الخطبة بعنوان محاسبة النفس، والتي كانت بمسجد الدخين بدعون 27 محرم 1446هـ الموافق 2 أغسطس 2024م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يؤكد الخطيب على وجوب محاسبة المؤمن لنفسه في الدنيا مستنداً إلى آيات قرآنية وأقوال السلف، محذراً من قرب يوم القيامة وإحصاء الأعمال صغيرها وكبيرها. وينقل أقوال السلف كالميمون بن مهران وابن القيم داعياً للتوبة وتصحيح المسار قبل لقاء الله.
يحث الخطيب على مراجعة النفس فيما يتعلق بالمناهي والغفلة والأقوال والأعمال، مستدلاً بآيات وأحاديث عن سؤال العبد يوم القيامة. ويؤكد على التوبة والاستغفار وكثرة الحسنات كسبيل للنجاة.
يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان. ثم يختم بالحمد لله رب العالمين داعياً للمسلمين في فلسطين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. هذه الآية يقول عنها ابن القيم عليه رحمة الله: "أصل في محاسبة النفس". فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نداء ليس لغيرنا معاشر المؤمنين، بل هو لي ولك أخي المسلم. فنادانا ربنا سبحانه وتعالى بنداء الإيمان، حبًا للصفات التي يحبها المؤمن، ألا وهو وصف الإيمان. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾؛ لتتأمل، والنظر هنا بمعنى التأمل وبمعنى المحاسبة. ولتتأمل كل نفس ما قدمت من أعمال صالحة ليوم القيامة. فيوم غد يا عباد الله في هذه الآية هو يوم القيامة، حتى قال أحد السلف: "لا يزال ربنا سبحانه وتعالى يقرب لنا يوم القيامة حتى جعله كغد"، والغد هو اليوم الذي بعد يومنا. فدل ذلك يا عباد الله على أن يوم القيامة قريب منا، ومن مات فقد قامت قيامته، وما يدريك لعل الساعة تكون قريبًا. ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾؛ ليتأمل كل واحد منا يا عباد الله: ماذا قدمنا لآخرتنا؟ ما هي أعمالنا؟ ما هي قرباتنا التي تقربنا إلى ربنا؟ يقول عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن، وتهيّبوا للعرض الأكبر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾». اليوم يا عباد الله وقت المحاسبة ووقت المراجعة. يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: «المؤمن قوام على نفسه، يحاسبها لله. وإنما شق الحساب على أقوام يوم القيامة أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة، أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. فمن لم يحاسب نفسه في هذه الدنيا شق عليه الحساب يوم القيامة». أيها المسلمون، عباد الله، كيف لا يحاسب المسلم نفسه وهو يعلم ويؤمن أن جميع أعماله، الصغير منها والكبير، الجليل منها والحقير، النقير منها والقطمير، كل هذه الأعمال مسجلة عليه وسيحاسب عنها يوم القيامة؟ كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، عما كانوا يعملون في هذه الدنيا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. يُضرب بها المثل في صغر الشيء، فهذه الذرة من خير أو من شر سنُسأل عنها يوم القيامة. فكيف لا يُحاسب أحدنا نفسه في هذه الدنيا: أقَدَّم الخير أم الشر؟ ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾. كل ما تعمله يا عبد الله فسيكون أمامك يوم القيامة، ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. لا يُزاد في كتابك شيئًا لم تعمل، ولم يُنقص من كتابك شيئًا لم تعمل. فكل ما عملته محصيّ عليك بالحق والعدل، فهو سبحانه وتعالى الذي سمّى نفسه بالعدل، وهو الذي حرّم الظلم علينا وحرّمه على نفسه، ﴿فَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. كيف لا يُحاسب المؤمن نفسه وهو يؤمن بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، أي مقيد مكتوب عليه؟ وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. هذه أعمالك، إن نسيتها فإن الله عز وجل لم ينسها، فهي محصية عليك، مكتوبة عليك، مُسطّرة في اللحظة التي عملتها فيها. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. حذّرنا ربنا عز وجل من أن نُسوّد صحائفنا بالأعمال السيئة التي نتمنى يوم القيامة أن يكون بيننا وبينها أمدًا بعيدًا، وهيهات هيهات. ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. أحصاه الله، سجّله الملائكة في كتابك، وأنت نسيته وغفلت عنه، فستذكر به يوم القيامة. آيات عظيمة يا عباد الله تستوجب منا أن نحاسب أنفسنا، وأن نراجع أنفسنا، وأن نصحّح مسارنا، وأن نرجع ونتوب إلى ربنا. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يوفقني وإياكم لما يحب ويرضى. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المسلمون، عباد الله، يقول ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: «لا يكون العبد تقيًا حتى يحاسب نفسه كما يحاسب الشريك الشحيح شريكه». انظر يا عبد الله: إذا كنت شريكًا مع أحد الشركاء في تجارة دنيوية، كيف تحاسب هذا الشريك في صرفيات هذه التجارة، وفيما يدخل وما يخرج؟ حتى قال ابن مهران رحمه الله: «من أين مطعمه ومشربه؟» فإذا كان هذا الشريك شحيحًا، فكيف ستكون المحاسبة وكيف ستكون المراجعة بينهما؟ وهكذا ينبغي أن يكون المسلم مع نفسه، أن يحاسبها وأن يأخذها مأخذ الجد في طاعة الله وفي عبادة الله وفيما يقرب إلى الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «وجمع المحاسبة أن يحاسبها العبد أولاً عن الفرائض، فإن تذكر فيها نقصًا تدارك ذلك بقضاء أو إصلاح، إذا كان هذا النقص يحتاج إلى قضاء كدين أو فريضة واجبة أو نحو ذلك، فيتدارك ذلك، إما بالقضاء وإما بإصلاحها، وبكذلك ذهاب ما قد وقع منه من تفريط أو تقصير». ثم قال رحمه الله: «ثم يحاسبها عن المناهي، فإن عرف أنه ارتكب شيئًا منها تدارك ذلك بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية، لأن الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. إذا علمت من نفسك أنك ارتكبت شيئًا من المناهي، في عقوق أو في قطيعة أو في ظلم أو في أخذ مال أو نحو ذلك، تدارك ذلك يا عبد الله بالتوبة والاستغفار وكثرة الأعمال الصالحة». ثم قال رحمه الله: «ثم يحاسبها عن الغفلة، فإن عرف أنه غفل عما خلق له تدارك ذلك بالذكر والإقبال على الله. إن غفلت عن ذكر الله، إن غفلت عن أمر الله، إن غفلت عن الدار الآخرة، فتذكر ذلك أو تدارك ذلك بذكر الله عز وجل وبالإقبال على الله سبحانه وتعالى». ثم قال رحمه الله: «ثم يحاسبها بما يتكلم به، وبما مشت إليه رجلاه، أو بطشت به يداه، أو تكلم به لسانه، فيقول لها: لِمَ قلت ذلك؟ ولِمَ عملت ذلك؟». ثم قال: «وليعلم أن كل حركة أو كلمة يُنشر لها يوم القيامة كتابان، ديوانان: لِمَ فعلت؟ وكيف فعلت؟ لِمَ فعلت؟ وكيف فعلت؟». قال: «فالأول سؤال عن الإخلاص، والثاني سؤال عن المتابعة». ثم ذكر قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وهكذا ذكر قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفنى، وعن شبابه فيما أبلى، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به». سؤال يا عباد الله، ألا فلنسأل أنفسنا قبل أن نُسأل، ولنعد للسؤال جوابًا، ولنعد للجواب صوابًا. أيها المسلمون، عباد الله، كم نحن في غفلة عن الإقبال على الله والدار الآخرة! كم نحن يا عباد الله قد تركنا من صلوات، وقد عققنا من آباء وأمهات، وكم قطعنا من صلة الأرحام، ومن سوء الجوار، ومن القطيعة بين الأهل والخلان! كم وكم يا عباد الله! فهل حاسبنا أنفسنا؟ وهل تداركنا ما بقي من أعمارنا؟ يقول ابن القيم عليه رحمة الله: «من لم يورثه التعمير وطول البقاء إصلاح معائبه فلا خير له في حياته». مدّ الله عز وجل بخمسين سنة، بأربعين سنة، بستين سنة، ماذا تنتظر بعد ذلك يا عبد الله؟ ألا فحاسب نفسك، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله، وشر الناس من طال عمره وساء عمله». ألا فلنحسن يا عباد الله في أعمالنا، ولننظر ما قدمنا ليوم القيامة. أسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يصلح أحوالنا وأحوال المسلمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم عليك باليهود المعتدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم أرن فيهم عجائب قدرتك، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم التف بإخواننا المستضعفين في فلسطين، اللهم كن لهم ناصرًا ومعينًا ومؤيدًا وظهيرًا ونصيرًا. اللهم سدد رميهم، اللهم شف مرضاهم، اللهم عاف مبتلاهم، اللهم أطعم جائعهم، اللهم اكسُ عاريهم، اللهم أربِط على قلوبهم، اللهم فرج عنهم، اللهم فرج عنهم، اللهم فرج عنهم عاجلًا غير آجل، برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى أصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.