شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 21

الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 21، ألقاها

مقدمة في شروط وجوب العبادات والحقوق

العبادات تجب بشروط معينة، وهي السبب والقدرة وانتفاء المانع، والتكليف يكون بالبلوغ والعقل. كما أن الإتلافات تجب على الجميع.

مسؤولية غير المكلفين عن الأضرار المالية وتوضيح أحكامهم

غير المكلفين مثل المجنون والصبي يضمنون الأضرار المالية، ووليهم مسؤول عن التعويض. كما تجب الزكاة في أموالهم إذا بلغت النصاب.

رفع الإثم عن الإنسان في حالة النسيان أو الجهل وتطبيقاته

لا إثم على الإنسان إذا فعل محرم أو ترك واجب ناسيا أو جاهلا، لكن يبقى الحكم الأصلي للفعل، مثل إعادة الصلاة أو ضمان المال.

ختام الدرس والإشارة إلى ما يليه

يتم ختم الدرس بالإشارة إلى استكمال القاعدة في الدرس اللاحق والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله: ومنها إذا وجدت أسباب العبادات والحقوق ثبتت ووجبت، إلا إذا قارنها المانع. يعني من الأصول كذلك والقواعد أنه إذا وجدت أسباب العبادات والحقوق ثبتت ووجبت، إلا إذا قارنها المانع. فإذا وجد سبب العبادة وجب الاتيان بها، إلا إذا وجد مانع يمنع من ذلك. فمثلا غروب الشمس سبب لصلاة المغرب، وزوال الشمس سبب لصلاة الظهر، وطلوع الفجر الصادق سبب لصلاة الفجر. الآن وجد سبب العبادة، وجد سبب العبادة، فهنا يجب الاتيان بها. لكن إذا وجد مانع، فهنا لا يمكن الاتيان بها، ولا يجب الاتيان بها، كأن يوجد هذا السبب، لكن الذي يريد أن يصلي عنده مانع، كالمرأة مثلا الحائض أو النفساء. وجود الحائض أو النفاس يمنع من الصلاة، مع أن السبب موجود، لكن وجد المانع، فهنا لا يجب. كذلك أيضا البلوغ مثلا سبب لوجوب التكاليف، سبب لوجود التكاليف، لكن سيوجد مانع، كون هذا البالغ غير عاقل، مجنون، فهنا لا يجب عليه هذه التكاليف لوجود المانع. وهكذا أيضا في ثبوت الحقوق، فالإرث مثلا من أسبابه أن نسب، من أسبابه أن نسب، كون هذا الميت بينه وبين هذا الحي نسب وقرابة، فهنا يثبت حق الإرث، يرث هذا الحي الميت، كمثلا يموت أب ويخلف ابن، أو يموت أخ ويترك أخا، هنا يثبت له حق الميراث. لكن قد يوجد مانع، قد يوجد مانع من موانع الإرث، كون أحدهما مثلا مسلم والآخر كافر، فهنا لا يثبت حق الميراث لوجود هذا المانع، لا يرث المسلم الكافر، والكافر المسلم. أو يكون أحدهما يعني هذا الحي قتل المورث الذي مات وأراد أن يرثه، فيكون ذلك مانعا من الإرث مع وجود السبب. إذن لا تثبت الحقوق، ولا تجب العبادات إذا وجدت أسبابها، إلا إذا انتفت موانعها. فإذا وجد السبب وانتفى المانع، هنا تثبت الحقوق وتجب العبادات. قال: ومنها الواجبات تلزم المكلفين، والتكليف يكون بالبلوغ والعقل، والإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم. فمتى كان الإنسان بالغا عاقلا وجبت عليه العبادات التي وجوبها عام، ووجبت عليه العبادات الخاصة إذا اتصف بصفات من وجبت عليهم بأسبابها. والناس والجاهل غير مؤاخذين من جهة الإثم، لا من جهة الضمان في المتلفات. يقول: من الأصول والقواعد الواجبات تلزم المكلفين، يعني ما أوجبه الشرع وأمر به وألزم به، فإنها تلزم المكلفين. من هو المكلف؟ قال: التكليف يكون بالبلوغ والعقل، هذا الاصطلاح جرى عليه أهل الأصول والفقه، يستعملون لفظة التكليف ويريدون به من كان بالغا عاقلا. من كان بالغا عاقلا فإذا كان الإنسان بالغا وكان عاقلا توجهت إليه التكاليف وأوامر الشرع وألزم بالإتيان بها. وأدلة ذلك أن الإنسان إن لم يكن بالغا أو عاقلا لا تجب عليه التكاليف، حديث علي رضي الله عنه في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «رفع القلم عن ثلاثة: المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يبلغ أو يحتلم، والنائم حتى يستيقظ». فهذا الحديث يدل على أن الصبي ومن كان دون البلوغ لا يلزم بالتكاليف الشرعية، أو بالواجبات الشرعية التي أمر بها الشرع حتى يبلغ أو يحتلم. وهكذا أيضا المجنون حتى يفيق، فإن كان جنونه مستمرا فلا يلزم بشيء، وإن كان جنونه مؤقتا يفيق تارة ويجن تارة، يلزم بالواجبات في وقت إفاقته، وأما في وقت جنونه فليس عليه شيء. قال: والإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم، الإتلافات تجب على المكلفين وغيرهم. ما معنى الإتلافات؟ يعني ما يتعلق بحقوق الناس من أموال أو دماء أو غيرها، فهذه تجب على المكلفين وتجب على غيرهم، يعني غير المكلفين كالمجنون والصبي، فهما وإن كانا غير ملزمين بالتكاليف والواجبات، لكن في باب الإتلافات والضمان فإنها تلزمهم. لماذا تلزمهم؟ لأنها من خطاب الوضع، وخطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف. خطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف، وهو ما وضعه الشارع من علامات وأسباب ورتب عليها الأحكام، فإذا وجدت وجدت أحكامها، وإذا انتفت انتفت أحكامها، ولا ينظر في حال الفاعل هل هو بالغ أو غير بالغ، أو عاقل أو غير عاقل. فإذا حصل الإتلاف من البالغ العاقل فلا إشكال، لا إشكال فيه أنه يضمن، قتل إنسانا، أخذ ماله، أتلف شيئا، كسر شيئا، يضمن هذا لا إشكال فيه مع كونه بالغ عاقلا. لكن إذا كان مجنونا أو صبيا، فهنا كذلك يضمن، هذه المتلفات الأصل أن تكون في ماله، ويؤديها عنه وليه، وإن لم يكن عنده مال التزم بها الولي. فالصبي مثلا إذا أتلف مالا، كسر زجاجا مثلا، أتلف حشايا لشخص، من الذي يضمن؟ هل يقال هذا الصبي مرفوع عنه القلم؟ الجواب: نعم، هو الصبي مرفوع عنه القلم في باب الإثم، لكن في باب الضمان المتلفات فإنه يضمن، يضمن وليه، أتلفه. كذلك المجنون إذا أتلف شيئا فإنه يضمن وليه. قال: فمتى كان الإنسان بالغا عاقلا وجبت عليه العبادات التي وجوبها عام، ووجبت عليه العبادات الخاصة إذا اتصف بصفات من وجبت عليهم بأسبابها. الواجبات العامة يعني التي يجب على كل مسلم أن يأتي بها كالصلاة والصيام، هذه واجبات عامة. إذا بلغ الإنسان وصار بالغا وهو عاقل توجهت إليه هذه الواجبات وألزم بها. وقبل ذلك قبل البلوغ ما يلزم، يعني لا تجب عليه ولا يأثم بتركها لأنه غير مكلف، غير عاقل، غير بالغ. وإن كان وليه يأمره في السن السابع ويضربه عليها في السن العاشر، هذا من باب التأديب كما أمر الشرع، لكن من حيث وجوبها عليه لا تجب حتى يبلغ. والعبادات الخاصة التي وجبت بصفات خاصة وقيود كالحج مثلا، هذه صفة عبادة خاصة بمن كان مستطيعا. الزكاة مثلا كذلك إذا كان عنده مال يبلغ النصاب، فإذا وجبت أسبابها وجبت عليهم. وإن كانا غير مكلفين، ما يقول الإنسان مثلا كيف نخرج زكاة من مال الصبي أو من مال المجنون وهو ما يعقل؟ هذا مجنون لا عقل له، وهذا الصبي لم يبلغ بعد، كيف يجب المال الزكاة في ماليهما؟ الجواب أن وجوب الزكاة في المال هو أيضا من خطاب الوضع، لأن الشرع جعل علامات وأسبابا في وجوب الزكاة في المال، إذا وجدت وجب إخراج الزكاة فيها بغير النظر أو بغض النظر عن مالك هذا المال، بغض النظر عن مالك هذا المال، سواء كان بالغا أو غير بالغ، عاقلا أو غير عاقل. فمدام أن عنده مال وجدت فيه الصفات التي أوجب الشرع فيها الزكاة، فهنا يجب الزكاة في هذا المال. يجب الزكاة في هذا المال، فيزكى مال الصبي ومال المجنون، ويخرجه وليه، يخرج الزكاة من ماله. وهذا معنى قوله: وجبت عليه العبادات الخاصة إذا اتصف بصفات من وجبت عليهم بأسبابها، هذا مع كون الإنسان بالغا عاقلا في العبادات كالحج ونحوها. وأما في باب المال ووجوب الزكاة فإنه كذلك يجب وإن لم يكن بالغا عاقلا. قال: والناس والجاهل غير مؤاخذين من جهة الإثم، لا من جهة الضمان في المتلفات. يعني إذا حصل شيء من الناس أو الجاهل من ترك واجب أو إتلاف مال، فإنه لا إثم عليه من جهة الإثم، ليس عليه إثم. لماذا؟ لأن الله عز وجل رفع الحرج والمؤاخذة على الإنسان إذا كان في حال جهل أو نسيان أو إكراه. قال الله جل وعلا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. وهكذا أيضا يقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فإذا حصل شيء من الإنسان على جهة النسيان أو الجهل، فإنه غير مؤاخذ به من حيث الإثم، ما يأثم؟ نسي صلاة ناسيا، نسي أن يتوضأ فصل وهو ناسي، ما عليه إثم من حيث الإثم، ليس عليه إثم. جهل حكما من الواجبات فتركه، أو فعل محذورا جهلا أن هذا ما يجوز، ليس عليه إثم من حيث الإثم، لا إثم عليه. قال: لا من جهة الضمان في المتلفات، من جهة الضمان فإنهم يضمنون وإن كان ناسيا أو جاهلا. وإن كان ناسيا أو جاهلا، مثلا أعطى شخص إنسان مالا، قال: هذا المال دين عندك، أنت رجل أمين أضع هذا المال عندك دين حتى أحتاج له في وقت من الأوقات، فأخذه منك، أخذ هذا الدين، ثم نسي، نسي أن هذا المال دين لفلان، فاستعمله وهو ناسي. هل عليه إثم؟ الجواب: ما عليه إثم لأنه ناسي، استعمله هو ناسي، لكن عليه الضمان، يضمن هذا المال متى ما جاء صاحبه رده إليه. ما يقول: والله يا فلان يعني جزاك الله خير، أنا نسيت، استعملت المال والمال قد راح وانتهى، لا، لابد يرده، لابد يرد هذا المال ويضمنه. كذلك أيضا إذا حصل شيء من ذلك على جهة الجهل. وهنا قاعدة يذكرها العلماء وهي أن ترك المأمور به نسيانا أو جهلا، أو فعل المحذور جهلا أو نسيانا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. ترك المأمور به، فعل المحذور جهلا أو نسيانا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. وترك المأمور نسيانا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم، يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. وتركه جهلا يسقط الإثم والحكم إذا كان قد خرج وقت العبادة. ما هو الدليل على هذه القاعدة؟ في فعل المحذور إذا فعل الإنسان محذورا ناسيا فإنه يسقط عنه الإثم، ما له إثم، لكن يبقى الحكم أنه يأتي بهذه العبادة وهذا الواجب. مثلا في الصيام نسي أو شرب وهو ناسي، ما يضر ذلك بعبادته، إذا فعل المحذور ناسيا، صام فأكل أو شرب وهو ناسي، ما حكم صيامه؟ حكم صيامه أنه صحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من نسي فأكل أو شرب وهو صائم فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». هذا فعل محذور وهو الأكل والشرب في حال الصيام. أو كذلك إذا نسي فترك الوضوء، صلى بلا وضوء، هل عليه إثم؟ الجواب: لا، ما عليه إثم من حيث الإثم، ما عليه أنه ناسي، لكن عليه إعادة الصلاة، يتوضأ ويعيد الصلاة. وهكذا أيضا في باب الجهل إذا فعل المحذور جاهلا فإنه لا يضر ماذا في عبادته؟ ويسقط عنه الإثم، مثلا الكلام في الصلاة محذور ممنوع، محرم أن يتكلم الإنسان في الصلاة، فحصل منه على جهة الجهل، ما يعرف أن الكلام في الصلاة محرم، تكلم، هل عليه إثم؟ الجواب: لا، لأنه جاهل. وما حكم صلاته؟ صلاته صحيحة، ويدل على ذلك قصة معاوية بن الحكم رضي الله عنه لما تكلم في الصلاة، ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة، ما أمره أن يعيد الصلاة، فدل على أن الإنسان يعذر إذا حصل منه المحذور جهلا. ما بقي من القاعدة المذكورة نتمها إن شاء الله في الدرس اللاحق إن شاء الله. إلى هنا صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على