها حديث لكنه ضعيف، لكنه ضعيف، ولا يعلم هناك يعني دليل صحيح صريح في هذه المسألة إلا الإجماع إلا هذا الإجماع، وهذا الإجماع موافق لدلالة الكتاب والسنة. أو قد يكون كذلك صحيحا لكنه خفي، مثل إجماع العلماء على أن الجد بمنزلة الأب، على أن الجد بمنزلة الأب. واستدل العلماء بقول قول الله جل وعلا عن يوسف عليه السلام في قول: ﴿ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ﴾، إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وهؤلاء أجداده، ومع ذلك أطلق عليهم لفظ الأبوة، فدل على أن الجد بمنزلة الأب. وما من يعني إجماع إلا وهو كما قلنا مسند إلى دليل، أو يوصلك إلى الدليل، أو يوصلك إلى الدليل. وإن قسم كذلك الإجماع يمكن أن يقسم إلى قسمين: إجماع قطع وإجماع ظني، إجماع قطعي وإجماع ظني. فالإجماع القطعي هو ما كان معلوما من الدين بالضرورة، مما لا يخفى على أحد من المسلمين، كالإجماع على وجوب الصلاة وعلى وجوب الزكاة وعلى حرمة الزنا، إلى آخره من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة. وإجماع وإجماع ظني، وهو ما علم بالنظر والاستدلال، ما يعلم بالنظر والاستدلال في الأدلة، فيجمع على حكم هذه المسألة، يقال: هذا إجماع ظني. والفرق بينهما أن الإجماع القطعي منكره كافر، الإجماع القطعي منكره كافر. وأما الإجماع الظني فإنه لا يكفر منكره، لأن مثل مثل ذلك قد يخفى فيبين له وتقام عليه الحجة، وبعد ذلك يحكم عليه بما يستحق. فالخلاصة أن الإجماع دليل يحتج به ويعمل به إذا ثبت وصح. ومع ذلك كما قلنا بأن كثير من الإجماعات التي ربما تنقل في كثير من المسائل تنقل فيها الإجماعات وهي إجماعات مخرومة، تجد كثير من المخالفين قد خالفوا هذا الإجماع. ولذلك بعض العلماء أنكر ثبوت الإجماع، ليس يعني لكونه دليل وحجة، وإنما لصعوبة الإحاطة بأقوال العلماء لكثرتهم وتفرقهم. ولذلك تجد أن من يعني اهتم بهذا الباب بنقل الإجماعات في كثير من المسائل قلة من العلماء، قلة من العلماء، وهم جهابذة أهل العلم، كالإمام بن حزم، وابن عبد البر، وابن شيخ الإسلام من تيمية رحمه الله. فتجد القليل من العلماء ممن اهتم بهذا الأمر لسعة اطلاعهم ومعرفتهم بمذاهب العلماء في سائر الأقطار. صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.