الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 88، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع رحمة الله تعالى بعدم تكليف العباد بما يشق عليهم كقتل النفس أو الخروج من الديار، مبيناً أن القليل فقط كان سيطيع لو كُتب ذلك، ومقارناً ذلك بالرهبانية المبتدعة في النصرانية. ويؤكد أن القرب من الله يجعل الطاعات سهلة على النفس، بينما البعد عنه يورث المشقة في الصلاة والسنن والقيام وقراءة القرآن.
يوضح المقطع أن الجهاد والعبادات تصبح سهلة على من عود نفسه على الطاعة والشجاعة، مستشهداً بسير عبد الله بن المبارك وخالد بن الوليد رضي الله عنهما. ويؤكد أن الله لم يكلف النفوس إلا ما تطيق، فمن التزم بما يوعظ به وتدرج في العبادة هان عليه الأمر بتيسير من الله.
يبيّن المقطع أن من أعطى واتقى وصدق بالحسنة يسر الله له الطاعة حتى يجد فيها راحة عظيمة وحلاوة تغنيه عن التعب، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين. ويؤكد أن الوصول إلى هذه المنزلة لا يكون إلا بالتدرج والترويض المستمر للنفس على العبادات، لا بالقفز إلى ما لا تطيقه فيملّ ويترك، مستشهدًا بقول ثابت البناني: «روضت نفسي عشرين سنة على قيام الليل».
يوضح المقطع أن الله رتب جزاءً عظيماً لمن يعمل بما يوعظ به، مشيراً إلى أربع جوائز سيُفصل فيها في الدرس القادم. ويختتم الدرس بالحمد لله وذكر اسم المترجمة نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾. قال: يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروا على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد ولا يشق فعلها. وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات لتخف عليه العبادات ويزداد حمدًا وشكرًا لربه. فهذا من الله عز وجل ترويضًا لنفس بني آدم، وأنه سبحانه وتعالى لم يكلفهم أمورًا تشق عليهم. فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾. أي: أن الله عز وجل كتب على عباده أن الإنسان يقتل نفسه أمر من الله، أو يخرج من بيته أمر من الله، فهذا سيشق على النفوس، مثل ما شق على بني إسرائيل لما أمرهم الله عز وجل في التوبة أن يقتلوا أنفسهم، فإنهم حاولوا أن يتنصلوا من هذه الأوامر. لكن الإنسان أحيانًا يخرج من بيته لأجل الله عز وجل في الفتن وغيرها، وأبرهم الله عز وجل بالهجرة، فهاجر الصحابة وتركوا أموالهم وتركوا ديارهم لأجل الله جل وعلا، فكانت نفوسهم عظيمة، كما قال الله عز وجل: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾، دل على صدقهم. لكن هذا إنما يكون في بعض المواضع أو بعض الحالات، لم يكن دائمًا، وإلا لو كان دائمًا لشق على النفوس، مثل ما فعله النصارى: يخرجون من بيوتهم ويذهبون إلى البراري ويذهبون إلى الصحراء، ويفعلون لهم شيئًا من الخيام أو كذا، ويعبدون الله فيها. وهذه الرهبانية التي شقوا بها على أنفسهم، ورهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله. أنا ما كتب الله عز وجل عليهم إلا أنهم يعملون لله ويرضوا الله عز وجل بأعماله، ولم يكتب عليهم هذه الرهبانية، وإنما هم الذين ابتدعوها وهم الذين فعلوها يظنون أنها رضا لله أيضًا. قال الله عز وجل: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾، أن ابتدعوها وأيضًا ما رعوها، فما بالك لو أن الله عز وجل كتبها عليهم؟ لكن ربنا جل وعلا لم يشق على الناس في هذه المأمورات، وإنما فرض عليهم ما تستطيعه أنفسهم وتطيقه، وغالبًا مما يكون سهلًا عليهم. إذا أودت النفس... أنا أجد أن الطاعات سهلة على النفس إذا تعودت تكون سهلة، أما إذا لم يتعود العبد هذه الطاعة تشق عليه. وسبحان الله تجد أن الله عز وجل جعل القلب له دور كبير في معنى تسهيل الأعمال وشقتها، فكلما كان القلب أقرب إلى الله كانت الأعمال عليه سهلة، وكلما ابتعد كانت عليه الأعمال فيها مشقة. تجد كثيرًا من الناس عنده مشقة أن يأتي للصلاة، أو كل الصلاة يجد مشقة في إتيانه للصلاة، وهناك أناس من المسلمين لا يجدون تلك المشقة أبدًا، بل يجدون راحة في صلاتهم وفي إتيانهم للمسجد. وهكذا أيضًا في صلاة السنن، حتى السنن مثلا الرواتب وغيرها، تجد كثيرًا من الناس يشق عليه أن يصلي السنن، وهناك من الناس من يرى أنه أمر سهل وأمر عادي، كأنه شيء اعتاده. وهكذا قيام الليل، قراءة القرآن وحفظه، وغير ذلك من الأمور والطاعات التي جعلها الله عز وجل على العباد. حتى الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله تجد أن من لم يعُد نفسه عليه، ولم يرضَ ويقود نفسه عليه، فلا شك أن النفس تكره، تكره أن تؤثر نفسها لله عز وجل، ولو كان لله، يخاف، يخاف الإنسان أن يقتل، يأتيه الهم، يأتيه كذا. لكن سبحان الله من تعود وعوَّد نفسه على الشجاعة وعلى رضا الله عز وجل وعلى طاعته، تجد أنه يجد هذه الأمور سهلة عليه، تجد أنه يتنقل من مكان إلى مكان في الجهاد في سبيل الله. لا يغيب عن الجهاد: عبد الله المبارك إمام الأمة المسلمين، كان سنة يحج وسنة يكون في الثغور في الشام، وأكثر وقته كان في الثغور في الجهاد في سبيل الله. وغيره وغيره كثير، الصحابة رضي الله عنهم اعتادوا الجهاد، صار الجهاد عندهم مثل الشيء الذي يفعله يوميًا، يكون معهم، إذا لم يجاهد يرى حسرًا في نفسه ومشقًا عليه. خالد بن وليد رضي الله عنه، منذ أن أسلم وهو مجاهد لله وسيف الله ورسوله، وحتى أن مات مات على فراشه، فتحسر أنه مات على فراشه، قال: «لا نامت أعين الجبناء»، وهو رضي الله عنه ما من موضع من جسده إلا وفيه أثر السيف أو رمح أو سهم، لكن مات على فراشه. وهذا عبرة، جعلها الله عز وجل، هذا الرجل المجاهد الذي لم يعرف معنى في مثل جهاده، أو من النادرين في الجهاد في سبيل الله، وربنا جل وعلا جعل له النصر، ما من غزو غزاها إلا وانتصر، وتجده يموت وهو مريض على فراشه. معنى ما مات في تلك الثغور، معنى غزى الروم أكثر من مرة، وغزى الفرس، وفتح أمصار كثيرة، رضي الله تعالى عنه، وجاءه الموت وهو على فراشه، رضي الله تعالى عنه. فهذا عبرة لمن شق على نفسه الجهاد في سبيل الله، وأنه يقدم نفسه وماله لله. ولهذا ربنا جل وعلا في آيات كثيرة يثني على من قدم نفسه وماله لله عز وجل، فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ فَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾. فلهذا تجد أن أوامر الله عز وجل قطاعتها تسهل على النفس إذا تعودت هذه النفس، فليست هناك أوامر شاقة، وإنما تكون شاقة على من ابتعد عن الله. حتى القرآن، حتى القرآن تجد بعض النفوس مثلا إذا جاء يقرأ ما يرتاح، سرعة يسكر القرآن، لأجل أن نفسه بعيد عن الله. فلذلك هذه الأشياء التي ذكرها الله عز وجل أنه لم يوجبها على الأنفس، وإلا لوجدت الأنفس مشقة. فيحمد الله جل وعلا العبد أن الله عز وجل ما أمره إلا بما يستطيع وبما يكون متسهلًا عليه. فقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾، ما يفعل هذا إلا القليل، ﴿ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾. قال: وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات لتخف عليه العبادات ويزداد حمدًا وشكرًا لربه. أي: يحمد الله عز وجل، يتفكر أن الله عز وجل لم يكلفه ما لا يطيق، وإنما كلفه أشياء يستطيعها، فتجتهد النفس وتخف عليها هذه العبادة. ثم قال جل وعلا: ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به، أي: ما وُظفوا عليه في كل وقت بحسبه، فبدلوا هممهم ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما يصل إليه ولم يكونوا بصدده. وهذا هو الذي ينبغي للعبد أن ينظر إلى الحال التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا على أولية العبادة... هذه العبادة وهي سهلة، لكن بتيسير الله جل وعلا لها لهذا العبد، يسيره الله عز وجل. فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنة فسنيسره لليسرى، يسيره الله عز وجل للعبد ما يجد مشقة أبدًا، يلين الله عز وجل له هذه الطاعة. فلذلك تجد الرجل يقوم الليل ولا يفتر، يقوم الليل وهو في راحة عظيمة، يود أنه لو أن الله عز وجل جعل كما قال بعض السلف كل الوقت ليلًا، يعني يتمنى كما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله، ذكر أن بعض السلف كان يتمنى أن يكون كل الوقت ليلًا لأنه يجد الراحة في صلاته في الليل ولا يحس بتعب لكثرة انهماكه، وأيضًا كذلك تطلعه في مرضاة الله جل وعلا، وأيضًا يدخل في قلبه مناجاة الله سبحانه وتعالى فيغيب عن التعب، وكذلك يحصل له حالة من الراحة العظيمة. قال بعض السلف: لو أن أهل الجنة... انظروا إلى هذا القول: «لو أن أهل الجنة في مثل هذا لكانوا في نعيم عظيم»، أنه وجد حالة من حالاته أنه وجد راحة عظيمة بمناجاة الله جل وعلا، فذكر أهل الجنة، فإذا كان أهل الجنة على هذا الحال مستمرًا فما أعظم حالهم. ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة»، أي: هي الراحة التي يجدها العبد في الطاعات، وهذا ما يأتي إلا بالاستمرار، وأيضًا النظر إلى الإخلاص والصدق مع الله يأتي بمثل هذه الراحات. النبي عليه الصلاة والسلام قال لبلال: «أرحنا بها يا بلال»، كانت الصلاة عند النبي صلى الله عليه وسلم قرة عينه، وجعلت قرة عينه في الصلاة، راحتي... أي راحة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته. فهذه أيضًا الراحة تكون لبعض العباد غير الأنبياء، لعباد الله الصالحين، يعطيها الله عز وجل، فتنشرح صدورهم بالطاعة، فلا يكون شيئًا يشق عليه، تيسر هذه الطاعات. فلو أنهم فعلوا ما يوعظون به من هذه الأوامر وتدرجوا فيها لما ثقلت عليهم، وإنما جاء الثقل إما من عدم الصدق والإخلاص، أو من عدم التدرج في هذه الطاعات. يعني يدخل الرجل في الطاعة في آخرها، يأتي يصلي الليل، يسمع بقيام الليل وأن الصحابة يفعلون والنبي صلى الله عليه وسلم يفعل، فيقول: أنا مثله، فيقوم نصف الليل ويصلي إحدى عشرة ركعة ويقرأ ثلاثة أجزاء مثلا أربعة، هذا ما يستطيع، لو استمر يمكن يستمر ثلاثة أيام أربعة خمسة ثم سيترك الصلاة نهائيًا، لأنه كلف نفسه ما لم تتعود عليه. فالترويض للنفس لا بد منه، كما قد ذكرنا في أكثر من مرة، الترويض للنفس في الطاعات لا بد منه، سواء كان في الصيام أو في قراءة القرآن أو قيام الليل أو السنن الرواتب وغيرها، فلا بد أن يتدرج الإنسان في هذا. في الوتر كما قلنا: لو يصلي ركعة واحدة كل يوم يعتاد عليها، أفضل من أنه يصلي ثلاثة ثم يترك، يوم يصلي يوم ما يصلي. لو يعتاد على ركعة واحدة لكن يتعود عليها، فتتريض نفسه بها، ثم يزيد ثلاث ركعات، ثم بعد ذلك يزيد خمس، وهكذا أيضًا في قراءة القرآن وفي قيامه، فسيرى بعد ذلك أنه يقرأ طويلًا ويقف طويلًا ولا يجد كللًا ولا مللًا. سبحان الله، ربنا جل وعلا جعل كل شيء له أسباب، وأيضًا كل شيء من هذه الأمور منظم، لا يصل إليه الشخص إلا بمفاتيح أو بأشياء يفعلها، قال: حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، حتى الدنيا تحتاج إلى مثل هذه التدرجات. أيضًا الترويض للنفس، يقول ثابت بن أسلم البناني رحمه الله، ومن تلاميذ أنس بن مالك رضي الله عنه، يقول ثابت: «روضت نفسي عشرين سنة على قيام الليل»، حتى راضت عشرين سنة وهو يروض نفسه حتى راضت، قال: «حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدنيا»، وهذا في أمر الدين والدنيا. وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة وحصول الكسل وعدم النشاط. ثم رتب ما يحصل لهم على فعل ما يوعظون به، معنى: جعل لهم جوائز عظيمة على فعل ما يوعظون به، وهي أربع جوائز، إن شاء الله تعالى نترك ذلك في الدرس اللاحق. والحمد لله رب العالمين ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر