تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 83

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 83

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 83، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

صفات المنافقين وإعراضهم عن التحاكم لشرع الله

يستعرض المقطع صفات المنافقين الذين يدّعون الإيمان ويعرضون عن التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله ويلجؤون إلى الطاغوت لقضاء حوائجهم. ويبين أن ديدنهم الابتعاد عن الشرع عند مخالفة الهوى والتمسك به ظاهرياً عند الشدائد طلباً للمصلحة.

اعتذار المنافقين بالأيمان الكاذبة وادعاء الإحسان

يفسر المقطع اعتذار المنافقين عند نزول المصيبة بحلفهم أنهم ما أرادوا إلا الإحسان والتوفيق بين الناس. ويرد عليهم بأن الإحسان الحقيقي والتوفيق الصحيح لا يكون إلا بتحكيم شرع الله ورسوله لا بغيره.

حكم التحاكم لغير شرع الله والفرق بين الكفر والمعصية

يقرر المقطع أن من جحد وجوب التحاكم لشرع الله أو استحل التحاكم للطاغوت مع العلم فقد كفر، أما من تحاكم لغير الله لمصلحة دنيوية مع علمه بالتحريم فهو عاصٍ لم يكفر. ويستدل لذلك بآيات القرآن وأقوال ابن تيمية وابن القيم وقصة التحاكم لكعب بن الأشرف.

التطبيق العملي: التحاكم للمحاكم الشرعية والوضعية

يبين المقطع جواز التحاكم إلى المحاكم التي تحكم بشرع الله وإن كانت ناقصة التطبيق، ويحرم اللجوء إلى محاكم الكفر التي تحكم بالقوانين الوضعية بغير ما أنزل الله. ويوضح الفرق الجوهري بين من يحكم بشريعة الله ومن يحكم بغيرها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. طيب، قال العلامة سعد رحمه الله: إن قوله جل وعلا: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾ [النساء: 62]، فقال: كيف يكون حال هؤلاء الضالين إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم من المعاصي، ومنها تحكيم الطاغوت؟ هذه الآيات يحكي ربنا جل وعلا عن قوم كما تقدم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل الله وما أنزل أيضا على من كان قبله، وهؤلاء هم منافقون. فتجد أنهم ما يريدون حكم الله، يريدون حكم الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. هذا من صفات النفاق. لكن الله عز وجل قال لنبيه بعدما قالوا: إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا. فقال جل وعلا: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾. يعرضون عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا أصابتهم الملمات قالوا: نحن نريد الشرع، وعنهم يجعلون الشرع في مصالحهم. فهم يريدون أحكام غير الشرع، يتحاكمون إلى الطاغوت، يريدون حكم الطاغوت. لكن إذا ألمتهم الملمات وأصابتهم المصاعب جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كثير من أهل النفاق يفعلون هذا، تجد أنه يريدون مصالحهم فقط، ويريدون أغراضهم، فيحتكمون إلى القانون، إلى غيره، لأجل مصالحهم. وأما الشرع فهم يبتعدون عن التحاكم إليه لأنه لا يكون في صفهم غالبا، فلهذا يبتعدون عن الشرع. وأيضا كذلك إذا قيل لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، يبتعدون ويقولون مثلا: قد ما يديمون الشرع، لكن يقولون: نحن نريد أن نتحاكم عند فلان، نحن نريد أن نتحاكم عند الحاكم الفلاني، أو عند القاضي الفلاني، أو كذا من قضاة الذين لا يقضون بما جاء عن الله وعن رسوله. مثل كما قلنا ما يحصل من أحكام العرف والأسلاف، وكذلك غيرهم ممن يريد حكم القانون ولا يريد حكم الله، ولا يريد حكم القانون الذي ليس بحكم الله جل وعلا. فإذا قيل له: نتحاكم إلى شرع الله، يقول: لا، نتحاكم إلى القانون. لكن إذا قال: ما يريد التحاكم إلى شرع الله، فهذا قد صرح بالكفر. لكن هو يسكت ويريد أن يتحاكم إلى هؤلاء لأجل مصلحته، لأنه يعلم أنه قد أمر أن يكفر بهذا الطاغوت وبحكمه، فلهذا يسكت عن هذا. وهذا الظاهر من هذه الآيات. ولهذا الله عز وجل قال في آخر الآيات: ﴿ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ [النساء: 63]. فإذا كان هذا يحب التحاكم إلى غير الله جل وعلا ويكره التحاكم إلى شرع الله، فهذا ليس في قلبه إسلام ولا دين، وإن كان يعرف أن هذا الحكم حكم الله جل وعلا هو الواجب عليه، لكن لشهوة لدنيا ولغيره، فهذا يعتبر عاصيا من العاصين وليس بكافر. وهذا التفريق هو الذي فرق به السلف، وأيضا جاء عن العلماء كالشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وشارح الطحاوية وغيرهم من أئمة الإسلام. فهنا قال الله عز وجل: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾، أي: بسبب معاصيهم، ومنها تحكيم الطاغوت. قال: ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾، أي: ثم جاءوك معتذرين لما صدر منهم، يعني: يفعلون أولا هذا الشيء، ثم بعد ذلك يعتذرون. وكما قال بعض السلف: إن هذه الآية نزلت في أناس يريدون أن يتحاكموا إلى كعب بن الأشرف. فقيل لهم: تحاكموا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قالوا: لا، نحن كنا نتحاكم إذا اختلفنا نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فنحن الآن نريد أن نتحاكم إلى كعب بن الأشرف. وإن كان هذا جاء مرسلا عن بعض التابعين، لكنه يوافق الآية. فهؤلاء تجد أنهم في هذا الحكم يريدون إلى كعب بن الأشرف، فإذا أصابتهم المصائب بسبب هذا الذنب رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم واعتذروا. ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ ﴾، قال الله عز وجل: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾، أي: بسبب ما قدموا وبسبب فعلهم، ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾، يعني: يقولون: نريد الإحسان فقط، ما نعارض الشرع ولا نكره الشرع، لكن رأينا أن هذا الشخص هو الذي سيخرج لنا حقا، أو رأينا أن هذا أو المحاكم الكفرية مثلا في بلاد الكفر هي التي تخرج لنا حقنا، أو كذا من هذا الباب. وقد يكون أيضا إخراج حقهم بالشرع، يأتون مثلا إذا كانوا مثلا في غير بلاد المسلمين يأتون إلى عالم من علماء المسلمين أو فقيه أو من عنده علم لكي يحتكموا إليه، ولا يذهبون إلى المحاكم هذه الكفرية. أما إذا كانت هذه المحاكم شرعية فلا بأس أنهم يذهبوا لأجل أنها محاكم شرعية، أنها تحكم بشرع الله جل وعلا، وليس أنه لابد أنها تحكم بكل ما جاء في شرع، فهذا لم يوجد حتى في عهد بني أمية، لأن الناس يختلفون، الناس يرون آراء، وإنما في الأشياء الظاهرة، في الأشياء الظاهرة التي خاصة في الأشياء المدنية كما يقولون: أنا من أحكام النكاح والطلاق والأسر، وأيضا غيرها من هذه الأحكام، غالبا في البلاد الإسلامية يحكمون بها لأنهم لم يجدوا كحكم الشرع في ذلك أو في إصلاح هذه الأمور. وأيضا كذلك أن هؤلاء غالبهم يريد حكم الله، حتى الحكام يريد حكم الله جل وعلا، لكن كما ذكرنا مسألة الحدود، الحدود موجودة، موجودة في القانون اليمني، قد قرأنا ذلك فيه، على موجودة في القانون اليمني وفي غيره أيضا من قوانين السعودية وغيره، لكن أحيانا التطبيق ما يكون التطبيق، تجد أنهم ما يطبقون، أو لأجل أمورا يحسبونها أنها قد تعكر عليهم أو شيء. المهم أن مثل هذه المحاكم غالبا أنها محاكم تحكم بالإسلام، فلا بأس أن الإنسان يذهب إليها يتحاكم. وأما إذا كان في بلاد كفر، فإنه بل الواجب أنه لا يذهب إلى هذه المحاكم التي تحكم بغير شرع الله. طيب، قال جل وعلا: ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾، أي: ثم جاءوك معتذرين لما صدر منهم، ويقولون: إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، أي: ما قصدنا في ذلك إلا الإحسان إلى المتخاصمين والتوفيق بينهم، وهم كاذبون في ذلك، فإن الإحسان كل الإحسان تحكيم الله ورسوله، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.