شرح أعلام السنة المنشورة  22

شرح أعلام السنة المنشورة 22

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

أدلة اشتراط المحبة من القرآن الكريم

يتناول هذا الفصل شرط المحبة في تحقيق كلمة لا إله إلا الله، ويستدل على ذلك من القرآن الكريم. يبين أن المحبة لله يجب أن تكون خالصة ولا تساويها محبة أخرى.

مقتضيات ومظاهر محبة لا إله إلا الله

يشرح هذا الفصل مقتضيات محبة لا إله إلا الله، حيث تستلزم محبة ما يحبه الله والكره لما يكرهه. يبين أن المقياس الحقيقي للمحبة هو العمل بمقتضاها واتباع أوامر الله واجتناب نواهيه.

أهمية محبة الله ورسوله في تحقيق الإيمان

يتناول هذا الفصل أهمية محبة الله ورسوله في الإيمان، ويبين أن الكره للأعمال الصالحة يحبط الأعمال. يشير إلى أن فعل المعصية لا ينفي الإيمان إذا كان القلب يحمل بغضاً لها وتخوفاً من عقاب الله.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله ونحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما دليل اشتراط المحبة من الكتاب والسنة؟ هذا السؤال إنما طرح على ضوء ما قرره العلماء من أن من شروط لا إله إلا الله المحبة؛ المحبة لهذه الكلمة، فلا ينتفع قائلها ولا فضلها إلا إذا اتصف بصفة المحبة. والمحبة تفسر بعدة تفسيرات، منها المودة والرغبة، فالمقصود من شروط لا إله إلا الله المحبة هي محبة هذه الكلمة، وكذلك محبة مقتضاها. فمحبة لا إله إلا الله بمعنى المودة والرغبة ل لا إله إلا الله، ويدخل في ذلك الإجلال، ويدخل في ذلك الإعظام، فمتى كان العبد يقول لا إله إلا الله معظماً لها، مبجلاً لها، مجلاً لها، محباً لها، حينها اتصف بصفة المحبة، وهذا لا بد منه. ولهذا سيذكر المؤلف رحمه الله تعالى الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على هذه الشرطية. فقال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، إن كفرتم فإن الله عز وجل سيأتي بأهل الإيمان الخلص، ومن أعظم صفاتهم صفة المحبة، أنهم يحبون الله كما أن الله جل في علاه قد أحبهم سبحانه وتعالى، فكونهم يحبون الله فهذا من شرط أهل الإيمان الاتصاف بصفة المحبة؛ محبة الله إجلالاً وإعظاماً جل في علاه. وأيضا كذلك من الأدلة ما ذكره ربنا عز وجل في قوله سبحانه وتعالى ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، في هذه الآية على أحد التفاسير أن من فعل أهل الكفر أنهم اتخذوا أندادا يحبونهم كحب الله، أي يتخذ أصناما أو ثانا أندادا يحبهم ويحب الله، فجعل المحبة بالمشاركة بالسوية، هذا على أحد التفاسير جعلها بالمساواة؛ يحب هؤلاء ويحب الله محبة كما يحب الله يحب الأصنام، فجعلها ندا لله. لكن هل هذه المحبة نافعة لهم؟ ما نفعتهم، لماذا؟ لأنهم ساووا محبة الله بخلقه، ولا هناك محبة ومحبة الله ينبغي أن تكون محبة لا يقاربها شيء أبدا، ما هناك محبة توازي ولا تداني ولا تساوي محبة الله سبحانه وتعالى. ومن هنا بيّن ربنا عز وجل ما الذي ينبغي في باب المحبة، قال: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، أشد حبا لله؛ الكفر ساوى، جعلوا ما لله من المحبة جعلوها لشركائهم، لأندادهم، لأوثانهم، هذا ما خلصهم من الشرك، بل المؤمن محبة زائدة، ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾، فدل ذلك إخواني في الله على ضرورة المحبة لله سبحانه وتعالى إجلالا وإعظاما. وهكذا في قوله تعالى ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾، فدل ذلك إذا جعلت محبة الله توازي أي محبة من هذه المحبوبات من متاع الدنيا، ساويت محبة الله بمحبة خلقه من زوجه من ولد من والد، اعلم أنك متوعد يا عبد الله بوعيد الله، ﴿فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾، فمحبة الله هي المحبة الخالصة التي لا تدانيها أي محبة، فهذا الذي إخواني في الله ينبغي أن يكون لله سبحانه وتعالى. وما عكس المحبة عكس المحبة الكره، عكسها الكره، ولهذا يقول العلماء: من شروط لا إله إلا الله المحبة المنافية للكره، أو يقولون: المحبة المنافية للبغض والكره والبغض على حد سواء؛ لأن البغض هو أشد الكراهية، البغض هو أشد الكراهية. فالمؤمن هو الذي يحب هذه الكلمة، أما إذا عثر على أن شخصا ما يكره هذه الكلمة يكره لا إله إلا الله، فهي لا تنفعه كما قال ربنا عز وجل مبينا حال أهل الكفر: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾، هذا حال الكفرة إذا ذكروا بتوحيد الله، وإذا ذكر الله وحده لا إله إلا الله، ما الذي كان من أمرهم؟ الإشمأزاز. والإشمأزاز كما قال إمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: قال «أن يكرهون ذلك أشد الكراهية»، الكره، الكره، يكرهون هذا، يكرهون هذه الكلمة ويكرهون من يذكرهم بها، ﴿اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون﴾؛ الفرح والمحبة والسرور إذا ذكر الأنداد والأصنام والأوثان ومن كان سوى الله سبحانه وتعالى، هذا صنيع الكفرة الذي أوقعهم في الكفر والشرك هو الكره ل لا إله إلا الله، فاحذر يا عبد الله أن تتصف بهذا الوصف. قد يقول قائل: أ يوجد هذا؟ نعم يوجد، يوجد من الناس من لربما يجعل هذا في طرف لسانه، من إذا ذكر ب لا إله إلا الله لربما شمأز، لربما شمأز، لربما ضاق صدره، وجد حرجا في نفسه، لكن إذا ذكر الأولياء وذكر الأقطاب إذا هو يستبشر بهم، يستبشر بهم وبهتافهم وبأسمائهم. واعلموا عباد الله أنه كذلك إذا قلنا: المحبة ل لا إله إلا الله، من لوازمها كذلك المحبة لمقتضاها، فإن من تمام محبة الله عز وجل المحبة لكل ما يحبه الله والكره لما يكره الله، هذا الأصل. فإذا كنت يا عبد الله لأن المحبة إخواني في الله أمر باطني، والناس كثيرا ما يدعون أنه قد أحب الله، أنت لو جمعت الأمة المحمدية بملايينها وبلايينها وقلت: من ذا الذي يحب الله؟ له الكل رفع يده، الكل، لكن أهذا المقياس؟ صعب، فما هو المقياس في معرفة المحبة؟ العمل المقتضى، القيام بلوازم هذه المحبة. فقال علماء: من ضوابط ومن تمام محبة الله أن تحب ما يحبه الله وأن تبغض ما يبغضه الله سبحانه وتعالى. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبينا هذا المقام: قال رحمه الله تعالى: «فأصل العبادة محبة الله»، كما مر، هذا أصل العبادة، بل هي من شروط لا إله إلا الله محبة الله، قال: «فأصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، إفراد الله بالمحبة المحبة الكبرى الكبرى والكملة والعظمى ما تكون إلا لله، بل ما سمي الإله إلاها إلا لأنه يتأله بمعنى يتعبد، المعبد مع العبادة مع المحبة»، ذكر هذا أهل اللغة: «فلان تأله أي بمعنى تعبدا»، يضاف مع التعبد المحبة، فربنا هو المألوه هو المعبود الذي يعبد مع المحبة والإجلال والإعظام، فلا تكون هذه المحبة إلا له سبحانه وتعالى خالصة له، لا أحد ينازعه ولا يزاحمه عليها. فقال رحمه الله تعالى: «فأصل العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه، وأن يحب إلا لأجله وفيه»، قال: «فإذا كانت المحبة له هي حقيقة عبوديته وسرها، فهي إنما تتحقق باتباع أمره واجتناب نهيه»، هذا المقتضى، هذا المقتضى الذي يظهر إذا كنت يا عبد الله تدعي محبة الله عز وجل، يظهر هذا في أفعالك وفي أعمالك وفي عبوديتك لله. فإن كنت مطيعا، إن كنت مستقيما، مستجيبا لأوامر الله، فاعلم أنك يا عبد الله محب لله، أما إذا كنت على كره لما أنزل الله، فاعلم أن هذا حال أهل النفاق، قال ربنا عز وجل: ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما نزل الله فأحبط أعمالهم﴾، كرهوا، عندهم كره لما ينزل، قد عندهم محبة لله، لكن يكرهون هذه التشاريع والتشريعات التي أنزلها الله لعباده من فرائض ومن واجبات ومن نواهي، بعض المسلمين ممن عنده لوثة نفاقية، لو ربما يتبرم ذرعا من الأعمال الصالحة، يرى أنها كلفة، يرى أنها مشقة، وكان هذا من فعل أهل النفاق أنهم لو ربما يأتون بالعبادات وهم كارهون، وهم كارهون. فهل تنفعهم؟ لا، ما تنفعهم، ما تنفعهم هذه التأدية للعبادات؛ لأن الكره والبغض أمر باطني، فإذا ما وقع في قلبك فإن الأعمال تحبط، ولو لم يظهر هذا على لسانك، فلو أنها رجلا مثلا كاره للصلاة، كاره لها ولحكمها ولتشريعها، فمتى ما صلى، وكل ما صلى فإن أعماله ترجع على وجهه، ما ينفعه إذا كان هذا البغض في قلبك، ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما نزل الله فأحبط أعمالهم﴾، عندهم أعمال، فأحبط أعمالهم، دل على أنهم يعملون، لكن الكره في قلوبهم كان مؤداه أن أحبط الله هذه الأعمال الظاهرة، فالكره أمر باطني. فتفقد يا عبد الله قلبك ونيتك، واعلم أن ما أنزله الله عليك من دين إنما ذلك فيه خير الدنيا والآخرة، وفيه راحة النفس وانشراح القلب. وقد بيّن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كلام بديع متين ما يتعلق بفعل الأوامر وترك النواهي، وبيّن أن الذي يفعل المعصية لا بد إذا وقع فيها لا بد أنه يعتقد أنه مبغض لها. مثل الرجل وقع في فعل فاحشة، مثل فعل الزنا، أكل الربا، شرب الخمر، ابتلي بهذا، فهذا الذي وقع في هذه الجريمة، وإن فعلها لغلبة شهوته، ينبغي أنه في قرارة نفسه أنه مبغض لها، لا بد يعتقد هذا، أنه مبغض لهذه الفاحشة، وأنه مع وقوعه في هذه الفاحشة يتخوف من عقاب الله، يتخوف من عقاب الله، وكذلك مع فعله للفاحشة يرجو رحمة الله، وأن يسأل الله أن الله يتوب عليه، وأن الله يتغمده برحمته، وأن الله ينظر إليه بنظرة الرحمة والشفقة. بمعنى هذا الكلام: فبين شيخ الإسلام أن هذا لا بد منه، لا بد حتى تدخل في محبة ما يحبه الله وكره ما يكرهه الله. فلو فعلت معصية، فلا بد أن هذه المعاني في قلبك، وهو أنك تفعل معصية لغلبة الشهوة، فإن فعلتها تكون مبغضا لها، وأنك كذلك تتخوف من وعيد الله، وإن الله يعاقبك عليها في الدنيا والآخرة، وأنك كذلك ترجو رحمة الله مع فعلك للمعصية. فإن لم تفعل ذلك، قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينا الذي يفعل النواهي: قال: «وإلا، وإلا فإن لم يبغضها» -أي يفعل المعاصي والنواهي وما عنده بغض لها- قال: «وإن لم يبغضها ولم يخف الله فيها ولم يرجو رحمته، فهذا لا يكون مؤمنا بحال، بل وكافر أو منافق، كافر أو منافق». أما تدخل في معصية، هي معصية، معصية هي مما حرمها الله، شيء أبغضه الله، لا بد أنك تبغضه، لكن لربما تزل بك الأقدام فتقع في معصية، لكن كونك تقع في معصية لا تتزحزح عن هذه العقيدة، وهو أنك تبغض ما أبغضه الله، فتقع في المعصية لقلة علم، لغلبة شهوة، لكن يبقى في نفسك هذه المعاني أنها وإن فعلت هذه معصية فهي أمر بغيض عند الله، وأن الله ما يحبه، تعتقد هذا، لا ينفك الاعتقاد هذا عنك. ومع ذلك كذلك تتخوف من أن الله قد يعاقبك عليها، فلازلت تتخوف من عقاب الله وتسأل الله اللطف والعافية، وأيضا كذلك ترجو رحمة الله أن الله يمن عليك بتوبة، إذا هذه المعاني وجلت، كان هذا من صفات أهل إيمان، ولو كنت عاصيا، لكن إذا انتفت هذه المعاني، ما عندك بغض، وما عندك تخوف من عقاب الله، ولا ترجو رحمة الله، قال شيخ الإسلام: لا يكون هذا مؤمنا بحال، إما كافر أو منافق، إما كافر أو منافق. فهذه الآيات إخواني في الله فيها دلالة على أن المحبة؛ محبة الله شرط من شروط لا إله إلا الله. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار»، وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أنس. وكذلك أن من أعظم مقامات الدين محبة الله ومحبة رسوله، وأن لا يكون هناك شيء يوازي هذه المحبة العظمى، فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا الشرط المهم، وهو الشرط السابع من شروط لا إله إلا الله؛ المحبة لهذه الكلمة وعدم الكره لها، ومحبتها يترتب على ذلك محبة ما يحبه الله وكره ما يكره الله، وأيضا من ذلك محبة دينه وشرعه وما أنزله ربنا جل في علاه. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.