الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 7، ألقاها
يبدأ الدرس بشرح قاعدة العمل بالعرف في الأحكام الشرعية، حيث يُبين أهمية العرف في فهم النصوص الشرعية وتطبيقاتها العملية. يُوضح شروط العمل بالعرف مثل عدم مخالفته للشرع واضطراده.
يتناول الدرس تعريف العام والخاص في نصوص الكتاب والسنة، حيث يُعرّف العام بأنه اللفظ الشامل لأجناس أو أنواع أو أفراد كثيرة، والخاص بأنه اللفظ الذي يدل على بعض الأفراد أو الأنواع. يُوضح كيفية التعامل مع هذه النصوص.
يشرح الدرس كيفية تطبيق مفاهيم العام والخاص في التفسير الفقهي، خاصة عند وجود تعارض ظاهري بين النصوص العامة والخاصة. يُبين كيفية حمل العام على الخاص في التفسير القرآني.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: الحقائق ثلاثة: شرعية، ولغوية، وعرفية. فما حكم به الشارع وحده وجب الرجوع فيه إلى الحد الشرعي، وما حكم به ولم يحده اكتفاء بظهور معناه اللغوي وجب الرجوع فيه إلى اللغة. وقفنا عند هذا الموضع، أن ما حده الشرع وبيّنه رجع فيه إلى حد الشرع، وما حكم به الشرع ولم يحده بحد رجع فيه إلى معناه في اللغة. كما ذكرنا في أمر النبي عليه الصلاة والسلام بذبح شاة لمن عليه فدية، أطلق لفظ الشاة ولم يحدها بحد، ولم يحده بحد، نرجع في معناها إلى اللغة، فتشمل كل أنواع الشياة من الأغنام أو ضأن. قال: وما لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة رجع فيه إلى عادة الناس وعرفهم، يعني الأحكام التي يطلقها الشرع ويحكم بها، وليس لها حد لا في الشرع ولا في اللغة، هنا يرجع فيها إلى العرف. يرجع فيها إلى العرف، وهذه قاعدة فقهية العمل بالعرف عند إطلاق الشرع لحكم من غير أن يحده بحد. إذا ورد في الشرع حكم لم يحد بحد رجع فيه إلى العرف. قال المؤلف رحمه الله في نظمه في القواعد الفقهية: والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحد. فإذا أطلق الشرع حكما من الأحكام ولم يحده بحد، ولا يمكن الرجوع فيه إلى اللغة رجع فيه إلى العرف. وهذه القاعدة يعمل بها، لكن لها شروط. لها شروط منها أن لا يكون العرف مخالفا للشرع، إذا كان العرف يخالف الشرع فلا يعمل بالعرف. لا يعمل بالعرف. طيب إذا قال شخص مثلا: نحن في عرفنا أننا نصافح النساء أو ندخل على النساء، فيقال هذا عرف مخالف للشرع ما يعمل به. كذلك أن يكون العرف مضطردا، أن يكون العرف مضطردا، يعني ليس مختلف فيه، بل هو عرف مضطرد لا يتناقض. وكذلك أيضا من شروط العرف أن يكون العمل بالعرف السابق، أن يكون العمل بالعرف السابق لا لاحق، يعني العرف الأول. وكذلك أيضا ذكر بعض أهل العلم أن لا يخالف هذا العرف نصا، أن لا يخالف هذا العرف يعني نصا يضعه الإنسان، مثلا في العرف أنه إذا قرب الطعام عند الإنسان أن معنى هذا إذان له بالأكل، إذا قرب الطعام تحت الإنسان معنى أنه يأكل. فإذا قال صاحب الطعام حين قربه: لا يقرب أحد حتى آتي مثلا، يقال الآن هذا النص خالف العرف، أقيد العرف فلا يعمل به، فلا يعمل بهذا العرف. لكن أهم الشروط كما سمعنا أن لا يخالف العرف النص، وأن يكون العرف مضطردا، وكذلك أن يكون العمل بالعرف السابق. مثل ماذا؟ أطلق العرف ولم يحده بحد، مثلا مسألة السفر وما يتعلق به من أحكام من قصر الصلاة ونحوها، لم يأتي في الشرع حدا يحد به السفر الذي يحصل به الترخص، ليس هناك نص صريح، هناك بعض الأدلة سلّة بعضها العلم يعني قالوا بها على تحديد مسافة السفر، وإن كان ليسا صريحة. ولهذا قال جماعة من أهل العلم أن يرجع في هذه المسألة إلى العرف، يرجع فيه إلى العرف. فما عده الناس في عرفهم سفرا يعد سفرا يترخص فيه برخص السفر، وما لم يعد سفرا فإنه لا يعد سفرا. وبهذا قال شيخ الإسلام ابن تيميا رحمه الله وغيره من أهل العلم. قال: وقد يصرح الشارع بإرجاع هذه الأمور إلى العرف، كالأمر بالمعروف والمعاشرة بالمعروف ونحوهما. نعم، قد يصرح الشارع بإرجاع هذه الأمور إلى العرف، مثلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ما هذا المعروف؟ المعروف في الشارع، وكذلك أيضا المعروف عند الناس، ما كان معروفا في الشارع مما أمر به أشار على جهة الوجوب أو الاستحباب. وهكذا أيضا ما تعارف عليه الناس أنهم من المعروف، فهذا يؤمر به. وهكذا المعاشرة بالمعروف، قال الله عز وجل: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، أرجع حكم المعاشرة إلى العرف، والعرف يختلف، العرف يختلف، فالناس منهم من هو غني، منهم من هو فقير، منهم من هو وسط، فكل لهم المعاشرة على حسب حاله، الغني عليه معاشرة الأغنياء، يعني في النفقة والمسكن والملبس، والفقير نفقة الفقراء والمسكين نفقة المساكين. والرجوع كذلك أيضا في بعض الأحكام العرف ليس بالأذواق، وإنما بما تتبين أو يتبين عن طريق النظر في الأدلة. فمثلا قول الله عز وجل في كفارة اليمين: ﴿من أوسط ما تطعمون أهليكم﴾، ما المراد الوسط هنا؟ هذا يرجع فيه إلى حال المخاطب، إلى حال المخاطب، إن كان من أغنياء فمن وسط ما يأكل الأغنياء، وإن كان من المساكين من وسط ما يأكل المساكين وهكذا. قال: فاحفظ هذه الأصول التي يضطر إليها الفقيه في كل تصرفاته الفقهية، يعني يحتاج بالنظر للأدلة أن يرجع إلى معناها إلى الشرع، إن كانت الألفاظ والأحكام شرعية، أو يرجع إلى معناها في اللغة إن أطلقت في الشرع ولم تحد بحد، رجع إلى معناها في اللغة، فإن لم يكن لها حد في الشرع ولا في اللغة رجع فيه إلى العرف. قال: فصل، النصوص الكتاب والسنة منها عام، وهو اللفظ الشامل لأجناس أو أنواع أو أفراد كثيرة، وذلك أكثر النصوص، ومنها خاص يدل على بعض الأجناس أو الأنواع أو الأفراد. فحيث لا تعارض بين العام والخاص عمل بكل منهما، وحيث ظن تعارضهما خص العام بالخاص. إلى آخر ما ذكر في هذا الفصل في ذكر أنواع نصوص الكتاب والسنة. قال: منها عام، يعني من نصوص الكتاب والسنة ما هو عام، ما هو العام؟ قال: هو اللفظ الشامل لأجناس أو أنواع أو أفراد كثيرة. ويعرفه بعض أهل العلم بأنه اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له دفعة واحدة بلا حصر. اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له دفعة واحدة بلا حصر. وهنا قال: اللفظ الشامل لأجناس أو أنواع أو أفراد كثيرة، هذا يقال له عام. والعام كما يقول أهل العلم من عوارض الألفاظ، معناه أنه يؤخذ من الألفاظ، يعرف العام باللفظ، ولهذا كان لألعام ألفاظ معلومة وكثيرة، كالأسماء الموصولة مثلا، وأسماء الاستفهام، وأسماء الشرط، كذلك أيضا الاستغراقية، وكل لفظة "كل" وغيرها من ألفاظ كثيرة التي تدل على العموم. فهو لفظ شامل، يعني يشمل جميع الأفراد الذين يدخلون في هذا اللفظ العام. مثلا قول الله عز وجل: ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾، لفظ "الإنسان" لفظ عام، لفظ عام يشمل كل إنسان، التي فيه قال لها الاستغراقية، فيشمل جميع من يدخل تحت هذا اللفظ، فهذا اللفظ جنس يشمل تحته أفراد متعددة، الإنسان يشمل المسلم والكافر والذكر والأنثى، الطالح والصالح، كل إنسان. فهو لفظ شامل لجميع ما ينذر تحته من أفراد، ولهذا جاء بعد ذلك الاستثناء: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ إلى آخر السورة. وهذا كما يقول أهل العلم يعرف العموم بقبوله الاستثناء، فالاستثناء معيار العموم، الاستثناء معيار العموم، فاللفظ الذي يقبل الاستثناء يعرف أنه عام. يعرف أنه عام، فقول الله عز وجل: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾، خرج هؤلاء من هذه الخسارة التي أخبر الله سبحانه وتعالى بها على كل إنسان، فعلم أن هذا اللفظ لفظ عام. كذلك أيضا لو قلت: أكرم الطلاب، أكرم الطلاب، لفظ "الطلاب" لفظ عام يشمل جميع الطلاب، المجتهد والمتكاسل، الكبير والصغير، لأن هذا لفظ عام شامل لجميع الأفراد، جميع الأفراد يدخلون تحت هذا اللفظ العام. طيب هذا معنى العام، ولذلك تستطيع أن تخصص فتقول: أكرم الطلاب إلا زيدا، أو أكرم الطلاب المجتهدين، فتخرج غير المجتهدين. قال: وذلك أكثر النصوص، يعني أكثر النصوص عامة، ليس تجد في كثير من الآيات "يا أيها الناس" "يا أيها الذين آمنوا"، هذه نصوص عامة وهي أكثر النصوص. قال: ومنها خاص يدل على بعض الأجناس أو الأنواع أو الأفراد، يعني من نصوص الكتاب والسنة ما هو خاص، والخاص عكس العام، العام اللفظ الشامل، فالخاص اللفظ الذي يدل على بعض الأجناس، فهو غير شامل، فهو غير شامل. طيب إذا قلت: أكرم الطلاب المجتهدين، هذا ليس بعام، لماذا؟ لأنك ما شملت الطلاب كلهم، وإنما خصصت بالإكرام بعض الطلاب، خصصت بالإكرام بعض الطلاب وهم المجتهدون. طيب قلت: أكرم الفقراء المستقيمين، هذا خاص، خصصت الإكرام ببعض الفقراء المستقيمين على شرع الله، خرج غير المستقيمين. طيب أكرم الطلاب إلا عشرا، إلا عشرا، هنا خصصت، فحصل تخصيص، فاللفظ الخاص يدل على بعض الأجناس أو الأنواع أو الأفراد، فلا يدل على جميع الأفراد وإنما على بعضهم. قال: فحيث لا تعارض بين العام والخاص عمل بكل منهما، إذا لم يتعارض العام مع الخاص عمل بالعام على عمومه، وعمل بالخاص على خصوصه. مثاله أمر الله عز وجل بإشهاد شاهدين في الأموال، فأشهدوا شاهدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلان فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، فإن لم يكونا رجلين. صح فأشهدوا شاهدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلان، نعم، فرجل وامرأتان، الآن أمر الله عز وجل بإشهاد رجلين في الأموال. وفي قصة خزيم بن ثابت جعل النبي عليه الصلاة والسلام شهادته بشهادة رجلين في بيع حصل بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين عرابي، اشترى منه النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا. ثم تقدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتي له بالثمن، فجاءوا ناس وساوموا العرابي على هذا البعير، فأراد أن يبيعه لهم، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أنه قد اشترى منه، أنكر العرابي، فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: من يشهد لك؟ فقال: خزيم بن ثابت رضي الله عنه، أنا يا رسول الله، أنا أشهد لك. فقال: كيف تشهد ولم تر؟ لم يكن حاضرا. فقال: يا رسول الله، لقد صدقناك في خبر السماء، فلا نصدقك في ثمن بعير؟ فجعل النبي عليه الصلاة والسلام شهادته بشهادة رجلين. طيب هذا الآن هو رجل واحد، ومع ذلك تقبل شهادته في الأموال، وتقوم بمقام شهادة رجلين. هل هذا يعارض اللفظ العام بإشهاد رجلين؟ الجواب نقول: لا تعارض، هذا العام يعمل به في عمومه، وهذا الحكم الذي هو لخزيمة هو حكم خاص، يعمل به في خصوصه. قال: وحيث ظن تعارضهما خص العام بالخاص، إذا ظن التعارض هنا يحمل العام على الخاص، ويخصص عموم هذا العام. مثلاً قول الله جل وعلا بعد أن ذكر المحرمات من النساء قال: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ يعني من النساء، هذا لفظ عام يدل على أن غير المذكورات من النساء يجوز نكاحهن. ثم جاء في السنة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها»، هذا الحكم غير موجود في الآيات التي ذكرت في سورة النساء، وهي يعني حكم آخر. كيف هذا الحكم مع قول الله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾؟ هذه الآية تدل على أن نكاح غير المذكورات حلال، وهذا الحديث يدل على أن نكاح المرأة على عمتها لا يجوز، فهنا حصل شيء من التعارض. نقول: هنا يحمل العام على الخاص، فنقول: قوله جل وعلا: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ خص بما ثبت في السنة من تحريم النبي عليه الصلاة والسلام الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، هذا معنى قوله: وحيث ظن تعارضهما خص العام بالخاص، يخص العموم العام بهذا الدليل الخاص. طيب نكتفي بهذا، صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وأهله وصحبه أجمعين.