الدرس في قطف الثمرات من فوائد سورة الحجرات 23، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول هذا الفصل تحذير الله للمؤمنين من المنة بالإسلام على الرسول، مؤكدًا أن المنة لله في الهداية إلى الإيمان. يُظهر أن الله غني عن عباده ولا يحتاج لطاعتهم.
يؤكد هذا الفصل على أن المنة لله عز وجل في هداية الناس إلى الإيمان، وأن العباد لا يستطيعون أن يمنوا على الله بإسلامهم. يُظهر أن الله هو الذي وفق العباد للإيمان.
يتناول هذا الفصل معنى الإيمان واحتمال معنيين لقول الإنسان "أنا مؤمن". يشرح إضافة "إن شاء الله" لتجنب الجزم بما لا يعلمه إلا الله، ويبين خوف السلف على أنفسهم من النفاق.
تم في هذا الفصل ختام تفسير سورة الحجرات بالحمد لله رب العالمين، وطلب المغفرة والرحمة والإيمان به.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فنأخذ في هذا اليوم إن شاء الله تعالى آية من سورة الحجرات، وهي قول الله جل وعلا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فهذه الآية ربنا جل وعلا يبين أن أناسًا ادعوا الإيمان وأعجبوا بأنفسهم حتى أنهم تطاولوا على الله عز وجل، ومنوا على الله ومنوا على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء في بعض التفاسير أن بعض الأعراب جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، نحن آمنا بك ولم نقاتلك مثل ما قاتلك بن فلان وبن فلان، وإنما آمنا بك، وكأنهم يمنون على الله عز وجل أنهم آمنوا. مع أن الله عز وجل نفى عنهم الإيمان، قالت العرب: «آمنا»، قل: «لم تؤمنوا»، ولكن قولوا: «أسلمنا». وفوق ذلك أيضًا أنهم يتمنون على الله، وهذا عجب بالأعمال، معنى ذلك الذي يفتخر بأعماله على الله فهو معجب، والعجب مما يبطل أجر العامل والعمل، يعني يبطل العمل الذي يعمله الإنسان، فيعجب به، فيذهبه الله عز وجل. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. فليس هناك أحد يمن على الله أو يفتخر أنه فعل وفعل في الإسلام، بل كما قال ربنا جل وعلا: «يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد». الناس فقراء إلى الله مهما فعلوا ومهما قدموا من طاعات، إنما يقدمون لأنفسهم، وما تقدم لأنفسكم من خير تجدوه عند الله. فليس هناك من يقدم يكون مصلحة لله عز وجل، فالله عز وجل غني سبحانه وتعالى. ولهذا من الخطأ أن يقول بعض الناس - وتلقفوا هذا من عندي بعض أهل التصوف - أن فلانًا من أولياء الله عز وجل خدم ربه، وفلان خدم ربه، وقد أفضى إلى الله، وقد خدم. هذه عبارة خاطئة، ليس هناك أحد يخدم ربه، وإنما من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه. فالذي هداه الله عز وجل وفقه للهداية فهو لنفسه مصلحة لنفسه، الله عز وجل غني عن العالمين. «وإن تكفروا فإن الله غني عنكم»، فليس الله عز وجل محتاجًا إلى طاعة الطائعين، ولا أيضًا تضره معصية العاصين. ولهذا ربنا جل وعلا خلقنا في هذه الدنيا ليس لأجل أن يستكثر بنا من قلة، ولا أيضًا أن يتقوى بنا من ذلة، بل هو الغني سبحانه وتعالى. «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون، إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين». فربنا جل وعلا هو الذي يمن على الناس، يمن على الخلق لأنه خلقهم سبحانه وتعالى، وهو الذي سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض. وإن حصلت منهم هداية فهو الذي هداهم جل وعلا ووفقهم لهذه الهداية، فالمنة لله. فالمنة لله جل وعلا، ولهذا الأنصار لما حصلت منهم كلمة من بعضهم في بعد حنين، فقالوا: «أن النبي عليه الصلاة والسلام لقي قومه فأعطاهم»، فحز في نفس النبي عليه الصلاة والسلام مثل هذا الكلام، فجمع الأنصار وقال: «يا معشر الأنصار، جئتكم...». قال: «إن شئتم أن تقولوا: جئتنا جئتنا ضالًا فآويناك، وجئتنا مستضعفًا فنصرناك». وكان الأنصار رضي الله عنهم يقولون: «الله ورسوله أمن». أننا نحن ما نمن على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فلهذا فالمنة لله عز وجل، فأنكر الله عز وجل على هؤلاء الذين يمنون على الله أنهم أسلموا وآمنوا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾. فالذي وفقكم للإيمان هو الله، إن كنتم مؤمنين، وأن كنتم صادقين في إيمانكم، فالتوفيق من الله سبحانه وتعالى. فلهذا فالمنة لله جل وعلا، فهو الذي يمن على عباده، وأما العباد فهم فقراء إلى الله، محتاجون إلى الله. ومهما عبد العبد ربه جل وعلا فهو لم يقدم شيئًا. ولهذا تجد أن العلماء يذكرون تلك القصة التي ذكرها ابن عباس وغيره في الرجل العابد الذي عبد الله من بني إسرائيل، عبد الله تسعين سنة وهو يعبد الله. فلما مات ولقي الله عز وجل، فقال الله عز وجل: «ادخل عبدي الجنة برحمتي». فقال: «يا رب، أنا ما أريد برحمتك، أريد أن أدخل بعملي، أنا عملت تسعين سنة وأنا أعبدك، فأريد أن أدخل الجنة بعملي، لا أريد أن أدخل الجنة برحمتك». فقال الله عز وجل: «هاتوا نعمة البصر وزينوها بأعماله». فرجحت نعمة البصر في أعماله كلها. فهذا نعمة واحدة أنعم الله عز وجل على العبد لم يوفيها عبادة تسعين سنة. فما بالك لو وزنت ما عنده من اللسان ومن الأذنين ومن النعم التي هي فيه وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟ فلهذا فليس لأحد أن يمن على الله عز وجل. ولهذا كان العجب من محبطات الأعمال، الذي يعجب بعمله فإنه يحبط هذا العمل ويذهب عليه. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. فالذي وفقكم هو الله، هو الله سبحانه وتعالى وفقكم للهداية، فالمنة له جل وعلا. ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. إن الله يعلم غيب السماوات والأرض، فذكر هنا غيب السماوات والأرض، وذكر في تلك الآية التي قبلها بآيتين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. لما أنكر الله عز وجل في قول: «قل تعلمون الله بدينكم»، «والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض». وهنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. فالآية الأولى شاملة بمنطوقها، معنا بنطقها شاملة كل ما في السماوات والأرض، والآية الثانية بمفهومها، فذكر الغيب: «يعلم غيب السماوات والأرض». وما دام أنه يعلم غيب الأمور وهو يعلم ظواهرها. وإنما قال العلماء أن الله عز وجل ذكر هنا الغيب لأن الإيمان إيمان العبد عند الله عز وجل هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. لا يستطيع العبد أن يقول: «أنا مؤمن عند الله». ولهذا لما كان هذا اللفظ وهو قول الإنسان: «أنا مؤمن»، فيه احتمال معنيين: «أنا مؤمن» أي بالله وملائكته وكتبه ورسله، فهذا لا بد أن يكون العبد لا يشك في ذلك. وأيضًا الاحتمال الثاني: «أنا مؤمن عند الله» معنا بما أراد الله، فهذا الاحتمال الثاني لا يعلمه إلا الله، لا يستطيع الإنسان أن يقول: «أنا مؤمن عند الله». فلهذا استحب علماء السنة لأجل أن هذه الكلمة تحتمل المعنيين، استحبوا أن يقول الإنسان: «أنا مؤمن إن شاء الله»، «أنا مؤمن إن شاء الله». لكن إذا كان المراد أنه: «أنا مؤمن عند الله»، فهذا لا بد أن يقول: «إن شاء الله»، لأنه لا يعلم ذلك أحد إلا الله. وإن كان أراد الإيمان بالله وملائكته وكتبه فلا بأس أنه يقول: «أنا مؤمن بالله»، «مؤمن بملائكته»، هذا لا شك فيه، لا يشك المؤمن في ذلك، فيخبر عن اعتقاده. أما أنه مؤمن بالله عز وجل وعند الله، فهذا لا يعلمه إلا الله. ولهذا كان السلف ما عملوا من عمل إلا أنهم كانوا يخافون على أنفسهم النفاق، ما أحد فيهم يقول: «إيمانه كإيمان جبريل». كما قال عبد الله بن أبي مليكة رحمه الله: «أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كلهم يخاف على نفسه النفاق، ليس فيهم أحد يقول: أنا إيمانك إيمان جبريل». أي ليس أحد يجزم بإيمانه عند الله، وإنما يخافون على أنفسهم أن يكونوا من المنافقين، خافون على أنفسهم أن يكونوا من الفاسقين الحاصين عند الله عز وجل. فلهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. والإيمان عند الله عز وجل يكون من الإيمان بالغيب، أن الإنسان لا يعلم أنه مؤمن عند الله، هذا من الأمر الغيبي الذي غيبه الله عز وجل عن الخلق. فقد يعمل الشخص أعمالًا كثيرة وهو منافق زنديق، وهو أيضًا مخالف ومضاد للإسلام. فكم من الفرق الضالة التي حدثت في الإسلام وهم يظنون أنهم يحسنون صنعًا، يظنون أنهم من أعلى الناس درجة عند الله، وهم قد يكون لا نصيب لهم في الإسلام. مثل كثير من الفرق، فرق أهل التصوف والحاد وكذلك الاتحاد وغيرها، يظنون أنهم قد بلغوا اليقين، وهم في أسفل السافلين. فليس لعبد أن يدعي أنه مؤمن عند الله، فهذا لا يعلمه إلا الله، وهو من الإيمان بالغيب. فلهذا قال الله عز وجل في آخر هذه السورة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. أي الله عز وجل بصير بأعمالك، فهو الذي يعلم المؤمن من الكافر، يعلم المخلص من المنافق، يعلم كذلك الذي يعمل الصالحات من غيره. فكل ذلك يعلمه الله سبحانه وتعالى، فهو بصير بأعمال العباد جل وعلا. وخلاصة هذه الآية معناه بدأها سبحانه وتعالى بالإيمان ونهاها بالإيمان. ومما ذكرنا قبل أن هذه السورة إنما أكثر ما تحدثت في حقيقة الإيمان وما هو مفهوم الإيمان، وما أيضًا الأشياء التي قد تخل بالإيمان أو قد تخل بكماله. فلهذا جاءت هذه السورة أكثرها في الإيمان بالله جل وعلا وحقيقته، وكذلك أيضًا الأمور التي قد تخل به والأمور التي قد تخل بكماله، وما هو أيضًا الأعمال التي تقوي هذا الإيمان وتجعل المؤمن مؤمنًا كما أراده الله عز وجل. فهذا خلاصة ما يذكر في هذه السورة العظيمة سورة الحجرات. وبهذا إن شاء الله تعالى ننتهي من تفسير هذه السورة العظيمة، فنسأل الله جل وعلا بمنه وكرمه أن يغفر لنا وأن يرحمنا وأن يمن علينا بالإيمان به جل وعلا. والحمد لله رب العالمين.