الدرس في تفسير سورة البقرة من تفسير السعدي 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح السعدي أن آية الوصية كانت واجبة في أول الإسلام للوالدين والأقربين عند حضور الموت وترك مال كثير، ثم نُسخت بآيات المواريث التي فرضت نصيباً محدداً للورثة. ويرى الجمهور أنها منسوخة، بينما يرى بعضهم أنها باقية لغير الوارثين من ذوي الأرحام مستدلين بحديث سعد بن أبي وقاص.
توضح الآية أن الوصية للوالدين والأقربين جاءت مجملة ثم فُصّلت في آيات المواريث، ويجوز الوصية للوالدين المحجوبين عن الإرث جمعاً بين قول النسخ وعدم النسخ. ويؤكد النص وجوب البر بالوالدين والمبادرة لقضاء حوائجهما استناداً إلى حديث «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ».
يسرد المقطع قصة أسامة بن زيد الذي قطع نخلته الثمينة ليقدم جمارها لوالدته، ضارباً أروع مثل في بر الوالدين بالمال. ثم يبين حكمة وجوب الوصية للوالدين والأقربين وكيفية الجمع بين آية الوصية وآيات المواريث، مع التحذير من تبديل الوصية بعد سماعها.
يختتم المعلم الدرس الحالي معلناً تأجيل تكملة الآية للدرس القادم. ويختتم الجلسة بالحمد لله رب العالمين.
قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قول الله عز وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال رحمه الله: أي فرض الله عليكم يا معشر المؤمنين إذا حضر أحدكم الموت، أي أسبابه كالمرض المشرف على الهلاك وحضور أسباب المهالك، وكان قد ترك خيرا، والمراد هنا المال، قال: وهو المال الكثير عرفا، فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف على قدر حاله، من غير سرف ولا اقتصار على الأبعد دون الأقرب، بل يرتبهم على القرب والحاجة، ولهذا أتى فيه بأفعال التفضيل. يعني أن الإنسان كان عنده مال، وراء أنه سيشرف على الموت سبب أسبابه كما ذكر هنا المرض ونحوه، فإنه يوصي. ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، ومعنى «كتب» يفرض. وكان هذا أولا قبل أن تنسخ بآية المواريث، قبل أن تنسخ بآية المواريث أنه يوصي للوالدين، يوصي للوالدين إذا أشرف على الموت وكان عنده مال كثير يوصي لوالديه من ماله، وهذا كان وجوبا: ﴿فُرِضَ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾. وهكذا الأقربون أيضا يوصي لهم، وهم من بعد الوالدين من الأقاربين. قال: وقوله ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ دل على وجوب ذلك، لأن الحق هو الثابت، وقد جعله الله من موجبات التقوى. واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، التي ذكر فيها الوالدين، ذكر الله عز وجل فيها الوالدين، وهي في سورة النساء. وقال بعضهم: إنها في الوالدين، أي هذه الآية يراها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، أي الذين لا يرثون من ذوي الأرحام، يوصي لهم بشيء من المال. هذا على القول أنها ليست منسوخة، أنها ليست منسوخة، فيوصي لوالديه ويوصي للأقربين كذلك غير الوارثين. مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، لم يدل على ذلك دليل أن يخصص لهؤلاء. لكن جاء في حديث سعد رضي الله عنه قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكَ إِنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»، وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ»، يعني لغير الوارثين، فلا بأس أن يوصي لذوي الأرحام غير الوارثين، لكن ليس ذلك وجوبا، ليس ذلك وجوبا عليه. والأصلان يترك ذلك الأمر، أي أن يوصي حتى ماذا؟ حتى يرث كل ذي أو يأخذ كل ذي حق حقه. قال: والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري. هذه الوصية هنا مجملة، أي ليست كما في آية الموارث. أما في آية الموارث فهي آية محكمة، ويجب أن يأخذ الوالدان ما لهما في الميراث، ما لهم إن كان سدسا أو إن كان ماذا؟ ثلثا أو نحو ذلك، فإن الله عز وجل قد فرضه لهم، فهم لا يخرجان، فهم من أهل الفروض، الوالدان من أهل الفروض. وأما هذه الآية، كما قال هنا رحمه الله تعالى، أنها على العرف الجاري، له أن يوصي لهما. ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آية الموارث، أو في آيات الوارث وهم الأقارب مثل الإخوة ومثل كذلك الأخوات ونحوهما من العصبة، فإن الله عز وجل قد قدر لهم ذلك في آيات الموارث، الوالدة في سورة النساء، فهذا فرض لهم وحق لهم. قال: بعد أن كان مجملا، بعد أن كان مجملا، أي في هذه الآية إجمال، ثم قدر لهم سبحانه وتعالى الفروض في آيات الموارث. ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾، كم ممكن أن يجعل الشخص من ماله في الوصية لوالديه أو كذلك للأقربين من الإخوة والأخوات ونحوهم؟ فهذه مجملة، مجملة، فجاءت آية آيات الموارث في سورة النساء وفرضت لكل ذي حق حقه، فأعطى الوالد كذا، وأعطى كذلك الأم كذا، وأعطى كذلك الأخ كذا، وأعطى هكذا أيضا الأخوات ونحوهم ممن ما هو معروف في ماذا؟ في علم الموارث. قال: وبقي الحكم في من لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث، وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف. يعني هناك حجب، هناك حجب كما هو معروف في علم الموارث، قد يحجب الوالدان بشخص أو يحجبان بوصف، فهنا لا بأس أن يوصي لهما كما في هذه الآية. قال: فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء، وهم أحق الناس ببره. وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين: القول الأول ممن قال بأنها منسوخة، والقول الثاني ممن قال بأنها ليست منسوخة، وإنما هو في حق الوالدين الأقربين والأقربين غير الوارثين. فجمع رحمه الله تعالى بين هذين القولين، يعني بين من قال بالنسخ وبين من قال بغير النسخ. والإنسان ينبغي عليه أنه يجعل لوالديه في حياته من ماله، وقد أباح الشرع أن يأخذ الوالد من مال ابنه، أن يأخذ الوالد من مال ابنه، كما جاء في الحديث أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والده بأنه كان يأخذ من ماله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، أي هو الذي كان سببا في وجودك، فمن واجب حقه عليك أن يأخذ من المال، أن يأخذ من المال. والعلماء يقولون: مما لا يضر بالشخص، مما لا يضر بالولد، يأخذ من ماله ما شاء، يأخذ من ماله ما شاء: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ». والولد من كسب أبيه أيضا كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما يعمله الولد من الأعمال الصالحة أيضا يدخل فيه الأب، يدخل فيه الوالد، أي في الأجر. فأنت ما تعمل من الأعمال الصالحة، وهكذا ما تتصدق به ونحو ذلك، يؤجر كذلك والدك. ينبغي للمسلم أن يراعي والديه، وأن لا يحجب عنهما شيئا، ولا يخب عنهما شيئا مما يحتاجانه، ولا تحوج هما، لا تحوج والديك أن يسألك وأن يطلبا منك إذا كنت مقتدرا، فالبادر أنت بنفسك بتلبية حاجتهما ورغباتهما مما تعرفه في الحياة، مما تعرفه أن الوالد يحب كذا والوالدة تحب كذا، سارع وبادر، لأن هذا من البر وهذا من الإحسان. أسامة، كما جاء في الحديث، أسامة بن زيد رضي الله عنه كانت له نخلة، نخلة ثمينة وغالية، ولو باعها لجاءت له بالدراهم الكثيرة، وعرض عليه ذلك، لكنه أبى أن يبيع النخلة، وقطع هذه النخلة لأجل الجمار الذي فيها، الذي يأتي أسفل النخلة، قال: لأن أمي تحبه، لأن والدته طلبت ذلك أو أنها تحبه. قطع نخلة ثمينة ولم يبيعها، وإنما أخرج ما فيها من الجمار وأعطاه لوالدته. انظروا كيف هذا الولد، هذا البر، هذا الإحسان، هذا الإحسان يجعل الشخص من ماله لوالده. وإذا أخذ الوالد من مال ولده شيئا، فلا يكن في صدره ضيق، ولا يكن في صدره حرج، بل هذا من البر وهذا من الإحسان، ولعل الله عز وجل يجعل البركة في مالك عندما يأخذ الوالدان أو يحتاج الوالدان من ماذا؟ من مال الولد. وانظر أنت أيضا يا عبد الله أن الوالدين، الذين هما سببا في وجودك، هما أيضا حريصان، هما حريصان على ماذا؟ حريصان أولا على سعادتك، حريصان على سعادتك. الوالدان يحريصان على سعادة أبنائهما، فيبذلان مهجهما ويبذلان كذلك ما عندهما من الغالي والنفيس لأجل أن يسعد الأولاد في حياتهم. بذلوا أوقاتهم في تربيتك وأنت صغير، وأنت صغير، فكيف تمنع عنهما المال؟ تمنع عنهما ماذا؟ شيئا من حطام الدنيا، الذين هما ربياك، وربما كانا سببا في حصولك لهذا المال بعد هذا العمر والتربية لهذا الولد، يمنع ماله. فانظروا إلى حكمة الشرع، انظروا إلى هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾، أي في بداية الأمر كان فرض وواجب أن الشخص يجعل من ماله لوالديه، ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾، يجب أن يوصي لوالديه ولا يتركهما يحتاجان شيئا من ماذا؟ من المال. فهذه الآية عظيمة، تتفق مع الآيات الأخرى التي فيها ماذا؟ الوصية بالميراث: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، إلى أن ذكر الله عز وجل أن الوالدين يحصلان على كذا وكذا، والأقارب كذلك. هذا كله من باب البر ومن باب الإحسان للوالدين. قال: وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين، لأن كل من القائلين بهما كل منهما لحظ ملحظ، واختلف المورد، بهذا الجمع يحصل الاتفاق والجمع بين الآيات، فإنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ الذي لم يدل عليه دليل صحيح. نجمع بين هذه الآية وآية المواريث التي قال بعض العلماء أن آية المواريث نسخت هذه الآية، أنه لا يوصي، لا يوصي لوالدين، بل هناك فرض لهما. والقول الثاني أنهم قالوا: هذه ماذا؟ هذه في الوالدين والأقربين غير الوارث، أنه يجب أن يوصي لهما. فجمع رحمه الله تعالى بأنه قد يكون هناك حجب لبعض الأقربين، فعليه أن يوصي لهما، وكذلك حجب لبعض للوالدين بشخص أو نحوه أو بوصف، فعليه أن يوصي بهما أو لهما. قال: ولما كان الموصي قد يمتنع من الوصية لما يتوهمه أن من بعده قد يبدل أو قد يبدل ما وصى به، قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. طيب، نترك هذه الآية إن شاء الله تعالى، وما تبقى منها في الدرس القادم إن شاء الله. إلى هنا والحمد لله رب العالمين.