الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 85، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يؤكد العلامة السعدي أن غاية إرسال الرسل هي طاعتهم والانقياد لهم، وأن الدين يقوم على الكتاب والسنة معاً فلا يجوز التفريق بينهما. كما يبين عصمة الأنبياء في تبليغ الوحي وأحكام الدين بينما أمور الدنيا تخضع لتجربة البشر.
يناقش المقطع قول أهل السنة بعصمة الأنبياء عن الكبائر مع جواز وقوع الصغائر منهم في غير التبليغ، مستشهداً بخطأ آدم وتورية إبراهيم. ويرد قصة الغرانيق باعتبارها حديثاً موضوعاً، مستدلاً بأمر الله بطاعة الرسول المطلقة على عصمتهم في التشريع والتبليغ حتى من السهو والنسيان.
يقرر النص أن الأمر النبوي يفيد الوجوب المطلق لعصمة الرسول، وأن قوله ﴿بإذن الله﴾ يثبت أن كل فعل يقع بقضاء الله وقدره. ويحث على الاستعانة بالله وعدم العجز، مستشهداً بحديث النهي عن طلب الإمارة وبيان أن قدرة العبد ممنوحة من الله لكن تحققه مرهون بإذنه وتوفيقه.
يشرح المقطع معنى الآية الكريمة بأن طاعة الرسل تقع بتقدير الله وقضائه ومعونته. ويشير المحاضر إلى أن بقية الآية ستُستكمل في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾، ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابًا رحيمًا﴾. يقول رحمه الله: يخبر تعالى خبرًا في ضمنه الأمر والحث على طاعة الرسول والانقياد له، وأن الغاية من إرسال الرسل أن يكونوا مطاعين، ينقاد لهم المرسل إليهم في جميع ما أمروا به ونهوا عنه. إن هذه الآية فيها الحث على طاعة الرسل جميعًا، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فما أرسل الله عز وجل هؤلاء الرسل إلا لأجل أن يطاعوا، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. فالذي يفرق بين الكتاب والسنة فإنه ليس على الهدي الصحيح، بل هو ضال. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن يأتي رجل متكئًا على أريكته فيقول: ما وجدناه في كتاب الله أخذناه». ألا إن ما في سنة رسول الله هو ما جاء في كتاب الله، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، أي أن كل ما جاء به عليه الصلاة والسلام أيضًا يجب أن يؤخذ به. فالدين هو الكتاب والسنة، ﴿ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾، والحكمة هي سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله: وأن يكونوا معظَّمين، تعظيم المطاع للمطيع، أي لهذا الرسول. ﴿فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾، ﴿فاعزروه﴾ أي عظموه. فيعظم ويجل عليه الصلاة والسلام وعلى أنبياء الله جل وعلا. قالوا: في هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه، وهذا بإجماع أهل السنة، أن عصمة الرسل في التبليغ، في الدعوة إلى الله جل وعلا، فيما يبلغونه عن الله، فهذا هم معصومون فيه، كما قال الله عز وجل في نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: «اكتب، والذي نفسي بيده لا يخرج مني إلا حق». فالأنبياء معصومون فيما يبلغون به دين الله جل وعلا، لأن الله عز وجل يوحي إليهم سبحانه وتعالى. وأما أمور الدنيا والأمور الأخرى، فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». واختلف العلماء في هل النبي، أو هل الرسول، يفعل المعصية، فأكثرهم يقول: إنه يفعل الصغائر، يفعل الصغائر، بمعنى أن يأتي الخطأ من الرسل، يأتي الخطأ من الرسل في غير الدعوة. بمعنى أن الله عز وجل ذكر خطيئة آدم، لما أكل من الشجر، فجعلها الله عز وجل خطيئة، ثم تاب آدم إليه. أما الكبائر فهم معصومون على قول أكثر أهل السنة، وإنما قد يقع الواحد منهم في الصغيرة، لكن من ناحية الوقوع. لكن هل وقعوا؟ معنى: ذكر الله عز وجل قصة آدم وأنه أكل من الشجر، هذا الذي ذكره الله عز وجل. وأما ما جاء عن نبي الله إبراهيم أنه قال: «نفسي نفسي»، كذبت ثلاثة كذبات، فهذه الكذبات في ذات الله، بمعنى من باب التورية، وليس من باب الكذب الصريح. فأما ما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون، فإن الله عز وجل عصمهم، عصمهم عن الخطأ، وعن حتى النسيان، لأن الله أمر بطاعتهم مطلقة. معنى: لو سهى مثلًا، قال شيئًا، معنى: قال شيئًا ليس عن سهو، فتجد أنه يكون تشريعًا، مثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في الصلاة، فيكون ذلك تشريعًا لوجود السهو، ثم يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بالحكم، يأتي النبي عليه الصلاة والسلام بالحكم. أما دخول مثلًا كلام في كلامه، مثل ما جاء في قصة الغرانيق وهي الآلهة، لما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة النجم، فقال جل وعلا: ﴿أفرأيتم اللات والعزة * ومناة الثالثة الأخرى * لكم الذكر وله الأنثى﴾، جاء في حديث أنه قال: «تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى»، على أساس أن الشيطان أدخل على النبي عليه الصلاة والسلام هذا الكلام. وهذا الحديث لا يصح، بل هو شبه الموضوع، وقد ألف الشيخ الألباني رحمة الله عليه رسالة في تضعيف هذا الحديث، وأنه لا يصح أبدًا. قال رحمه الله: لأن الله أمر بطاعتهم مطلقًا، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقًا. ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾، ﴿ومن يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه﴾، وقال: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾. هذا كله يدل على أن الله عز وجل أمر بطاعته مطلقًا، ليس مقيدًا بشيء، بل كل ما قاله وكل ما أمر به النبي فالواجب هو طاعته. ولهذا ذكر العلماء أن أكثر علماء الأصول، القاعدة مشهورة: أن الأمر يفيد الوجوب، أن الأمر شرع من الله أو من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يفيد وجوب هذا الشيء الذي أمر الله عز وجل به أو أمر به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. فهي طاعة مطلقة، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقًا. هذا معنى لجعله مقيدًا. وقوله: ﴿بإذن الله﴾، طاعة المطيع صادرة، صادرة بقضاء الله وقدره، ففيه إثبات القضاء والقدر، والحث على الاستعانة بالله، أن هذا كله بقدر الله جل وعلا، وما يعمل العمل إلا بقدر الله، وطاعته سواء كان أقصد بقدر الله وقضائه، سواء كان في خير أو في شر. فالذي يعمل الخير ويوفق إلى الخير فهو بقضاء الله وقدره، والذي أيضًا يعمل الشر فهو بما قضاه الله عز وجل وقدره. فربنا جل وعلا لا يخرج شيء عن مشيئته، فلا يكون شيء في هذا الكون إلا بمشيئته جل وعلا. قال: والحث على الاستعانة بالله في أعمالك، واستعن بالله ولا تعجز. ﴿لا يصيبك العجز﴾، بل توكل على الله واعمل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز». «احرص على ما ينفعك» أي في ما تعمل، واجعل هذا العمل باستعانتك بالله جل وعلا، لأن العبد إذا عمل واستعان بالله، ومن توكل على الله عز وجل والخوف والرجاء، فإن العمل يكون بعناية الله جل وعلا، ويوفق الله عز وجل العبد عليه. وأما إذا وكل العبد إلى نفسه، فإنه لا يكون أيضًا، معنى: تتخبط الشياطين، ويكون بعيدًا عن رعاية الله جل وعلا. ولهذا قال في الولاية لأنها من الأعمال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أوتيتها عن غير مسألة أعنت عليها». على الذي يطلب هذه الولاية يوكل إليها، وهذا خسارة، لكن الذي يعطاها لأنه أهل لها فهذا يعان من الله جل وعلا. قالوا: بيان أنه لا يمكن الإنسان إلا بمعونة الله أن يطيع الرسول، أي كله بمعونة الله جل وعلا، كله بإذنه. وإنما العبد أعطاه الله عز وجل استطاعة يفعل بها الفعل، لكن هل يتحقق هذا الفعل؟ فهذا بإذن الله جل وعلا وتوفيقه، فلا يكون ولا يفعل فعلًا إلا تحت إذن الله وقضائه وقدره جل وعلا. لهذا قال سبحانه وتعالى في هذه الآية: ﴿ولو قال وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾، أي بقدر الله وقضائه ومعونته سبحانه وتعالى. هذا معنى هذا إن شاء الله تعالى. بقية الآية نتركها في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر