شرح أعلام السنة المنشورة  38

شرح أعلام السنة المنشورة 38

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 38، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم توحيد الألوهية وأهميته

توحيد الألوهية يعني إفراد الله بالعبادة الظاهرة والباطنة، وهو أحد أقسام التوحيد الثلاثة. هذا التوحيد هو جوهر شهادة أن لا إله إلا الله ويتطلب إفراد الله بالعبادة دون سواه.

دعوة الأنبياء إلى توحيد الألوهية

دعا الأنبياء والرسل أممهم إلى توحيد الله وعبادته وحده، حيث خلق الله الخلق لعبادته. هذا التوحيد هو أساس رسالة الأنبياء والمرسلين.

تأكيد على إفراد الله بالعبادة

يتطلب توحيد الألوهية نفي العبادة عن كل ما سوى الله والتوجه بالعبادة لله وحده. هذا التوحيد هو أساس الإيمان الصحيح.

ختام وتأكيد على العلم الإلهي

يختتم بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم، ويُظهر الرغبة في نيل البركة والرضا الإلهي من خلال الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما توحيد الإلهية؟ هذا السؤال يحتاج قبل ذكر الإجابة عليه أن نعلم ما الذي أوصلنا إلى هذا السؤال؟ إذ أن المؤلف رحمه الله تعالى، الأسئلة الأخيرة عبارة عن سلسلة متواصلة، الذي أوصلنا إلى هذا السؤال: ما معنى أو ما توحيد الإلهية؟ أن المؤلف رحمه الله تعالى لما تطرق إلى أركان الإيمان الست: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، بدأ بالتفصيل في كل ركن على حدة، فبدأ بالإيمان بالله، وبيَّن المؤلف رحمه الله تعالى أن الإيمان بالله ليكون إلا عن أربعة أمور، بأربعة أمور تكون يا عبد الله مؤمنًا بالله، وهي: الإيمان بوجوده، والإيمان بألوهيته، والإيمان بربوبيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. إذا كنت يا عبد الله مؤمنًا معتقدًا بهذه الأربعة، فأنت مؤمن بالله جل في علاه. ثم بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بذكر الأمور الأربعة، فبدأ بالإيمان بوجود الله، وقد مضى معنا ما يتعلق بالإيمان بوجود الله، دلت على ذلك الشرع والعقل والفطرة على وجود الله سبحانه وتعالى. الآن المرتبة الثانية، وهي ما يكون من الإيمان بالله: الإيمان بالألوهية. فقال مؤلف كتاب التوحيد رحمه الله تعالى: ما توحيد الإلهية؟ قال: هو إفراد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولاً وعملاً، ونفيًا ونفي العبادة عن كل ما سوى الله تعالى كائنًا من كان. سنرجع إلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى في تعريفه لتوحيد الألوهية. كذلك هنا فائدة لا بد أن تعلم، ونحن في خضم الكلام على توحيد الإلهية، وما سيأتي: أن العلماء من أهل السنة بيَّنوا أن التوحيد الذي أمرنا الله جل وعلا به يقوم على أقسام ثلاثة، التوحيد يقوم على أقسام ثلاثة: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات. ولا يمكن لعبد بحالٍ من الأحوال أن يكون موحدًا حقًا وصدقًا إلا إذا توفَّرت لديه هذه الأنواع الثلاث من أنواع التوحيد، موحدًا لله في ربوبيته، في ألوهيته، وفي أسمائه وصفاته. ودع عنك يا عبد الله تشغيب من يشغب على هذه الأقسام كما يفعل مبتدعًا، إذ أنهم يضجروا من هذه القسمة، وأحيانًا يرمونها بالابتداع، وأن هذه قسمة ما أنزل الله بها من سلطان، وأنها قسمة مُحدثة ما عُرفت إلا من هذا الرجل: ابن تيمية. هكذا يصفون الأمر، والأمر على خلاف ذلك، فإن من كان عنده لمسة فكر وحظ من عقل، ورأى إلى التسلسل التاريخي لعلم التوحيد، أن هناك أناس من قبل شيخ الإسلام بمئات السنين، أشار إلى أن التوحيد يقوم على هذه الأنواع الثلاثة: في الربوبية، في الألوهية، وفي الأسماء وصفات. ثبت ذلك عن ابن جرير الطبري شيخ المفسرين رحمه الله تعالى في تفسيره، وهكذا ابن بطة، وهكذا ابن منده، أئمة من كبار العلماء من الأقدمين، ومن السلف كانوا قد قسموا التوحيد إلى أقسام ثلاثة. ما شيخ الإسلام ما هو إلا ناقل ومبرز، أبرز للناس هذه الأنواع فقط، هذا الذي فعل، لم يأتي بشيء من جديد أو شيء من كيسه كما يدعي المبتدعة. إذ أنهم ينقمون على شيخ الإسلام أنه ابتدع هذه الأنواع الثلاث من أنواع التوحيد، ما أتى ببدعة من الأقوال رحمه الله، وإنما إن أردتم أن تنتقدوا أحد انتقدوا من كان قبله، وما دعاكم أن تقولوا في الطبري أو في ابن مندة أو في ابن بطة، هؤلاء أفذاذ الأمة وكبارها. فالشاهد إخواني في الله، أن التوحيد يقوم على أقسام ثلاثة: ربوبية، ألوهية، والأسماء وصفات. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بتوحيد الألوهية، هذا التوحيد نعبر عنه بالألوهية وبالإلهية، ما في فرق إن شاء الله، كما قال المؤلف هنا: توحيد الإلهية، وعبر عنها بتوحيد الألوهية، هل فرق بين إلهية وألوهية؟ لا، كل واحد لأن هذه عبارة عن مصادر، مصادر من ماذا؟ مصادر من: ألها يأله إلهة وألوهة. إلهة إلهية، ألوهة ألوهية، وهي مصادر مصادر لهذه الكلمة التي سيأتي الحديث عنها. وهو قد يقول: ما الذي فسر به المؤلف توحيد الإلهية؟ سيأتي معنا أن تفسير العلماء لتوحيد الألوهية باختصار شديد: توحيد الألوهية، توحيد الإلهية هو الذي يعرف بأنه إفراد الله بالعبادة. من كان مفردًا لله في عبوديته، فهذا الذي أتى بتوحيد الألوهية وبتوحيد الإلهية: إفراد الله بالعبادة. وسيأتي أنواع العبادات التي ينبغي أن تفرد لله سبحانه وتعالى. هنا تأتي مسألة، وهو قد يقول القائل: وما علاقة ألوهية بعبادة؟ توحيد الألوهية إفراد الله بالعبادة. بل حتى أن هذا التوحيد يعبر عنه العلماء بتوحيد العبادة، تجد هذا في بعض الكتب، ما يسمى بتوحيد الألوهية يسمى بتوحيد العبادة، ولا مشاحة في الإصطلاحات، هذا التوحيد يعبر عنه بتوحيد الإلهية والألوهية، بتوحيد العبادة، بتوحيد الإرادة، بتوحيد العمل، كلها تدور على هذا، فلا تخشى من ذلك، إنما كلها تدل على أمر واحد، هو إفراد الله بالعبادة. من أفرد الله بالعبادة فقد أتى بنوع عظيم من أنواع التوحيد. يأتي مسألة أخرى وهي: ما معنى وما علاقة الإلهية والألوهية بالعبادة؟ الإلهية والألوهية في تعريف العرب أن مأخوذ من ألها، أصل الكلمة إلهية ألوهية أصلها ألها يأله إلهة ألوهة. ألها يأله، ما معنى ألها؟ يقول علماء من أهل اللغة كابن فارس ومن نظر في كتب اللغة العربية يجد أن كلمة ألها ويأله تعود إلى معنى التعبد مع المحبة والتعظيم، التعبد مع المحبة والتعظيم. فإذا وجد مثلاً في زمن العرب أن رجلاً ما تعبد لله، فيقولون: فلان تأله، بمعنى تعبد، فلان تأله أو يتأله بمعنى يتعبد. كما قال القائل: لله در الغانيات المده سبحنا واسترجعنا من تأله، ما معنى من تأله؟ أي من تعبد، التأله بمعنى التعبد. وهكذا في قراءة: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾، ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾، ثبتت هذه القراءة عن ابن عباس، كان يقرأ: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي هذا الملأ من قوم فرعون كانوا يهددون فرعون من أمر موسى عليه السلام أن موسى إذا استتمب له الأمر، ما الذي عسى أن يفعل بك؟ ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ أي يُبعِدُكَ ويُعِدِ الْآلِهَةَ التي معك. وعلى قراءة ﴿وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ﴾ أي: ﴿وَيَذَرَكَ وَعِبَادَتَكَ﴾، إِلَاهَتَكَ عِبَادَتَكَ. فتجد أن كلمة أَلَهَ يَأْلَهُ بمعنى عَبَدَ يَعْبُدُ. فالله جل وعلا نقول عنه بأنه الإله بمعنى المألوه، أي المعبود. فربنا مألوه أي معبود. لهذا الربط إخواني في الله، الإلهية والألوهية والمألوه والآلهة كلها تدور على معنى التعبد. فعندما نقول: توحيد الإلهية أو الألوهية، فهذا من إضافة الأمر إلى الله، بأن الله له الإلهية، فهو الذي يستحق أن يعبد. ومن هنا ما أتينا بتعريف جديد، فتوحيد الإلهية أو الألوهية هو إفراد الله بالعبادة، لأن الله هو المألوه. ما معنى أن الله هو المألوه؟ أي أن الله هو المعبود. ما معنى أن الله معبود؟ أي أن الله هو الذي ينبغي أن يعبد لا سوى سبحانه وتعالى. ومن نظر إلى كتاب الله جل وعلا يرى عظم هذا النوع من أنواع التوحيد، تجد الآيات الكثيرة الدالة والآمرة الخلق أن يفردوا الله جل وعلا بالعبودية. بل ما خلق ربنا من إنس ولا جن إلا لهذا المقام: توحيد الألوهية، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، هذه الحكمة من خلق المخلوقات من إنس وجان. زد على ذلك أن الله سبحانه وتعالى ما بعث الرسل بشيء أعظم من دعوة أممهم إلى توحيد الله، أي نوع من أنواع التوحيد؟ إلى توحيد الألوهية. ما من رسول ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ما كان همة الأنبياء والرسل إذا وصلوا أو بعثوا بالوحي والرسالة أنهم يأمرون الخلق الاعتراف بأن الله هو الخالق والرازق، لا، ما كان هذا شغلهم الشاغل، لأن هذا قد عقد في الفطر والنفوس السوية، يعتقدون بخلقه ورزقه. لكن الذي يشكر عليهم أن يستحق أن يعبد، خاصة مع وجود الأصنام والأوثان والآلهة والشياطين التي خطفت الناس عن عبادة الله إلى عبادة غيره، فكانت جل رسالة الأنبياء والرسل إلى أممهم أن يعبدوا الله، يعبدوا الله. ولهذا ذكر ربنا عز وجل عن أمم أو عن جماعة من أنبيائه: هود وصالح ونوح، أنهم إذا أتوا إلى أقوامهم قالوا هذه العبارة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾، كلمة تواتر عليها الأنبياء، قالها نوح، قالها هود، قالها صالح، وغيرهم. وش عيب يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره؟ هكذا كانت دعوة الأنبياء، وهكذا عيسى ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، هذا هو التوحيد: إفراد الله عز وجل بالعبادة. ونبينا صلوات ربي والسلام عليه جعلها مدوية، ليست فقط في قومه، ولسائر الناس من العرب ولغيرهم من الأديان، قال: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَنْ لَا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾، إفراد الله بالعبادة، إفراد الله بالعبودية، هذه زبدة دعوة الرسل جميعًا، إفراد الله. قالها الله لجميع الخلق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾. ومن باب الفائدة، هذه الآية يقول العلماء أنها أول أمر سيصادف المسلم إذا قرأ القرآن، ابدأ بقراءة القرآن من الفاتحة، ثم ابدأ بالبقرة إلى أن تصل إلى هذه الآية، هذه الآية تعتبر أول آية أمر، أول آية أمر بماذا؟ أمر الله الخلق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فهذا الأمر إخواني في الله من الأمور العظيمة التي أرسل بها ربنا الأنبياء، وأنزل من أجلها الكتب، وخلق من أجلها الخلق. وهكذا هي أول ما يدعى له العباد، أول ما يدعى العباد إلى توحيد الألوهية. هذا معاذ بن جبل عندما أراد أن يأتي أهل اليمن، قالوا: يا نبينا، إنك تأتي قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، كما في بعض النسخ في الروايات: وفي الروايات إلى أن يعبدوا الله وحده. أول شيء، لا تذهب معهم يمنة ولا يسرة، أول شيء الخضوع لزمهم بهذا: بإفراد الله بالعبادة - بين قوسين - بتوحيد الألوهية. فهل بعد هذا أحد سينازع في هذا المقصد؟ هل أحد سيكابر؟ يقول: الله ما أعتقد بتوحيد الألوهية، يقول: دع عنك المصطلح، إذا كان في قلبك شيء من هذا المصطلح، ولا تريد أن تكون تبع لأهل السنة، فأنت وما شئت. لكن ما عدا ذلك، عساك أن تقول في هذا المعنى: هل هذا المعنى فيه إشكال؟ أن الله أراد من الخلق جميعًا أن يفردوه بالعبادة، هل في هذا شك؟ لأن من شك في هذا فقد كفر. وإذا سيأتينا الشرك الذي يدخل الناس إلى النار وبئس القرار، أنهم إذا أعرضوا عن توحيد الألوهية، فإن ذلك يدخلهم إلى الشرك. لأن العبد إما أن يكون موحدًا لله قلبًا وقالبًا، وإلا أن يوحد الله، فحين يقع في براثن الشرك. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما توحيد الإلهية؟ قال: هو إفراد الله عز وجل بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولًا وعملاً. فكل ما يسمى عبادة، عبادة قولية: من ذكر، من تسبيح، من نذر، أي عبادة قولية، دعاء، استغاثة، أو عبادة فعلية: من صلاة، من طواف، من ذبح، أو عبادة مالية: من نفقة، من قربة، من بذل، من عطاء، أو عبادة ظاهرة كما سمعت، أو عبادة باطنة في القلب: الخوف والخشية والخشوع والإنابة والتوكل. كل ما يدخل فيه مسمى العبادة، هذا يكون حظه كله لله، كله لله. إذا فعلت ذلك، فأنت الموحد الذي وحدت الله توحيدًا إلهيًا وتوحيدًا ألوهيًا، وهو توحيد القصد والإرادة والطلب. قال رحمه الله تعالى: ونفي العبادة عن كل ما سوى الله تعالى كائنًا من كان، تنفي العبادات عن غير الله، ما أحد هناك أحد يزاحم الله هذا حق خالص لله، لا ينازعه في ذلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل. حتى محمد بن عبد الله، حتى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يعبد لا، ما يعبد، ما يعبد. وقد مرت تلك عبارة بعض الغلاة الجهلة يقول: أنا أعبد الله، أعبد محمدًا. ومن يعبد محمدًا ما يجوز هذا، كفر، شرك. محمد بن عبد الله هو النبي الأمي صلوات ربي وسلامه عليه، له مقام النبوة، مقام النبوة. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾، فواحد جل وعلا واحد في ماذا؟ واحد في التعبد له، فلا يعبد سوى الله جل وعلا، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، فضلاً أن يأتي من يأتي ويجعل مع الله شركاء من أصنام، من أوثان، من أحياء، من أموات، من أولياء، من أقطاب. وسيأتي هؤلاء. ونفي العبادة عن كل ما سوى الله كائنًا من كان، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقضى قضاء شرعيًا، بمعنى أمر الله هذا أمره جل وعلا. ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، لا تعبد أحدًا سوى الله. وهذا هو توحيد الألوهية، أنك تفرد الله جل وعلا بأنواع العبادات. قال: وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، اعبدوا الله، أمر، أمرك الله عز وجل أن تقصده بالعبادة، فتمتلئ القلوب بمحبته وإجلاله وإعظامه، وأن تكون هذه القلوب متعلقة متألهة بالله، متعبدة لله، لأن الله هو الذي يؤله، بمعنى هو الذي يعبد لا سوى، لا سوى. وسيأتي معنى من أنواع العبادات التي لربما يقع فيها الناس في الشرك وهم لا يشعرون، لعموم الجهل بهذا المقام مع وضوحه، مع وضوح هذا المقام الذي لربما الناس إذا سمعوا مثل هذا الكلام هزوا رؤوسهم وقالوا: نعم، هذا التوحيد، لا سوى. لكن إذا ذهبت إلى واقع الناس تجد براثن الشرك، تجد معالم الجاهلية، تجد الزيارات الشركية، تجد الطلاسم، تجد السحر والشرك، تجد كذلك التنديد والاستنجاد والاستغاثة بغير الله، ترى الطواف والذبح لغير الله، تجد كذلك التعلق، الخوف من غير الله: الخوف من الجن، الخوف من البشر، التوكل على غير الله، التوكل على البشر في قضاء الحوائج، تعلق القلب. هذا شرك، هذا أشكال شركية شعر الناس بها أو لم يشعروا، كل هذه العبادات والأعمال ينبغي أن يكون تعلق العباد بها في الله وحده جل في علاه. وسأتي هذا كما قلنا في باب الشرك الذي سيعقده المؤلف رحمه الله تعالى بعد هذا الباب، لكي يبين أن التوحيد يقوم على أمرين اثنين: على صرف طاعات لله، ونفيها عما سوى الله. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾، وقال تعالى: وغير ذلك من الآيات. وهذا قد وفت به شهادة أن لا إله إلا الله، أي تجد أن هذا التوحيد هو توحيد الألوهية، هو بعينه شهادة أن لا إله إلا الله، هو هو هو بنفسه. لهذا إخواني في الله، فالذي لا يأتي بتوحيد الألوهية هو بالحقيقة ما أتى بالشهادة، الذي لا يأتي بتوحيد الألوهية هو في الحقيقة ما أتى بشهادة أن لا إله إلا الله. ما معنى شهادة أن لا إله إلا الله؟ قد مر هذا، معنى ليس كما يدعيه الجهل بأنه لا خالق إلا الله، غلط، أو لا رازق إلا الله، هذا خطأ. أو يقول: هو المستغني عما سواه المفتقر إليه كل من عدا هذا باطل. إذا ما معنى لا أشهد أن لا إله إلا الله؟ أي لا معبود بحق إلا الله، شهادة أن لا إله إلا الله ترجع العبودية، لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله. فالشهادة تلزمك بأن تتوجه بالعبادة، وهذا هو المغنى، وهذا هو المقصد موجود في توحيد الألوهية، وأن تفرد الله عز وجل بالعبادة. ولهذا قال مؤلف كتاب التوحيد رحمه الله تعالى: وهذا قد وفت به شهادة أن لا إله إلا الله. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.