شرح أعلام السنة المنشورة  54

شرح أعلام السنة المنشورة 54

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 54، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

معنى اسم الله العلي الأعلى وتفاصيل العلو المطلق

اسم الله العلي الأعلى يتضمن صفة العلو المطلق لله، ويشمل ثلاثة أنواع: العلو الذاتي، العلو القهري، والعلو القدرى. العلو المطلق لله يعني علو الفوقية على عرشه وفوق جميع خلقه.

علو الله تعالى على خلقه ومعيته لهم

الله عال على خلقه بذاته، وهو قريب منهم ويعلم أحوالهم. علو الله نوعان: علو الذات وعلو القهر، حيث قهر جميع الخلائق وأحاط بهم علمًا وقدرة.

تفصيل أنواع علو الله تعالى والرد على المبتدعة

يناقش المؤلف أنواع علو الله الثلاثة: علو الذات، وعلو القهر، وعلو القدر. يبين أن هذه الأنواع متلازمة ولا ينفك أحدها عن الآخر، ويرد على المبتدعة الذين ينكرون علو الذات.

أدلة علو الله تعالى من القرآن والسنة

سيتناول المؤلف أدلة علو الذات وعلو القهر وعلو القدر من القرآن والسنة، ويطلب من الله أن ينفع السامعين بما قيل.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ماذا يتضمن اسمه العلي الأعلى وما في معناه كالظاهر والقاهر والمتعالي؟ هذا السؤال وهو حول معرفتي في تطبيق مسألة الإطمنان والتضمين، واختار من أسماء الله جل وعلا اسمه العلي الأعلى، ما الذي يتضمنه هذا الإسم؟ وهذه الأسماء ثابتة لله، فربنا سبحانه وتعالى هو العلي، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وهو العلي العظيم﴾، فهذه من أسمائه، ومن أسماء الله الأعلى ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، فربنا هو العلي وهو ربنا الأعلى. فقال: ماذا يتضمن اسمه العلي الأعلى وما في معناه كالظاهر والقاهر والمتعالي؟ وهذه أيضًا من أسماء الله، فربنا الظاهر هو الأول والآخر والظاهر والباطن، والقاهر وهو القاهر فوق عباده، والمتعال كما في قوله تعالى: ﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾، فيقول مؤلف رحمه الله تعالى: هذه الأسماء ما الذي تدل عليه من معنى؟ فقال رحمه الله تعالى: يتضمن اسمه العلي الأعلى الصفة المشتقة منها، وهو ثبوت العلو له عز وجل، إذن اسمه العلي الأعلى يتضمن هذه الأسماء صفة العلو لله سبحانه وتعالى. وذكرنا وذنبنا إخواننا في الله في دروس سابقة على أن أسماء الله جل في علا يشتق منها صفات، لكن الصفات لا يشتق منها أسماء، فإسم الله جل وعلا وكل اسم لله يتضمن صفة من صفات الله الحسنى. فربنا الحكيم ذو الحكمة، ربنا الرحيم ذو الرحمة، ربنا العلي ذو العلو، فكل اسم يتضمن صفة، لكن لا العكس، فلا تأتي من صفة من صفات الله وتشتق منها اسم، لأن أسماء الله توقفية، الإسم تشتق منه صفة، أما الصفة لا تشتق منها أسماء لأن أسماء الله توقفية. وهنا نبه المؤلف رحمه الله تعالى على أن اسم الله العلي الأعلى يتضمن ماذا؟ قال: هو ثبوت العلو له عز وجل بجميع معانيه، وهذا الذي يعبر عنه العلماء بالعلو المطلق، وربنا سبحانه وتعالى العلي الأعلى الذي له العلو المطلق، فجميع معاني العلو لله. وقد ذكر العلماء سواء كان من أهل اللغة أو من أهل الشرع أن العلو يكون على ثلاثة أمور، وعلو الله جل في علاء بالأخص يكون علوه سبحانه وتعالى يجتمع على ثلاثة أنواع من أنواع العلو، وهذا سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى في بحثه الآن إجمالًا، وسيأتي بعد ذلك يذكره بالتفصيل، فعُلُو الله سبحانه وتعالى وهو العلو المطلق فيه علو الله الذاتي، وعلو الله القهري، وعلو الله القدرى، فعُلُو الله ذات وقدر وقهر، فهذه ثلاثة أنواع من أنواع العلو يجتمعها أسماء الله جل وعلا العلي الأعلى. قال رحمه الله تعالى: وثبوت العلو له عز وجل بجميع معانيه، علو فوقيته تعالى على عرشه، علو فوقيته، ويعبر عنه العلماء بعلو الذات، بأن الله سبحانه وتعالى هو له علو الفوقية، بمعنى أنه قائم بذاته فوق جميع الخلائق، والقائم بذاته على جميع الخلائق، مستوى على عرشه، بائن من خلقه، فهذا العلو ينبغي أن يثبت لله، أي علو الذات، وعبر عنه المؤلف بعلو الفوقية. قال: علو فوقيته تعالى على عرشه، عال على جميع خلقه، فهو سبحانه وتعالى فوق كل شيء، وما هنالك شيء فوق الله، فحقيقة الفوقية والعلو لله العلو الذاتي بأن الله فوق كل شيء، وما هنالك شيء فوق الله سبحانه وتعالى، وهذه من صفات الذات التي يتصف بها الباري جل وعلا. قال: علو فوقيته على عرشه، عال على جميع خلقه، بائن منهم، رقيب عليهم، يعلم ما هم عليه، قد أحاط الله بكل شيء علمًا، لا تخفى عليه منهم خافية. وسيأتي مزيد شرح لهذه الصفة. فمع القول بأن الله سبحانه وتعالى على خلقه، ليس معناه سبحانه وتعالى أنه لا يطلع على أحوالهم، لا، وليس معناه أن شيئًا من أفعال العباد تخفى عليه، لا، فربنا سبحانه وتعالى مع علوه على خلقه إلا أنه مطلع على أحوال عباده، ما هنالك شيء يعزب عن علم الله، فهو سبحانه وتعالى مع علوه إلا أنه قريب من خلقه سبحانه وتعالى، فلا إشكال في هذا وذاك. فبعض الناس يستشكل هذا الأمر: كيف أهل السنة أنتم تثبتون علو الله سبحانه وتعالى بأن الله فوق سبع سماواته وتجمعون كذلك بأن الله معنا مطلع على حالنا؟ وأن الله قد أحاط بكل شيء؟ نقول: نعم، لا منافاة، فربنا على كل شيء قدير جل في علاه، فربنا مع علوه فوق خلقه، مع علوه على عرشه، فهو قريب من خلقه. ولهذا أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى قضية المعية، فقال سبحانه: «يعلم ما هم عليه، قد أحاط بكل شيء علمًا، لا تخفى عليه منهم خافية»، ما تخفى على الله منا خافية، ولو كنت يا عبد الله في رؤوس الجبال أو كنت يا عبد الله في أقاع الأرض أو كنت خلف الأسوار والكواليس والدهاليز، فإن الله مطلع على حالك، مع علوه سبحانه وتعالى. إذا كان هذا ما يتأتى تصوره لدى المخلوقين، لكن اعلم يا عبد الله أنك الآن في مقام صفة الخالق، وربنا ليس كمثله شيء، فالذي لا يكون ولا يمكن أن يقع من مخلوق، لا تجعله قياسًا على الخالق، حاشا وكلا، فربنا لا يقاس بخلقه، لا يقاس بخلقه، فربنا أعلى ولله المثل الأعلى، الوصف الأعلى. فربنا سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، فربنا مع علوه فوق خلقه، وكذلك قريب من خلقه، وهذا بمقدور الله، أليس من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم أنت الصاحب في السفر، معي صاحب أنت معي، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل»؟ من الذي معك في سفرك يرعاك؟ الله، ومن الذي مع أهلك يخلف عليهم بخير؟ الله، هذا لا يمكن لمخلوق أن يكون هنا وهنا، صحيح المخلوق لا يمكن، لكن الخالق هذا بمقدوره سبحانه وتعالى، فهو على كل شيء قدير. قال: وعلو قهره، وهذا النوع الثاني من أنواع العلو كما قلنا، لأن اسم الله العلي الأعلى يتضمن صفات العلو وكمال العلو، علو الذات بأن الله عز وجل بذاته فوق عباده، الثاني علو القهر، قال: وعلو قهره، فلا مغالب له ولا منازع ولا مضاد ولا ممانع، وهذا الذي يعبر عنه بعلو الغلبة، ربنا عز وجل عال لدرجة أن ما أحد قد يستطيع أن ينازع الله في ملكه وفي خلقه. فربنا إذا أراد شيئًا كان، وما هناك أحد راد لقضاء الله وقدره، فهو عال سبحانه وتعالى قد قهر العباد، قد قهر العباد جل وعلا، فهذا يسمى بعلو القهر، فربنا عال بقهره قد قهر العباد بماذا؟ بسلطانه وبقيوميته. قال: وعلو قهره، فلا مغالب له ولا منازع ولا مضاد ولا ممانع، بل كل شيء خاضع لعظمته، ذليل لعزته، مستكين لكبريائه، تحت تصرفه وقهره، لا خروج له من قبضته، هذا هو علو الله وهو علو القهر، فقد قهر جميع الخلائق، قهرهم سبحانه وتعالى، إذ أن الكل تحت قدرة الله، كلنا تحت قدرة الله، إذا أراد الله بخلقه شيئًا كان، هل أحد يستطيع أن يخرج عن قضاء الله وقدره؟ لا يمكن لأحد أبدًا. ولو كنت ما كنت يا عبد الله، انظر لفرعون الذي ادعى بأن له الربوبية وأنه يستحق الألوهية، ما الذي كان شاء الله له أن يغرق فغرق خسيئًا ذليلًا؟ هل تخلف وعد الله؟ ما تخلف وعد الله، فربنا قهر العباد فكلهم تحت قهره، وهذا يسميه العلماء بعلو القهر، وهذا أمر متفق عليه بين جميع أهل الملل. قال: وعلو شأنه، وهذا النوع الثالث من أنواع العلو، سماه المؤلف رحمه الله تعالى بعلو الشأن، ويعبر بعض العلماء بعلو القدر، وبعضهم يعبر عنهم بعلو الصفة، أي أن الله عز وجل عالٍ بصفاته، فربنا له من الصفات أعلاها، ويستلزم من هذا العلو علو الشأن وعلو القدر، بأن قدر الله عالي، إذ أن صفاته وصفاته الكُملى والعُليا. فليس هناك صفة من صفات الله من صفات النقص، لا، ربنا استعل جل في علاء عن صفات النقص، فما من كمال في مخلوق، فربنا أولى به سبحانه وتعالى، وما من صفة نقص تنزه عنها المخلوق، فربنا أولى أن يتصف بأن يتنزه عنها سبحانه وتعالى. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: وعلو شأنه، فجميع صفات الكمال له ثابتة، وجميع النقائص عنه منتفية، عز وجل وتبارك وتعالى، قال: وجميع هذه المعاني للعلو متلازمة، ما الذي يعنيه؟ وجميع هذه المعاني الذي مضى، فإن اسم الله العلي واسم الله الأعلى يشتمل على ثلاثة أنواع من أنواع العلو، علو الذات كما قلنا بأن الله بذاته فوق سبع سماواته فوق جميع مخلوقاته. وعلو القدر الثاني علو القهر، بأن الله قهر العباد فكل المخلوقات تحت قهره تحت سلطانه، لا منازع له جل وعلا، وما من شيء يخرج عن حكمه، إذ أن الله عز وجل هو الذي قهر العباد، فهذا علو القهر، والعلو الثالث علو القدر، فربنا في قدره عال سبحانه وتعالى، صفاته التي اتصف بها صفاته كمال ما فيها نقص في وجه من الوجوه. فهذه المعاني الثلاثة كلها من صفات العلو التي اجتمعت عليها اسم العلي والأعلى، يقول مؤلف عنها: وجميع هذه المعاني للعلو متلازمة معنى متلازمة، قال: لا ينفك معنى منها عن الآخر، بمعنى أن الثلاثة مترابطة، الثلاثة مترابطة، لا ينفك هذا عن هذا ولا هذا عن هذا، إذا أنت أنكرت شيء من أنواع العلو من هذا الباب، فإنك ستضطر أن تؤثر في باقي الأنواع. وأراد المؤلف رحمه الله تعالى الرد على المبتدعة، إذ أن المبتدعة وسيأتي هذا في بحثنا كما سيفصل المؤلف في الأسئلة القادمة حول كل نوع من أنواع علو بسؤال مستقل، سيأتي معنى أن من العجيب أن المبتدعة لربما سلموا لنا يقولون بعلو القدر بأن الله عال في صفاته، نقول بهذا، علو القهر بأن جميع المخلوقات تحت قهره، نقر بهذا، لكن علو الذات علو الفوقية بأن الله فوق مخلوقاته ما نقر بهذا. فالقهر والقدر بالاتفاق الكل مزعن لعلو الله في هذين البابين في علو القدر وعلو القهر، لكن الإشكال والتنازع في علو الذات في علو الفوقية، وهنا الذي وقع التنازع والخصومات بين أهل السنة والجماعة وبين سائر الفرق بين الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، تخاصمنا وإياهم في هذا الباب، وسيأتي بيان الحق فيها. فيقول مؤلف: إذا فهمت العبارة أن ثلاثة أنواع من أنواع العلو وهي من العلو الله المطلق أن بعضها لا ينفك عن الثاني، إذن نقول هؤلاء أن الذي لم يؤمن بعلو ذات الله جل وعلا سيظهر فيه الخلل في علو القهر وفي علو القدر سيظهر الخلل لها محالة، لأن هذه الأشياء متلازمة، فالضعف في إحداها سيظهر الضعف في الأخرى، وعدم الإيمان في إحداها سيظهر عدم الإذعان في الأخرى لأنها متلازمة. وسيأتي هذا كما سيأتي من أسئلة المؤلف رحمه الله تعالى بما يدل على أدلة كل نوع من أنواع العلو، فيأتي المؤلف بعلو الذات بأدلته من القرآن والسنة، وعلو القهر وأدلته من القرآن والسنة، وعلو القدر وهو علو الشأن وأدلته من الكتاب والسنة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.