القرآن تدبر وعظات 9

الدرس في القرآن تدبر وعظات 9، وسائل تدبر القرآن الكريم (2/4) ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

الوسيلة الرابعة: ترديد الآيات لتحصيل التدبر

يتناول المقطع ترديد الآيات كوسيلة رابعة لتدبر القرآن، مستعرضاً هدي النبي ﷺ والصحابة والتابعين في تكرار الآية الواحدة طويلاً. وينقل أقوال ابن القيم والنووي وابن قدامة في فضل الترديد لبلوغ الخشوع وفهم المعاني.

الوسيلة الخامسة: سماع القرآن من الغير وأثره في الخشوع

يبيّن المقطع أن استماع المسلم للقرآن من قارئ آخر يعينه على التدبر والخشوع، مستدلاً بطلب النبي ﷺ من ابن مسعود القراءة عليه وبكائه. ثم ينتقل إلى الوسيلة السادسة وهي قيام الليل مستشهداً بآيات سورة المزمل.

فضل قيام الليل ومدارسة القرآن جماعةً للتدبر

يبرز المقطع حرص النبي ﷺ على قيام الليل وتلاوة القرآن فيه لكون الليل مظنة الحضور والفهم. ويؤكد فضيلة مدارسة القرآن جماعةً لنزول السكينة والرحمة وحضور الملائكة، مستدلاً بأحاديث جبريل في رمضان وحديث أبي هريرة وقصة أسيد بن الحضير.

ختام الجلسة: الدعاء والتذكير بفضل القرآن الكريم

يختتم الشيخ الجلسة بالدعاء بالتوفيق لما يرضي الله، مشيراً إلى أن الكتاب المذكور هو القرآن الكريم المنزل مباركاً للتدبر والاعتبار. ويذكر اسم الكتاب ومحاضرته في دار الحديث بالشحر مع ترجمة نانسي قنقر.

التفريغ النصي الكامل

كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، أيها المستمعون الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ذكرنا لكم في الحلقة السابقة بعضا من وسائل تدبر القرآن الكريم، وفي هذه الحلقة إن شاء الله سنذكر بعضا منها كذلك. الوسيلة الرابعة: ترديد الآيات من وسائل تدبر القرآن الكريم أن يردد القارئ الآيات، وترديد الآيات من أعظم ما يعين على التدبر وتؤتي ثمارها بإذن الله تعالى. فعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية حتى أصبح يرددها: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾، الحديث رواه الإمام أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني رحمه الله. في هذا الحديث، عباد الله، نبينا عليه الصلاة والسلام يقوم بآية يرددها. قال ابن القيم رحمه الله: «فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية هو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها، ولو مئة مرة، ولو ليلة، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن». انتهى من كلامه رحمه الله. وهكذا فعل سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فكانوا يرددون الآية الواحدة حتى الصباح. فعن تميم الداري رضي الله عنه أنه كرر هذه الآية حتى أصبح. ما هي هذه الآية يا عباد الله؟ هي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾. وهكذا فعل الضحاك، تلا قول الله عز وجل: ﴿ لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ۖ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾، قال: يرددها إلى السحر، كما جاء في التبيان في آداب حملة القرآن. قال ابن القيم رحمه الله: «كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح». وقال النووي رحمه الله: «وقد بات جماعات من السلف يتلون آية واحدة يتدبرونها ويرددونها إلى الصباح، وقد صعق جماعات من السلف عند القراءة، ومات جماعات منهم حال القراءة». انتهى كلام النووي. وقال ابن قدامة رحمه الله: «وإن لم يحصل التدبر إلا بترداد الآية فليرددها». قال بشر بن السري: «إنما الآية مثل التمر، كلما مضغتها استخرجت حلاوتها». فما أحلى هذا الكلام وما أطيبه. الوسيلة الخامسة: سماع القرآن من الآخرين إذا سمع المسلم القرآن من الآخرين فإنه يحصل له التدبر. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: «اقرأ عليَّ». قلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». قال: فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾، قال: «حسبك». فالتفت فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه. قال ابن بطال: «معنى استماعه من غيره - والله أعلم - ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون كي يتدبره ويفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط من نفس القارئ، لأنه في شغل بالقراءة وأحكامها». يعني الذي يستمع يكون أدعى إلى التدبر من القارئ نفسه. وقال النووي رحمه الله في حديث ابن مسعود هذا فوائد: «منها استحباب استماع القراءة والإصغاء لها والبكاء عندها وتدبرها، واستحباب طلب القراءة من غيره ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه، وفيه تواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم». انتهى من شرح مسلم. فالعلماء عند شرح هذا الحديث يقولون أن المستمع يتدبر القرآن إذا استمع من غيره. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾». قال: وسماني؟ قال: نعم. فبكى أبي رضي الله عنه وأرضاه. الحديث متفق عليه. قال الحافظ: بكى إما فرحا وسرورا بذلك، وإما خشوعا وخوفا من التقصير في شكر تلك النعمة، لأن هذه نعمة أن يذكرك الله سبحانه وتعالى، فذكر الله أبي باسمه وسماه باسمه، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبره بذلك فبكى أبي. وقد أوصى نبينا صلى الله عليه وسلم بأخذ القرآن عن جماعة من أصحابه منهم أبي، ففي الحديث الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب». إذن هذه الوسيلة الخامسة وهي سماع القرآن من الآخرين. أما الوسيلة السادسة فهي قيام الليل بقيام الليل يحصل التدبر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴿٤﴾ ﴾. وقد امتثل نبينا صلى الله عليه وسلم أمر ربه، فكان كما وصفه الصحابة، ومنهم الصحابي الجليل عبد الله بن رواحة حيث قال: وفينا رسول الله يتلو كتابه * إذا انشق معروف من الفجر صاطع أرانا الهدى بعد العمى * فقلوبنا به موقنات أنما قال واقع يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ولهذا كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كل ليلة من ليالي رمضان، كما جاء في حديث ابن عباس المتفق عليه، وسيأتي بيانه إن شاء الله. قال الحافظ ابن حجر: «المقصود من التلاوة الحضور والفهم، لأن الليلة مظنة ذلك، لما في النهار من الشواغل والعوارض الدنيوية والدينية». وجاء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، أي عبد الله بن عمر. قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا. قال الإمام النووي: «ينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في الليل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر». قال الله تعالى: ﴿ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾ الآية. انتهى كلام النووي رحمه الله. فالاعتناء بهذا أمر عظيم، وهو قيام الليل أدعى إلى تدبر الآيات. أما الوسيلة السابعة من وسائل تدبر القرآن فهي مدارسته مدارسة القرآن يا عباد الله. وقد تقدم في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام كان يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان. وفي حديث أبي هريرة الذي رواه الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فهذا الحديث دال على أن مدارسة القرآن فيها خير عظيم. وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه فقال: «باب نزول السكينة والملائكة عند تلاوة القرآن» أو «عند قراءة القرآن»، ثم ذكر حديث أسيد بن الحضير عندما كان يقرأ من الليل سورة البقرة، وكان هناك فرس في الحظيرة، وكان إذا قرأ القرآن وتنزلت الملائكة ينفر هذا الفرس، حتى خشي على ابنه من الفرس، ثم انقطع من القراءة فارتفعت الملائكة، فلما خاف على ولده فعل ذلك، ولما أصبح الصباح قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «تلك الملائكة دنت لصوتك». متفق عليه. فانظروا يا رعاكم الله كيف حصول التدبر والتأمل بقيام الليل، وهكذا أيضا بمدارسة القرآن. فينبغي علينا إذا أردنا تدبر كلام الله عز وجل أن نستكثر من تلاوته، وأن نتدارسه، وأن نتعاهده، وأن نكثر كذلك من القراءة فيه بالليل. وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وإلى حلقة قادمة إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله. كتاب أنزلناه إليك مبارك ليتدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب القرآن تدبر وعظات للشيخ الفاضل أبي عبد الرحمن عبد الحافظ العامري المدرس بدار الحديث بالشحر القرآن تدبر وعظات ترجمة نانسي قنقر