شرح العقيدة الواسطية للهراس 62

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 62، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أنواع الحساب يوم القيامة ومصير أعمال الكفار

يبيّن المحور الفرق بين الحساب اليسير الذي يكون عرضاً وستراً للمؤمن فيغفر الله له، والحساب العسير الذي يكون مناقشة تؤدي للعذاب. كما يوضح أن الكفار يجازون بحسناتهم في الدنيا فينالون لذاتها وثناء الناس، فلا يبقى لهم حسنة في الآخرة تخفف عنهم عذاب الكفر بل تتفاوت درجات عذابهم في النار وفق كفرهم ومعاصيهم.

أوصاف الحوض النبوي وأحكام الورود والذود عنه

يستعرض المحور أدلة وجود الحوض النبوي يوم القيامة وأوصافه الثابتة في السنة المتواترة، مع ذكر خلاف العلماء في إثبات أحواض لسائر الأنبياء. ثم يفصل في أحكام الورود عليه مبيناً أن المسلمين يردونه بينما يذاد عنه المرتدون وأهل البدع كالروافض والخوارج مستدلاً بأحاديث النبذ والتغيير.

وصف الصراط ومرور الخلق عليه ومعناه اللغوي والانتقال للشفاعة

يصف المحور الصراط بأنه جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر، ويمر الناس عليه بحسب أعمالهم فمنهم الناجي والمخدوش والهالك. ويشرح المعنى اللغوي للصراط المشتق من الصرط أي الابتلاع، مشيراً إلى تأجيل مباحثه التفصيلية كعدده ومكانه للدرس القادم على أن يليه بحث الشفاعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا الموضع في سياق ذكره لما يكون يوم القيامة، فذكر مما يكون يوم القيامة ما يتعلق بالإيمان باليوم الآخر، كذلك الحساب، حساب الله جل وعلا للخلائق، وتقرير الكفار بذنوبهم، وهكذا تقرير المؤمن وستره عليه كما ستر عليه في الدنيا، لأن هذا الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة. ذكر الشيخ الهراس رحمه الله قالوا: أما قوله: «ويحاسب الله الخلائق» إلى آخره، فمراد تلك المحاسبة تذكيرهم وإنباؤهم بما قدموا، أي أن الله جل وعلا يذكر عباده بما عملوا في الدنيا، أحصاه الله ونسوه، فالله جل وعلا أحصى أعمال العباد، والعباد نسوا تلك الأعمال، فيذكرهم الله جل وعلا بما أحصاه عليهم من الأعمال التي نسوها، فيذكرهم بذلك وينبئهم بها بما قدموا من خير وشر، أحصاه الله ونسوه. وذكر هنا حديث عائشة الصحيح، وفي الصحيحين كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نوقش الحساب عذب». هذا ذكره للدلالة على الحساب يوم القيامة، كما دلت على ذلك آيات القرآن، قال جل وعلا: ﴿ فسوف يحاسب حسابا يسيرا ﴾، فهذا يدل على أن الله جل وعلا يحاسب الخلائق يوم القيامة، منهم من يحاسبه حسابا يسيرا، ومنهم من يحاسبه حسابا عسيرا. ومنهم من يحاسبه حسابا يسيرا وهو العرض، تعرض عليه الأعمال التي عاملها في الدنيا، فيها المخالفة لشرع الله جل وعلا، وسترها الله جل وعلا عليه في الدنيا، فيقرره بها ويعترف بها العبد، فيسترها الله جل وعلا عليه يوم القيامة، هذا هو الحساب اليسير، هذا هو الحساب اليسير الذي هو العرض. وأما الحساب الذي معه مناقشة فليس بحساب يسير، ليس بحساب يسير لأنه معه مناقشة، تدقيق في الحساب، ومن نوقش الحساب هلك وعذب، لأن ما من أحد يوم القيامة يحاسبه الله جل وعلا حساب مناقشة إلا معناه أنه سيهلك، وأما من سينجو فهو الذي لا يحاسبه الله حساب مناقشة، وإنما يحاسبه حسابا يسيرا وهو عرض الأعمال عليه، تقريره بها، ثم يعفو عنه، يسره عليه كما ستره في الدنيا، كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام وذلك في حديث عائشة، لما قال: «من نوقش الحساب عذب»، قال رسول الله جل وعلا يقول: ﴿ فسوف يحاسب حسابا يسيرا ﴾، يعني كيف يعذبه حساب يسير والحساب عذاب؟ فبين النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد بالحساب اليسير العرض، وأما المناقشة في الحساب فمن نوقش الحساب عذب، وهذا حساب عسير، ليس هو الحساب اليسير، لذلك قال لها: «إنما ذلك العرض، ولكن من نوقش الحساب يهلك»، في لفظ: «عذب». طيب، وأما قوله: «ويدني عبده المؤمن» فقد ورد عن ابن عمر رضي الله عنه: «إن الله عز وجل يدني منه عبده المؤمن، فيضع عليه كنفه»، المراد بالكنف: الجانب، الجانب، وذلك عند بعض العلماء من صفات الله جل وعلا، الكنف، استدلال بهذا الحديث، حديث ابن عمر في الصحيح، الله أعلم بالكيفية، وهناك عندنا الكنيف بمعنى الساتر، وذلك يقال للموضع موبوء الخلاء كنيف لأنه يستر الشخص في ذلك المكان فلا يراه أحد، فيضع عليه كنفه، ويحاسبه ما بينه وبينه، ويقر بذنوبه، فيقول: «ألم تفعل كذا يوم كذا؟ ألم تفعل كذا يوم كذا؟» حتى إذا قرره بذنوبه أيقن أنه قد هلك، قال له: «سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم». طيب، وهذا نوع حساب، وهكذا أخف من هذا الحساب اليسير الذي إنما هو عرض أعمال فقط، عرض أعمال فقط على العبد، لأن الحساب على أنواع، من أنواع المحاسبة: محاسبة المؤمن بعرض أعماله عليه فيراها، ومنهم من تعرض أعماله عليه فيقر بها ويعترف بها، ومنهم من يناقش الحساب، والذي يناقش الحساب يهلك ويعدم. وأما المحاسبة للكفار فمعنى المحاسبة منها ما هي بمعنى إحصاء الأعمال، إحصاء أعمال الكفار والاطلاع عليها وكتابتها، فهذا محاسبة، هذا شاملة المؤمن والكافر، فالله جل وعلا مطلع عليها وأحصاها، أحصى أعمال العباد، فهذا هو نوع من معاني المحاسبة، بمعنى الاطلاع والإحصاء والتقرير على هذه الأعمال، فالمؤمن يقرر والكافر يقرر، هذا لا خلاف فيه في هذا المعنى من معاني المحاسبة. لكن الخلاف في محاسبة الكافر، محاسبة الكافر هل يحاسب بمعنى توضع حسناته في كفة وسيئاته في كفة أم لا؟ فمن العلماء من يقول: لا، الكافر لا حسنات له حتى توضع في كفة مع سيئاته، من الكفر وغير ذلك. ومن العلماء من يقول: بل الكافر ربما له حسنات عملها في الدنيا، كإكرام ضيوف، وبر والديه، أو إعانة مسكين، أو رحمة بحيوان، أو غير ذلك من هذه الأمور التي هي من الطاعات، فتوضع في كفة الحسنات، توضع في كفة الحسنات مع أنها لا تساوي شيئا لا شك، لكن توضع مع ذلك لأن سيئة الكفر لا ينفع معها طاعة، الكفر محبط للأعمال، لكن مع هذا توضع هذه الحسنة التي عملها الكافر. ومن العلماء من يقول: إنما الكافر يجازى بهذه الحسنات والطاعات التي عملها في الدنيا بأن يطعم بها في الدنيا، ويعطيه الله جل وعلا من هذه الدنيا مقابل ما يعمل من الحسنات التي يفعلها، وقد جاء في هذا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أن له بكل حسنة عملها في الدنيا طعمة في هذه الدنيا يجازيه الله جل وعلا بها»، ولعل هذا أقرب، والله أعلم، وهذا الذي قرره شيخ الإسلام هنا حيث قال: «فإن الكافر لا حسنة له حتى توزن»، والمثلة محتملة، ولا يترتب عليها كبير فائدة بالعلم هل توزن حسنة الكافر مع كفره وسيئاته أو لا، ولكن والله أعلم أن الأدلة تدل على هذا، ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن أنس: «فإن الكافر إذا عمل الحسنة جوزي بها في الدنيا»، جوزي بها في الدنيا، فالجزاء الكافر يكون في الدنيا، فإذا جوزي على تلك الحسنة ما بقيت له حسنة، ما بقيت له حسنة، يخرج من الدنيا وقد جوزي على حسناته، قد جوزي على حسناته، لا تبقى له حسنات، كل حسنة قد جوزي بها. نعم، وكما ذكر هنا الشيخ الهراس رحمه الله تعالى: «إنما يأتون يوم القيامة صحبة حسناتهم بيضاء لا حسنات فيها»، نعم، الطيبات التي في الدنيا ﴿ أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا ﴾، فالطيبات التي يتنعم بها الكفار في الدنيا نعم جزاء من الله جل وعلا لحسناتهم التي عملوها، بل من الكفار من يتنعم وربما لا يعمل حسنات، نعم لكن هذا حكمة الله جل وعلا، ﴿ من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوفي إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ﴾، وأرادوا الدنيا ومعها لوفى الله جل وعلاهم ذلك، ومن الناس من يريد الدنيا من الكفار ولا يتحصل على الدنيا، لا دنيا ولا آخرة، فمن الكفار لا دنيا ولا آخرة، ومن الكفار دنيا ولا آخرة، كما يقولون: كفقير النصارى، يضربون مثل بهذا بفقير النصارى، يقول: أنت مثل فقير النصارى، لا دنيا ولا آخرة، نعم، بخلاف تاجر النصارى معه دنيا ولا آخرة، نعم. طيب، ذكر هنا الشيخ الهراس رحمه الله تعالى هذا في كلامه على ما ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، طيب، قال: «وما قيل إنه لا حسنة لهم» يعني الكفار، لقوله تعالى: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل جعلناه هباء منثورا ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿ مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ﴾، هذا يدل على أن الكافر لا حسنات له حتى تكون في الميزان. طيب، وقيل: وهذا صيغة تضعيف، هناك قول، وذلك قال: «وقيل» إشارة إلى تضعيف هذا القول، يخفف بها عنه من عذاب غير الكفر، يعني أن هذه الحسنات التي عملها في الدنيا الكافر يخفف عنه العذاب بها من غير الكفر، يعني من الأعمال الأخرى التي فعلها من الكبائر وغير ذلك، فيخفف عنه لا بسبب الكفر، لا من الكفر، لا يخفف له عذاب الكفر، طيب، الكفر يعذب عليه ولا لا؟ ها، يعذب على كفره ولا لا؟ هل يخفف عنه عذاب الكفر بالأعمال؟ لا، وإنما إذا خفف عنه العذاب ليس عن عذاب الكفر، وإنما عن غير الكفر، تمام، عن غير الكفر، كالفواحش مثلا، فعلى الزنا، شرب الخمر، وسرق، إلى آخر ذلك، فالحسنات هذه تخفف عنه عذاب تلك السيئات من غير سيئة الكفر، واضح هذا؟ هذا قول، لكن قال: «وقيل» وهذا لا شك ضعيف لأنه مخالف لنصوص الشرع ولإجماع من أن الكافر لا يخفف عنه العذاب، لا يخفف عنه العذاب، والأعمال التي عملها في الدنيا لا تخفف عنه العذاب، وإنما أعماله التي عملها في الدنيا يجازى بها في الدنيا، لا يخفف عنه العذاب، نعم، لا شك الكفار في جهنم في مواضع، ليسوا كلهم سواء، هناك كافر، نعم، كافر وزاني وسارق وشارب خمر، كله عنده كافر وزاني وسارق وشارب خمر وكذاب، نعم، وقاتل أنفس، وآخر كافر لكن غير زاني، لا يشرب الخمر، نعم، ولا يكذب، وربما تصدق، وربما بر، وربما رحم، هل هما سواء؟ لا، ليسوا سواء، كلهم في النار، نعم، في جهنم، لكن جهنم دركات، أسفل دركات جهنم فيها المنافقون، شرار الناس كفرة، ثم الناس على دركات بحسب كفرهم وشدة كفرهم، فهناك ناس مع فرعون وقارون وهامان، ولا، لا، قريب من هؤلاء لعظيم كفرهم، وهناك مع كفار غيرهم، وهناك مع أهون أهل النار عذابا، نعم، مع أبي طالب وغيره ممن هم أهون أهل النار، أهون أهل النار عذابا، فالتفاوت كالتفاوت في الجنة، في درجات الجنة، كذلك التفاوت في دركات جهنم، التفاوت في درجات الجنة مثله التفاوت في دركات جهنم. والكفار في الدنيا مطالبون بالأعمال، مطالبون بالأعمال، وإن كانت هذه الأعمال إذا عملوها لا تنفعهم ما داموا على الشرك، ومع هذا يعاقبون، ومع هذا يعاقبون، قال جل وعلا: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾، الذين لا يؤتون الزكاة، توعد الكافرين، ثم قال: ﴿ الذين لا يؤتون الزكاة ﴾، نسيت الآية، فيها توعد الرب جل وعلا الكفار، ومن ذلك أنهم تركوا الزكاة، طيب، فهو ﴿ فويل للذين كفروا * الذين لا يؤتون الزكاة ﴾، مع أنهم إذا أدوا الزكاة لا تقبل منهم، الزكاة لا تقبل، الكافر الآن كافر مثلا لم يأت بالشهادتين، لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأخرج زكاة ماله، ما تنفعه الزكاة ولا تقبل منه، مع أنه إذا تركها عوقب عليها، انظر: إذا أخرجها لا تنفعه، نعم، الشرك أحبط الأعمال، وإذا تركها عوقب، عوقب عليها، طيب. ولعل عندكم في التعليق المراد بالحساب وأنه على ثلاثة أمور، وهذه خلاصتها، ومنهم من يقول: يراد بالحساب أن الله هو الذي يكلمهم كلام توبيخ وتقريع إلى آخر ذلك، وهذا قد أشار إليه شيخ الإسلام وغيره من أهل العلم، طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذا، نعم. طيب، وقت ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضع لما يكون يوم القيامة الحوض، في عرصات يوم القيامة، والحوض أدلته متواترة كما ذكر الشيخ الهراس رحمه الله، رواها من الصحابة بضع وثلاثون، قد ذكرت من ضمن الأحاديث المتواترة، مما تواتر: حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا، واحتسب، ورؤية، شفاعة، والحوض، ومسح الخفين، هذه بعض، فأحد الحوض أحاديث متواترة، رواها جمع كثير من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. والحوض لغة هو مجمع الماء، مجمع الماء يقال له حوض، مكان يجتمع فيه الماء، والمراد به في الشرع هو الحوض الذي أكرم الله جل وعلا به نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، هذا هو الحوض. ذكر هنا شارح الهراس رحمه الله تعالى أنه ورد أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام في أن لكل نبي حوضة، ومن العلماء من حسن هذه الأحاديث، ومنهم من ضعفها، قد جاء هذا عند الترمذي وغيره من رواية الحسن عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لكل نبي حوضة، ولكني أكثرهم واردا»، يعني أكثر الأنبياء ورودا من يرد حوضي، والحسن رواية الحسن عن ثوبان متكلم فيها، لأن بعض العلماء لم يثبت للحسن رواية عن ثوبان إلا حديث العقيقة، ومنهم من زاد بعض الأحاديث وليس هذا منها، وظهر بعض العلماء من حسن الحديث لأنه جاء من طرق، فعلى القول بتحسين الحديث تكون الأحواض للأنبياء ليست كحوض النبي عليه الصلاة والسلام من حيث وصفها، وكذلك من حيث وصفها وسعتها وورود من يرد، وإلى آخر ذلك. طيب، وأشار الشيخ الهراس رحمه الله تعالى لهذا، وترك ما يتعلق بالحوض من مباحث اختصارا، وإلا فالحوض تتعلق به مباحث، أول من حيث الأدلة، الحوض، منها من يقول دليل الحوض في القرآن، ومن يقول إنما أدلة الحوض في السنة، فمن يقول دليل الحوض في القرآن يستدل بقوله جل وعلا: ﴿ إن أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر ﴾، لأن الكوثر فسره النبي عليه الصلاة والسلام بالنهر في الجنة، نهر أعطانيه الله في الجنة، يصب منه ميزابان إلى الحوض، من النهر الذي في الكوثر، من الكوثر الذي في الجنة، وأما في السنة فلأحاديث متواترة كما سمعتم. والحوض قد وصفه النبي عليه السلام، قال: «إني لأنظر إلى حوضي الآن»، وقال: «ما بين بيتي ومنبري حوض»، ما بين بيتي ومنبري، وذكر النبي عليه السلام أوصاف الحوض: «أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأطيب من ريح المسك، وزواياه سواء»، يدل على أنه مربع كما قال بعض العلماء، وكذلك جاء عن النبي عليه السلام أنه قال: «ما بين المدينة وصنعاء»، ومنها: «ما بين أيلة بلاد الشام إلى صنعاء»، وجاء بعض الحديث: «كما سرت كذا وكذا»، فهذا يدل على أن مساحة الحوض مساحة عظيمة، ومن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، ويرد الحوض أهل الإسلام المسلمون، أما الكفار فيذادون عن الحوض، ومن ارتد، وخلاف أهل البدع غير الكفر، أهل البدع يعني الذين لم يكفروا وابتدعوا، هل يذادون على الحوض أم لا؟ فمن العلماء من قال: إنما الذي يذاد هم أهل الردة الذين ارتدوا من الأعراب الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، لما حصلت من ردة، هذه من ارتد في عهده، بأبي بكر، هناك من ارتد عن دين الإسلام، وقامت حروب الردة، الروافض عليهم لعنة الله ما يستحقون، يجعلون الصحابة الذين ارتدوا، فيقولون: الذين يذادون على الحوض هم الصحابة، هؤلاء أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم ارتدوا، سبحان الله، أبو بكر هو الذي حارب المرتدين، أبو بكر وعمر وعثمان هم الذين حاربوا المرتدين، كيف يكون هم الذين ارتدوا وهم الذين حاربوا من جحد الزكاة وصار مرتدا والعياذ بالله؟ نعم، قاتلهم أبو بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، فالذين ارتدوا ليس أحد منهم من هؤلاء الصحابة المعروفين، إنما هم من الأعراب، نعم، وغيرهم. فمن العلماء من يقول: الذي يذاد عن الحوض أهل البدع، ومنهم من يقول: أهل الردة، ومن هؤلاء العلماء من يقول: بل حتى أهل البدع يذادون عن الحوض، استدل بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، والإحداث شامل: الإحداث بالردة، والإحداث بالبدع، كل إحداث في دين الله عز وجل، وفي الحديث يقول النبي عليه السلام: «فأقول: سحقا سحقا لمن غير وبدل»، وهكذا استدل بما جاء عن النبي عليه السلام في الحديث بطرد الروافض والخوارج من الحوض، جاء في بعض الحديث صحة، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في الصحيحة، أن الروافض والخوارج يطردون، مع أن الخوارج ليسوا بكفار على قول جماهير العلماء، الخوارج ليسوا بكفار على قول جماهير العلماء، ومع ذلك يطردون، جاء حديث: «عز وجل منهم يطردون من الحوض»، فدل كذلك على أن أهل البدع يذادون ويطردون من الحوض، لا يشربون، لا يشربون من حوض النبي عليه الصلاة والسلام. قد رجح الفوزان هذا حفظه الله، والسفاريني كذلك في شرحه لللمعة أشار إلى الذين يطردون من الحوض، وذكر منهم حتى بعض أهل الذنوب والمعاصي، لكن ليس بصواب، السفاريني توسع في الذين يطردون عن الحوض، عد منهم حتى من وقع في الذنوب والمعاصي الكبائر، والصواب لا، وإنما الأحاديث تدل على أن الذي يذاد المحدثون، المبتدعون، فالراجح الله أعلم أن أهل البدع كذلك يذادون عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، لما جاء من طرد الخوارج والروافض، والروافض كذلك منهم أهل الكفر ومنهم ليسوا بالكفر، كما حقق ذلك طائفة من أهل العلم، أما الخوارج فهم المعتزلة، ينكرون حوض النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك قال هنا الهراس رحمه الله تعالى: «فأحق أن يحال بينهم»، فأحق به أن يحال بينه وبين وروده يوم العطش الأكبر، وهم الخوارج وبعض المعتزلة لأنهم أنكروا حوض النبي عليه الصلاة والسلام. هناك رسالة للشيخ الفاضل محمد بن عبد الوهاب الوصابي رحمه الله في الحوض، رسالة نافعة، أدلة الحوض وذكر ما يتعلق بأوصافه ومن يرد ومن يذاد، رسالة طيبة في هذا، وقد مر معنا في شرح لمعة الاعتقاد ذكر المباحث في الحوض، وعلي أشرت إليها بشيء من الإجمال والاختصار، وانتهى الوقت، باقي طيب. هنا ذكر الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضا ما يتعلق بما يكون في اليوم الآخر، الصراط، وإضافة لما قيل في الحوض، فضائل أهل اليمن، نعم، أهل اليمن لهم فضائل، ومنها الشرب من الحوض، «إني لأدفع بعصايا ليشرب أهل اليمن»، اليمن، لأنهم على استقامة وعلى الطاعة، ليس من كان عنده بطاقة يمن، نعم، وإنما أهل اليمن الذين هم نصروا دين الله، فأهل اليمن نصروا دين الله عز وجل، نعم، حتى جاء في بعض الأحاديث: «إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن»، كان بعض العلماء مضاعف، هذا لكن معناه صحيح، أن أهل اليمن كانت لهم نصرة عظيمة لدين الإسلام، لهم المدد، حتى النبي عليه الصلاة والسلام حين تلا قول الله جل وعلا: ﴿ يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله لا يخافون لومة لائم ﴾، أشار عليه الصلاة والسلام إلى أبي موسى الأشعري، قال: «هذا وقومه»، هذا وقومه، أبو موسى الأشعري وغيره، طيب، ومن معه. والصراط دل عليه الكتاب والسنة، قال جل وعلا: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾، ﴿ وكان على ربك حتما مقضيا ﴾، فسر الورود هنا بالمرور على الصراط، كما جاء من ابن مسعود وجماعة من السلف، وهو الصواب، ومن السلف من فسرها بدخول النار، بدخول النار، لكن لا تؤذيهم، والصواب أن المراد بالورود المرور على الصراط، المرور على الصراط، والأدلة في السنة كثيرة على الدلالة على الصراط وكيف يكون مرور الناس. وقد أشار هنا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى ذلك، فمنهم من يمر على قدر أعماله، نعم، يمر الناس على قدر أعمالهم، منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم يمر كالبرق، ومنهم كالريح، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم من يخطف خطفا، وهكذا، والجسر عليه كلاليب، الصراط تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة، نعم، وكما قال شيخ الإسلام في اللامية: «وكذا الصراط يمد فوق جهنم فمسلم الناجي وآخر مهمل»، يعني من الناس من يسلم من هذه الكلاليب ولا تضره بشيء، ومنهم من تخدشه هذه الكلاليب لكن لا يقع في النار، إلى الجنة، ومنهم من تضره ويقع في النار، والناس يدعون يومئذ على قدر أعمالهم، والصراط مدحض مزلة، مدحض مزلة، خطير، حتى جاء في وصفه كما سمعتم: «أرق من الشعر وأحد من السيف»، كما جاء عن النبي سعيد بن سليمان، مسلم قال: «بلغني أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعر»، وهذا له حكم الرفع، هو مما لا يقال بالرأي، فمدحض مزلة. والصراط في اللغة الطريق الواسع، كما قال الشيخ الهراس، طريق الواسع، ومراده في الشرع: الجسر الذي يمد على متن جهنم يوم القيامة، وفي اللغة الطريق الواسع، كما قال جرير: «أمير المؤمنين على صراط يدع، وجه الموارد مستقيم»، على صراط، على طريق مستقيم، وهو كما يستعمل في الطريق الحسي يستعمل في الطريق المعنوي، والمراد به السير على الصراط، الطريق المستقيم، طريق الكتاب والسنة، العلم النافع والعمل الصالح، وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ونحن نقول في صلاة: «اهدنا الصراط المستقيم»، مراده الطريق المعنوي، طريق العلم النافع والعمل الصالح، غير طريق الضالين، وغير طريق المغضوب عليهم، طريق العلم النافع والعمل الصالح، والهداية والهدى الذي أرسل به النبي صلى الله عليه وسلم، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وسمي صراطا لأنه يسترط من الصرط، يبتلع السابلة، يعني من يسير عليه ومن يسير عليه يبتلعه ابتلاعا، كما نقول: نصرط، كيف الصرط؟ ها، الصراط الشيء صرطه ابتلاعه، وهكذا الصراط لأنه يبتلع، يبتلع هؤلاء. طيب، ولعله يطول الكلام في بعض مباحث تتعلق بالصراط، هل صراط أم صراطان، نعم، وهكذا متى يكون الصراط، هل قبل الحوض وبعد، وبعض المباحث الأخرى، إن شاء الله نجعلها للدرس اللاحق، نكمل ما بقي من المباحث التي نذكرها إجمالا في الصراط، ثم ننتقل إلى بحث الشفاعة إن شاء الله تعالى. صلى الله عليه وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.