الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 87، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع أن الله أرسل الرسل ليُطاعوا بأمره، وأن الإيمان الحقيقي لا يتحقق إلا برضا المسلم بحكم الله ورسوله في كل ما شجر بينهم، مستدلاً بقسم الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾. ومن لم يرضَ بحكم الشرع فهو من صفات المنافقين، بخلاف المؤمنين الذين يقولون: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾.
يشترط الإيمان الإذعان والقبول بالقلب والجوارح، فمن أظهر الطاعة بجوارحه وقلبه رافض فهو منافق، وإن لم يظهرها فهو كافر. ويؤكد المقطع أن التحكيم لله ورسوله يتطلب انقياداً قلبياً كاملاً بلا حرج أو كراهية.
يفرق المقطع بين الكافر الذي لا ينقاد بقلب ولا جوارح، والمنافق الذي يظهر الطاعة رياءً دون انقياد باطن. ثم يوضح ثلاث مراتب للاستسلام للحكم الشرعي: التحكيم قبل القضاء (مرتبة الإسلام)، انتفاء الحرج بعده (مرتبة الإيمان)، والتسليم الكامل (مرتبة الإحسان).
من ترك التحكيم الشرعي غير ملتزم به فهو كافر، أما من التزم به ثم تركه لأجل الدنيا فهو عاصٍ وليس بكافر. والفرق بين الكفر والمعصية يتوقف على الانقياد الظاهري للحكم الشرعي.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله عند قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾. قال رحمه الله: في الآية 65 ثم أقسم تعالى بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم. هذا بعدما ذكر ربنا جل وعلا أنه ما أرسل هؤلاء الرسل إلا ليطاعوا فيما أدن الله عز وجل به، إلا ليطاع بإذن الله، وأيضاً كذلك هذا بقضاء الله وقدر، هو الذي قضى للمطيع أن يطيع. فالواجب على المسلم أنه يطيع الرسول الذي أرسله الله عز وجل إليه، فإذا ظلم نفسه وجاء بذنوب فإنه يستغفر الله عز وجل. وقال: ﴿ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾. قلنا: كما ذكر العلماء أنه في حياة عليه الصلاة والسلام، ﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾. قد ذكرنا هذه الشبهة ورددنا عليها من كلام العلماء، كما قلنا، ومن أفضل من رد على هذه الشبهة الإمام السحسواني صاحب كتاب «صيانة الإنسان من وساوس الشيطان». ثم إن ربنا جل وعلا ذكر أن هؤلاء، أو أن الإنسان إذا ظلم نفسه وأراد أن يتحاكم، فلا بد أن يرضى بحكم الله ورسوله. ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾، إن كان مؤمناً فلا بد أن يحكم ما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم. ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾، فأقسم تعالى بنفسه الكريمة: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ ﴾، أي: وربك، واللام هنا، اللام هنا تأكيد، أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله فيما شجر بينهم. فإن لم يرضوا بحكم الله وبحكم رسوله، فإن هذا حال المنافقين الذين لا يرضون بحكم الله ولا بحكم رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليس عندهم إيمان. إذا كان مثلاً لا يرضى بحكم الله وحكم رسوله، إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله أن يقولوا: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾، قال: في كل شيء يحصل فيه اختلاف، بخلاف مسائل الإجماع فإنها لا تكون إلا مستندة للكتاب والسنة. على مسائل الإجماع التي حكى العلماء الإجماع فيها، الإجماع اليقيني، فهذه غالباً ما تكون بأدلة من الكتاب والسنة، وقد يكون أحياناً الدليل ليس واضحاً لكن تدل عليه عمومات الأدلة. قال: ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكمونه على وجه الإغماض، ثم لا يكفي هذا حتى لا يقال عليهم أنهم يحتكمون إلى غير الله، فيأتون وهم كارهون، وهم يكرهون أن يأتوا إلى رسول الله. هذا حال المنافقين في عهده، وكذلك من تشبه بهم فإنه على غضبه، وكذلك أيضاً على إغماط أنه يأتي لحكم له، وإلا فهو لا يريد، يريد حكم القانون، يريد حكم القبائل، يريد حكم كذا، لكن حكم الله لا يريده. ولهذا ذكر الله عز وجل في بداية الآيات قوله سبحانه وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ﴾. والطاغوت كما قلنا: كل ما تحاكم إليه من غير الله جل وعلا، وكل ما تجاوز العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. ونفى عنهم الإيمان، وهناك أيضاً بين أنهم يزعمون أنهم آمنوا فقط، زعم وليس حقيقة، فلو كانت حقيقة لأذعنوا لله ولرسوله، لكن هنا الإذعان ما عندهم إذعان. ولهذا من شروط لا إله إلا الله الإذعان، بمعنى أن يذعن بقلبه وجوارحه، فلو أذعن بجوارحه ولم يذعن بقلبه فإنه منافق، يعتبر منافق إذا كان ليس في قلبه إذعان. ما معنى الإذعان؟ معنى الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله والطاعة والاستجابة. ليس عنده استجابة أصلاً، ليس عنده معنى هذا الإذعان، ليس موجوداً، لا يكرهن يتبع الكتاب والسنة، عنده كراهة في ذلك، فهذا يعتبر منافق. ولو أذعن بجوارحه، فالعبرة بالقلب. مثل القبول أيضاً، القبول من شروط لا إله إلا الله، لو أنه أيضاً قبل بجوارح فقط لكن بقلبه لم يقبل، لم يقبل حكم الله ورسوله، ولا أيضاً توحيد الله أن يوحد الله عز وجل، بل في قلبه دين النصارى مثلاً، دين الثالوث، أو أنه من الملاحدة الذين ينكرون الله، لكن تقية، ولأنهم نشأ مثلاً مع المسلمين فهو يظهر لهم أنه يعبد الله معنى بجوارحه. فلهذا في العمدة في هذه الأمور عمدة القلب: الإذعان والطاعة والانقياد يكون بالقلب، وكذلك القبول، وإنما الجوارح فقط تدل على الظاهر، الإذعان الظاهر. فلهذا فهنا إذا لم يذعن ولم يستجب ولم ينقد، وليس في قلبه أصلاً انقياد لله ولرسوله، فهذا ليس بمؤمن بل هو منافق، إن فعل بجوارحه، وإن لم يفعل بجوارحه فهو كافر، كافر، فهو كافر في كل الحالتين. لكن المنافق يظهر الإسلام، يظهر الطاعة، والكافر لا يظهر شيئاً. فإذا أظهر المنافق الكفر يعتبر زنديقاً أو يعتبر كافراً، فهذا الفرق بين هذا وهذا. فالكافر لا يذعن لا بالقلب ولا بالجوارح، ليس عنده انقياد ولا استجابة لا بالقلب ولا بالجوارح. ليس معنى ذلك أن الإنسان مثلاً قد يعصي، لا، هذا شيء آخر. معنى أن الإنسان لا يستطيع أن يستجيب لكل أوامر الله وأوامر نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لا، الإنسان يذنب ويخطئ، لكن أصله هو الانقياد، يريد أن ينقاد إلى الله ورسوله ويحب ذلك، لكن تصرفه نفسه، يصرفه الشيطان. لكن هذا المنافق أصلاً لا يريد الانقياد لله وللرسول، ليس في قلبه انقياد لله ولا طاعة لله ولا استجابة، هو بعيد عن هذه الأمور، بل يكره هذا، يكره أنه يستجيب لله ولرسوله، لكن يفعله لأجل الناس، فهذا منافق. فإن لم يفعله بجوارحه فهو كافر، لم يفعل أوامر الإسلام فهو يعتبر كافر. طيب. قال: قال ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى يسلم لحكمه تسليماً، بانشراح صدر وطمأنينة نفس وانقياد من الظاهر والباطن. هذا بعد الحكم، فهناك قبل الحكم وهناك بعد. فالأول قبل الحكم: قبل الحكم أولاً الانقياد، قال الله عز وجل: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾، حتى يؤمنوا بذلك وينقادوا لحكم الله وحكم رسوله، هذا قبل التحكيم. وبعده قال: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، أي هذا بعد التحكيم. لا يجوز لأحد للمسلم أن يبغض وأيضاً يكره حكم الله ورسوله، وإن كان ليس عليه، ممكن أنه مثلاً يقول: هذا القاضي جائر، هذا القاضي كذا، هو لا يريد حكم الله، لكن إذا كان يعلم علماً يقيناً أن هذا حكم الله ثم يقول مثل هذا الكلام، فهذا يكون أنه لم ينقاد بحكم الله ولرسوله. فقال جل وعلا: ﴿ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾، لأنه لو لم يسلم لله ولرسوله فليس عنده إسلام. فإنما يثبت قدم الإسلام كما قال الإمام الطحاوي بالاستسلام لله ولرسوله، هذا يثبت قدم الإسلام، يثبت الإسلام، وهو المراد به اليقين أو المقصود الانقياد لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال رحمه الله: فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، لأنه إذا وجد الحرج وجد الضيق من هذا الحكم، فهذا يعتبر نفاق، يعني هذا يدل على نفاق في قلب العبد. قال: والتسليم في مقام الإحسان، يسلم تسليماً. قال: فمن استكمل هذه المراتب وكملها فقد استكمل مراتب الدين كلها. فمن ترك هذا التحكيم المذكور غير ملتزم له فهو كافر، ومن تركه مع التزامه فله حكم أمثاله من العاصين. معنا عنده انقياد لكن كما قلنا ترك، ذهب إلى حكم آخر لأجل الدنيا، هذا شيء آخر، هذا ليس بكافر