تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 89

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 89

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 89، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

التكليف بما يُطاق والنهي عن طلب تشديد الأحكام

يؤكد الدرس أن الله لا يكلف العباد إلا ما يطيقون، وينهى عن طلب تكاليف زائدة تشق عليهم، مستشهداً بآيات القتال وسؤال الصحابة. ويبين أن الخير والثبات يكمن في الاقتصار على ما شرعه الله دون زيادة أو تعمق.

ثمار العمل بالوعظ والإقبال على الله

الالتزام بما يوعظ به العبد من أوامر الله ينقله إلى مصاف الأخيار المتصفين بالعدل والأمانة، وينفي عنه صفة الأشرار. كما يورثه ثباتاً على الدين وعصمة من الفتن، ويمنحه أجراً عظيماً في الدنيا والآخرة مع هداية الصراط المستقيم.

الثبات على الصراط المستقيم ونيل رضا الله

من وفق للهداية يسير على الصراط المستقيم دون انحراف يميناً أو يساراً، مستمراً حتى يلقى ربه وهو راضٍ عنه. وهذا يعكس وعد الله بتثبيت المؤمنين وتقريبه لمن تقرب إليه بالطاعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا قولاً في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾. وربنا جل وعلا كما ذكرنا في هذا الباب أو في هذه الآية أنه يخبرهم جل وعلا، يخبر عباده أنه لم يكلفهم ما لا يطيقون وما يشق عليهم، وإنما كلفهم ما يطيقونه، وليس فيه ما شق عليهم. فلم يأمرهم الله عز وجل بأن يقتلوا أنفسهم، مثل ما أمر بعض بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، إيجاب توبتهم الأمر بقتل أنفسهم، ولم يأمرهم بالخروج من ديارهم كما فعل أهل الإيمان من المهاجرين، ومن غيرهم ممن خرج من داره لأجل دينه ولأجل بقاء دينه. ولهذا قيل: إن هذه الآية خطاب للمنافقين الذين تبرمون بالأوامر وتشق عليهم أوامر الله جل وعلا. وقيل أيضاً: إن المراد من هذه الآية كما ذكرنا أن الإنسان يقنع بما أعطاه الله عز وجل من أحكام، لا يطلب غيرها، لأن بعض الناس يطلب المزيد من الأشياء التي تشق على نفسه، فيسأل الله عز وجل أن يكتب له كذا، أو يلح على مسألة حتى تكتب على الأمة. فلذلك قال الله عز وجل في قوم: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٍ ﴾. فالله عز وجل لم يأمرهم بالقتال، لكن سألوا القتال، فقال جل وعلا: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةٍ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾. هؤلاء هم كانوا يطلبون هذا الأمر، فلما أمرهم الله به، ولما حصل موعده ووقع، تجد أنهم تبرموا من هذا. فلذلك لا يكلف الإنسان ويسأل ما لا يستطيعه وما لا يفعله، فيكتفي بما أمره الله عز وجل به. وقال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ ﴾. وأيضاً في الحديث: «إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرمه الله فحرمه الله عز وجل لأجل مسألته». فلذلك فالإنسان يعمل ما أمره الله عز وجل، لا ينبغي أنه يطلب تكاليف أخرى. ثم قال جل وعلا: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ﴾. قال العلامة السعدي رحمه الله: «ما فُرض عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، على كل ما وعظوا به أو ما ذكروا به وما أمروا به، فإنهم يفعلونه. فلو أنهم اقتصروا على ما أمرهم الله عز وجل، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد أن ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً. لا ينبغي له أن يستدرك على الشرع فيقول: هذا الشيء لم يأت به الشرع، أنا أزيده، فيفعلون ما لا يؤمرون، يفعل ما لا يؤمر، ويزيد أشياء في دين الله جل وعلا. وهذا من التعمق في الدين، الواجب هو الاقتصار على ما أمر الله به». ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به، قال: «حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا». وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل، وعدم النشاط، لذل ما حصل كما قلنا من بني إسرائيل: اخترعوا الرهبانية التي ما كتبها الله عز وجل عليهم، ثم لم يرعوها حق رعايتها. قال: «ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، وهو أربعة أمور، على أربع جوائز، وأربع أشياء عظيمة أعطاها الله عز وجل لمن التزم بأمر الله». وكما قال الله عز وجل: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾، وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنكم لن تستطيعوا أن تفعلوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وقاربوا». فالواجب على العبد أنه يتقي الله ما استطاع، فلا يستطيع أن يأتي بكل أمر، لكن نيته أنه يفعل ما أمره الله عز وجل به، فيوفق لهذه النية العظيمة. قال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ ﴾، أي: لكانوا من الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها، أي: انتفى عنهم بذلك صفة الأشرار، لأن ثبوت الشيء استلزم نفي ضده. معنى أن الله عز وجل لما ذكر أنهم من أهل الخير، أو أن هذا خيراً لهم، فمعنى ذلك أنه لا شر فيه، بل يجعلهم الله عز وجل من أهل الخير، الأخيار المتصفين بأوصافهم من أفعال الخير التي أمروا بها. فهذه أولاً: سمة عظيمة أنك تكون من أهل الخير ومن أهل الصلاح. فهذه السمة عظيمة لأن الله عز وجل رتب الأجر والثواب والعطاء العظيم لأهل الصلاح وأهل الخير. فأولاً تكون منهم، فيقال: هذا سواء كان أنت عند الله عز وجل هذا أعظم، أو عند المخلوقين، فتتصف بالعدل، تتصف بالأمانة، وتتصف بالخير. لا يقال: هذا الشريغ، هذا لا يقبل قوله في الشهادات، هذا لا يقبل قوله في الأخبار، كذاب وغير ذلك، فتتصف بالشر. لكن من استقام على الأمر فإنه يكون من أهل الخير، يوصف من أهل العدل، وأخباره مصدقة، وهكذا. الثاني: حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب. انظر إلى هذا الأمر: معنى قيامك بطاعة الله جل وعلا ونيتك لذلك، يحفظك الله عز وجل من الشرور ومن المصائب ومن الفتن، فيثبتك الله عز وجل على الخير، تكون من أهل الخير، ثم تتثبت عليه. وهذه من أعظم الأمور التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها، وهو الثبات على الدين. يحفظ الله عز وجل له دينه، يكون ثابتاً عليه حتى يلقى الله جل وعلا وهو على هذا الدين العظيم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾. فيموت وهو على دين الله جل وعلا، ويموت وتأتيه منيته وموته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. فهذا عظيم: أن يثبت الله، أن يثبت الله عز وجل العبد على الخير، يثبتوا على الأعمال الصالحة. قال: «فيحصل لهم ثبات، يوفقون لفعل الأوامر وترك النواهي، لأن العبد إذا أقبل على الله عز وجل أقبل عليه ربه جل وعلا». وكما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: «إذا تقرب إلي عبدي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة». إذا أقبلت على الله عز وجل أقبل الله عز وجل عليك، وفقت للخير، فلا تخيب بعد ذلك، ولا يذهب سعيك، ولا يذهب عملك، يثبتك الله عز وجل على هذا الخير. فكم الإنسان كان على خير، ثم انحرف، ثم صار من أهل الشر، من أهل الفساد. وأنت ثابت على هذا الحق وعلى هذا الخير، فانظر إلى الثبات على العمل الصالح والنية والإخلاص في فعل الخير، فإنك تبقى، أو يبقيك الله عز وجل على هذا الثبات. قال: «وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد، فيوفق للتثبيت، بالتوفيق للصبر، أو للرضا، أو للشكر». فهذه الثلاثة كما ذكرنا قبل هي من أعظم الأمور التي تكون عند العبد في قضاء الله وقدره: فيصبر، ويرضى، ويشكر، ويشكر الله جل وعلا. قال: «فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل لهم الثبات على الدين عند الموت، وفي القبر». وهذا أيضاً بحسب درجات الناس عند الله، فمنهم من يكتفي بالصبر، ومنهم من يزيد الرضا، ومنهم من يزيد الشكر لله جل وعلا. قال: «فإن العبد القائم بما أمر به لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات». وهذا من أعظم الأشياء التي ينبغي للمسلم، كما قلنا، أن يحرص عليها، يحرص على الطاعة. والطاعة كما قال بعض السلف: «الطاعة تولد الطاعة، كما أن المعصية تولد المعصية». فلذلك كلما فعل طاعة كلما ازداد خيراً، وأعطاه الله عز وجل أكثر من ذلك. الثالث: قول تعالى، أي الجائزة الثالثة التي أعطاه الله عز وجل لمن يعمل أوامر، وأيضاً يقوم بأمر الله جل وعلا: ﴿ وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ﴾. وسبحان الله، كلما كانت نية العبد، نيته صادقة، أعطاه الله عز وجل فوق ما يحتسب، وأعطاه الله عز وجل أجراً عظيماً، أي في العاجل والآجل، الذي يكون للروح والقلب والبدن. معنا في العاجل: أن يوفق العبد للخير، وهذا ثواب. وفي الآجل: أن يعطيك الله عز وجل النعيم المقيم، ويجعلك من أهله، جنة الله جل وعلا. قالوا: من النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الرابع: الهداية إلى صراط مستقيم، أن تكون من أهل الهداية، يهديك الله عز وجل إلى الطريق المستقيم، الطريق التي توصلك إلى الله جل وعلا، يهديك إلى السبل التي تجعلك على الثبات وعلى الخير، تجعلك تمشي في الطريق الصحيح، فتكون من أهل الهداية إلى صراط المستقيم. وهذا كما قلنا: به تبيين السبل، فكلما كان العبد مقبلاً على الله كانت هدايته أعظم، كانت هدايته من الله جل وعلا أعظم. فلذلك يهتدي إلى السبل التي توصله إلى الله، يهتدي إلى العلم، طريق العلم، يهتدي إلى طريق الطاعة، يهتدي إلى طرق الخير والإحسان. كل هذا من الهداية التي جعلها الله عز وجل لهذا العبد، طالما كونها متضمنة للعلم بالحق ومحبته، وإيثاره والعمل به، وتوقف السعادة والفلاح على ذلك. فمن هدي إلى صراط المستقيم فقد وفق لكل خير، واندفع عنه كل شر وضرر، لأنه هدي إلى صراط الحق، فدفع الله عز وجل عنه الشر، ودفع عنه الطريق المعوج، لأنه مشى في الطريق المستقيم. وكما تعلمون أن هذا الصراط المستقيم الذي هو طريق الله جل وعلا، وهناك طرق معوجة، وعلى كل طريق منها شيطان يدعو إليها. لكن إذا وفق العبد إلى هذا الهدي فإنه لا يذهب عن ذلك الصراط يميناً ولا يساراً، فيسير على هذا الصراط العظيم إلى أن يلقى ربه جل وعلا وهو راضي عنه. هذا ما يذكر بهذه الآية، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر