شرح العقيدة الواسطية للهراس 9

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 9، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في الاعتقاد والفرقة الناجية

يبدأ الدرس بتعريف الاعتقاد بأنه حكم الذهن الجازم، ويوضح مفهوم الفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة. يشير إلى أن هذه المصطلحات تشير إلى من كان على نهج السلف الصالح.

أركان الإيمان وأهميتها

يتناول المقطع أركان الإيمان الستة وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والقدر خيره وشره، ويشدد على أهمية الإيمان بهذه الأركان بشكل صحيح.

تفاصيل الإيمان بالملائكة

يشرح المقطع تفاصيل الإيمان بالملائكة كأحد أركان الإيمان، ويوضح صفاتهم وأعمالهم كما وردت في الكتاب والسنة، ويبين أنه يجب الإيمان بما ورد عنهم والإمساك عما لم يرد.

ختام الدرس بالصلاة على النبي

يختتم الدرس بالتأكيد على أهمية الإيمان التفصيلي بعد العلم، ويتم ذلك بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشددًا على اتباع السنة النبوية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، نعم، أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. أشارك رحمه الله تعالى، والاعتقاد مصدر اعتقد كذا، إذا اتخذه عقيدة له، بمعنى عقد عليه الضمير والقلب، ودان لله به. وأصله من عقد الحبل، ثم استعمل في التصميم والاعتقاد الجازم. الفرقة، بكسر الفاء، الطائفة من الناس، ووصفها بأنها الناجية المنصورة، أخذًا من قوله عليه السلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله». ومن قوله في الحديث الآخر: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة»، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. وقوله: «أهل السنة والجماعة» بدل من الفرقة، والمراد بالسنة الطريقة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قبل ظهور البدع والمقالات. والجماعة في الأصل القوم المجتمعون، والمراد بهم هنا سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. ذكر الشارع الراحل رحمه الله عند قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أما بعد، في هذا اعتقاد الفرقة الناجية، أرفع الاعتقاد. فالاعتقاد مصدر اعتقد كذا، اعتقد يعتقد اعتقادًا. فالاعتقاد مصدر اعتقد كذا، أي إذا اتخذه عقيدة له، بمعنى عقد عليه الضمير والقلب، ودان لله به. وأصله من عقد الحبل، والعقيدة أصلها مأخوذة من العقد، وهو الربط. ثم استعملت في التصميم والاعتقاد الجازم، اعتقد يعني ربط قلبه كأنه ربط قلبه وضميره على هذا الشيء. اعتقد هذا الشيء ربط قلبه وضميره عليه، وصممه على هذا. ففيه معنى التصميم، تصميم القلب وربط القلب على هذا الشيء على هذا النحو الذي اعتقده وجزم به. والعقيدة أو الاعتقاد حكم الذهن الجازم، حكم الذهن الجازم، فإن كان موافقًا للواقع فهو حق، وإن كان مخالفًا فهو باطل. هذا الاعتقاد حكم الذهن الجازم، يعني أن يحكم الإنسان بذهنه جازمًا على شيء وأنه كذا. فإن وافق الحق فهو اعتقاد صحيح، اعتقاد المسلمين في الله جل وعلا أنه واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، هذا حكم ذهني جازم عندهم، يحكمون به في أذهانهم جزمًا، فهو حق. لأنهم وافقوا الواقع، السماء فوقنا والأرض تحتنا، نحن نجزم بذلك، نعتقد هذا، هذا حق لأنه وافق الواقع. السماء فوق والأرض تحت والنار حارة والثلج بارد إلى آخر ذلك. وإن خالف فهو باطل، اعتقاد النصارى، نعم، حكمهم الذهن الجازم بأن الله ثالث ثلاثة، النصارى يحكمون حكمًا ذهنيًا جازمًا بأن الله ثالث ثلاثة، صار هذا اعتقاد اعتقاد النصارى، لكنه مخالف للواقع، فإذا هو اعتقاد باطل. فالاعتقاد قد يكون باطلًا وقد يكون حقًا، لأنه حكم الذهن الجازم، إن وافق الواقع فهو حق، وإن خالف فهو باطل. بخلاف التوحيد، التوحيد خص من العقيدة، التوحيد لا يكون إلا حقًا. الاعتقاد الحق هو التوحيد، أما العقيدة فهي شاملة للاعتقاد الحق والاعتقاد الباطل. فكل توحيد عقيدة، وليس كل عقيدة توحيد. عقيدة النصارى ليست فيها توحيد، عقيدة القبوريين ليست فيها توحيد. فإذا كل توحيد عقيدة، لأنه ربط قلبه على ذلك، ودان لله بذلك، وحكم بذلك حكمًا ذهنيًا جازمًا، وهو موافق للواقع. والتوحيد يختص بالكلام في توحيد العبادة، هذا الغالب. قال: والتوحيد مثلًا الغالب فيه الكلام فيما يتعلق بحقوق الله جل وعلا على العباد، من إفراده بالدعاء والاستغاثة والنذر والذبح وإلى آخره، الغالب فيه الكلام في هذا. خلف العقيدة، العقيدة عامة، تتكلم عن هذا الأمر، وهو حقوق الرب جل وعلا على عباده، وتتطرق كذلك إلى بيان عقيدة المخالفين، وذلك كتب العقيدة تتطرق إلى ذكر عقيدة الروافض والخوارج والجهمية والمعتزلة والمرجئة والجبرية والقدرية وغيرهم. ذكر رحمه الله تعالى الفرقة، الفرقة بالكسر طائفة من الناس، ووصفها بأنها الناجية المنصورة، هذا ما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة». وفي الحديث الآخر: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة»، يعني ناجية. فهذا وصف بأنها منصورة وبأنها ناجية. وهذا من تعدد الأوصاف لشيء واحد، فليس معناه هناك فرقة ناجية وهناك فرقة منصورة، لا، هي نفسها. بخلاف ما ذكر بعض المخالفين في هذا، أراد أن يفرق بين الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، فقال: نحن وإن كنا لسنا من الطائفة المنصورة، لأنه يعلم أنه ليس على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المنهج والسلوك. قال: لكننا ناجون. كيف لا؟ طائفة المنصورة والفرقة الناجية وأهل الحديث وأهل الأثر والسلفيون، كلها أسماء لمسمى واحد، وهم القوم المجتمعون على الكتاب والسنة، على ما كان عليه السلف الصالح. من كان مجتمعًا على كتاب الله وعلى سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فهم السلف الصالح، فهم الفرقة الناجية، وهم الطائفة المنصورة، وهم أهل الأثر، وهم السلفيون، وهم أهل السنة والجماعة. أما من خالف فهو ليس من الطائفة المنصورة، وليس من الفرقة الناجية، وليس من أهل الأثر، وليس من السلفيين، لأنه خرج ببدعته ومخالفته التي خالف بها أصلًا من أصول السنة والجماعة أو أكثر. والحديث معروف، حديث معاوية بن أبي سفيان، وجاء عن غيره من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، حديث مشهور. وذكر رحمه الله تعالى الحديث الآخر الذي فيه وصف هذه الطائفة بالناجية: «ستفترق أمجتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلهم في النار إلا واحدة»، وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي. وهذا الحديث عند بعض أهل السنن، أبي داود والترمذي وغيرهما، بصحة العلامة الألباني والوادعي رحمهما الله وغيرهما من أهل العلم. لكن الكلام فيه: «وهي من كان على مثل ما نعليه وأصحابي»، هذا اللفظ فيه كلام، من أهل العلم من ضعف هذا، ومن أهل العلم من حكى عليه بالحسن، وأنها حسنة. أي هذه اللفظة، لكثرة الشواهد، حسنها بعض أهل العلم لشواهدها، وبعض أهل العلم ضعفها، لأنها زيادة جاءت عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، فيه ضعف. ولذلك حكم بعض أهل العلم على هذه الزيادة بالضعف، وبعض أهل العلم حسنها، لأنها جبرت بشواهد، جبرت بشواهد. وذكر: «أهل السنة والجماعة»، أهل السنة والجماعة بدل من الفرقة الناجية، لأنها كلها أسماء لمسمى واحد، طائفة منصورة، فرقة ناجية، أهل السنة والجماعة، أهل الأثر، كل لو قال: أهل السنة والجماعة، أهل الأثر، نعم. أهل الحديث، ليس نقول في هذا كله بدل، كله بدل، لأن هذه المسميات لمسمى واحد، وهم القوم المجتمعون على الكتاب والسنة، على ما كان عليه السلف الصالح. وذكر رحمه الله تعالى هنا المراد بالسنة، وهي الطريقة، هكذا في اللغة، السنة الطريقة، أي طريقة كانت، مرضية أو غير مرضية، شرعية أو غير شرعية. يقال: سنة، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة». فالسنة تطلق على الطريقة، مرضية أو لم تكن مرضية، شرعية أو غير شرعية. وقال صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، سننًا أي طرقًا. وسنن بالفتح أي طريق، مفرد سنن، سنن. وجاءت بهذه اللفظة، وهذه بهذه اللفظة. وقال: «جاء الله سنة الله»، أي طريقته في عباده وفي الخلق. قال صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السنن»، أي الطرق. فالسنة الطريقة لغة، والمراد بها هنا سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهي الطريقة التي كان عليها الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه قبل ظهور البدع والمقالات. والسنة لها اعتبارات، هي باعتبار الشيعة، يقال: سني، أي ليس بشيعي. نعم، في أول أمر لما ظهرت الروافض، ظهرت التشيع على البيت، فارقوا، لكن بعد ذلك ظهرت كذلك بدع أخرى. فهذه البدع والمقالات التي ظهرت المخالفة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، هي طرق بدعية. فصار معنى السنة أعم من كونها مقابل التشيع، فالسنة الآن تقابل ماذا؟ التشيع، والتجهم، والاعتزال، كل الفرق التي خرجت عن الجادة. السنة تقابل تلك الفرق المبتدعة، لأن المقالات تتجدد. نعم. قال: «وتظهر البدع والمقالات». والجماعة في الأصل القوم المجتمعون، جماعة قوم اجتمعوا، يقال لهم جماعة، أفراد اجتمعوا، هذا في اللغة. الجماعة لفظ يطلق على قوم مجتمعين، اجتمعوا، بغض النظر اجتمعوا على أي شيء، اجتماعهم يقال له جماعة. لكن المراد بها هنا هم السلف، السلف والتابعون لهم. السلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، الذين اجتمعوا على الحق، قلوا أو كثروا. وذلك قال ابن مسعود: «الجماعة ما وافق الحق ولو كنت وحدك»، لو اجتمع ثلاثة على الكتاب والسنة، فهم الجماعة. وخالف الآخر، وقال لهم: ماذا؟ جماعة. وذلك جاء عن بعض السلف أنهم سيئوا من الجماعة، قال أبو حمزة السكري: «من الجماعة»، قال أبو حمزة السكري، وهو واحد، لأنه على الجادة، على طريق السلف. وفي القرآن: «إن إبراهيم كان أمة»، قالت الله: «إنه كان أمة»، فهو الجماعة، إبراهيم هو الجماعة، وإن كان ماذا؟ واحدًا، لأنه على الحق. فالجماعة لفظ يطلق على القوم المجتمعين على الحق، كتابًا وسنة. نعم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره. الشرح قال الشارح رحمه الله تعالى: هذه الأمور الستة هي أركان الإيمان، فلا يتم إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعًا على الوجه الصحيح الذي دل عليه الكتاب والسنة. ومن جحد شيئًا منها أو آمن به على غير هذا الوجه، فقد كفر. وقد ذكرت كلها في حديث جبريل المشهور، حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان. فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالبعث بعد الموت، وبالقدر خيره وشره، حلوه ومره، من الله تعالى». حسن. فهذه أركان الإيمان الستة المعروفة في حديث جبريل. وأهل السنة الذين ألفوا في كتب العقائد السابق كانوا يذكرون هذه الأركان، يذكرون هذه الأركان الستة، لأنها هي أصل العقيدة، تدور حول هذه الأمور. إما أمور تتعلق بالله، أو بالملائكة، أو بالكتب، أو بالرسل، أو باليوم الآخر، أو بالقدر. والذين يخالفون في هذا، إذا نظرت مثلًا إلى من خالف، تجدوا خالف في أصل من هذه الأصول. من خالف المسلمين في الله جل وعلا، أو لهم أهل الشرك ممن ضل في توحيد الألوهية، ودعا غير الله جل وعلا، وأشرك بالله جل وعلا. أو ممن ضل في الكتب، وفي كتاب الله القرآن، ولم يثبت ما جاء من الحق في كتاب الله جل وعلا. ما يتعلق به، مثل الجهمية والمعتزلة في كتاب الله. وهكذا في الرسل، وهكذا في الملائكة، وهكذا في القدر، الجبرية والقدرية في القدر. والروافض كذلك. فغالب الضلال إنما هو بسبب عدم إثبات هذه الأصول، عدم إثبات هذه الأصول على الكيفية التي جاءت في الكتاب والسنة، وعلى غير الفهم الذي فهمه السلف الصالح. فمهما من أحد خالف، سواء خرج عن الإسلام أو خرج عن دائرة أهل السنة والجماعة، إلا بسبب الضلال في أحد هذه الأصول الستة. وذلك كتب العقيدة أكثرها، خاصة في السابق، حين يؤلف المؤلفون كتبهم، يبدأون بذكر هذه الأصول الستة، لبيان اعتقاد السلف الصالح في فهمها، كيف فهموها، كيف آمنوا بالله جل وعلا، وماذا يتعلق بهذا الأصل من أمور. من إثبات ما أثبت الله لنفسه أسماء وصفات، وهكذا ما يتعلق بالملائكة والقرآن والرسل وحقوق النبي عليه الصلاة والسلام من الاتباع وعدم الابتداء إلى آخر ذلك. فخلاصة العقيدة تدور على هذه الأصول الستة. ولذلك ابتدأ بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إجمالًا، ثم فصل، ذكرها إجمالًا ثم فصل، لأن التفصيل يتعلق بهذا التفصيل الذي سيأتي بعد هذا إلى آخر الكتاب. كل هذا الكلام إنما هو تفصيل، نعم، لهذه الأصول الستة التي أجملها. وكل كتب العقيدة التي ألفت لا تخرج عن هذه الأصول الستة، لا تخرج عنها. ولذلك جاء جبريل ذكر هذه الأمور العظيمة كأصول تتعلق بها مباحث، يجب أن تعتقد وأن تعلم، وفق فهم السلف الصالح لما دل عليه الكتاب والسنة. وذكر رحمه الله تعالى الشارح له الرأس رحمه الله تعالى، قال: هذه الأمور الستة هي أركان الإيمان، فلا يتم إيمان أحد إلا إذا آمن بها جميعًا على وجه الصحيح. وهذه الأركان ذكرت في القرآن، ذكرت في القرآن خمسة مجتمعة مع بعض، والقدر ذكر مفردًا. قال جل وعلا: «ليس البر أن تولوا وجهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين». هذه خمسة. وقال جل وعلا: «من يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالًا بعيدًا». والقدر قال جل وعلا: «كل شيء خلقناه بقدر». فذكرت هذه الأركان الستة في القرآن، وذكرت في حديث جبريل الذي جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة، وجاء عن عمر في صحيح الإمام مسلم. ولم يخرجه البخاري لكلام في سنده. وذلك لم يخرجه البخاري، والحديث فيه قوله: «حلوه ومره»، فهي ليست في الصحيح. «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث بعد الموت وبالقدر خيره وشره». هذا في الصحيح، أبي هريرة. وجاء في مسلم عن عمر، لكن «حلوه ومره» ليست في الصحيحين، عند الطبراني وغيره، وفيه انقطاع كذلك. وبعض أهل العلم حسن هذا، ومعنى صحيح، المعنى صحيح، أنه لا يتم الإيمان إلا بالإيمان بالقدر خيره وشره، والحلو منه والمر. فبعض أهل العلم حسن هذا للشواهد. واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. أحسن هذا. فهذه خلاصة ذكر أركان الإيمان ستة التي سيأتي الكلام عنها بالتفصيل. وهنا انتقل مباشرة إلى ذكر الإيمان بالملائكة، والكلام على الملائكة إجمالًا وبشيء من التفصيل. كان الإيمان بالله، ووضع الإيمان بالله، الإيمان بوجوده، الإيمان بربوبيته، الإيمان بألوهيته، الإيمان بأسمائه وصفاته، هذا هو الإيمان بالله جل وعلا. أن تؤمن بوجوده وأنه موجود، وبألوهيته وربوبيته، وأسمائه وصفاته، وما يدخل تحتها من مباحث. ولذلك مر عليها، وذكر الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر والقدر، ولم يذكر الإيمان بالله، لأنه واضح، وأنه يتضمن الإيمان بهذه الأمور. قال الشارح رحمه الله تعالى: والملائكة جمع ملك، وأصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة. وهم نوع من خلق الله عز وجل، أسكنهم سماواته، ووكلهم بشؤون خلقه. وصفهم في كتابه بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون. وأنهم يسبحون له بالليل والنهار، لا يفترون. فأوجب علينا الإيمان بما ورد في حقهم من صفات وأعمال في الكتاب والسنة، والإمساك عن ما وراء ذلك. إن هذا من شؤون الغيب التي لا نعلم منها إلا ما علمنا الله ورسوله. حسب. طيب. الملائكة جمع ملك، ملائكة جمع ملك، وأصله مألك، أصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة. والملائكة نوع من خلق الله عز وجل، خلقهم الله جل وعلا خلقهم من نور. الملائكة خلقوا من نور، الإنس خلقوا من طين، آدم خلق من تراب، والجان خلقوا من نار. كما جاء في صحيح مسلم رحمه الله، قال عليه الصلاة والسلام: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم»، أي في القرآن، من تراب. فالملائكة خلقوا من خلق الله، خلقهم الله جل وعلا خلقهم من نور. فخلقهم من نور، وأسكنهم سماواته، ووكلهم بشؤون خلقه. وهذا واضح، الملائكة منهم حملة العرش، الملائكة منهم يكتبون الأعمال، والشقاوة والسعادة في بطن أمه. الملائكة موكلون بالجبال، الملائكة هناك ملك الجبال. وهناك خازن النار، هناك ملائكة للريح، وهناك الملائكة مسبحة، والسابحات سبحة. وهناك النازعات غرقًا، وهم ملائكة تنزع الأرواح. نعم، وهكذا. فالملائكة كثير، لا يحصي عددهم إلا الله جل وعلا. وكلهم بأعمال كثيرة، وكلهم بأوصاف كذلك. من أوصاف ملائكة لها أجنحة، قال: «جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء». جبريل له ستمائة جناح، قاله النبي صلى الله عليه وسلم، كل جناح قد سد الأفق. والملائكة موصوفون كذلك بالشدة، قوى أنفسكم يا أيها الذين آمنوا، قوى أنفسكم وهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم، يفعلون ما يؤمرون. وهي ملائكة تسبح الرب جل وعلا، وصفهم بأوصاف عظيمة. نعم، وأحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن ملك من ملائكة الله، قد مرفت رجلاه الأرض. وهكذا فيما جاء في وصفهم في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، يسبحون الليل والنهار، لا يفترون. وجب الإيمان بما ورد في حقهم من صفات وأعمال في الكتاب والسنة، والإمساك عن ما وراء ذلك. لا نستطيع أن نثبت ملكًا من ملائكة الله بعقولنا، الأمر توقيفي. من أين لنا أن نقول: ملك من ملائكة الله اسمه كذا، ولم يثبت في الكتاب والسنة؟ أو موكل بكذا، ولم يثبت في الكتاب والسنة؟ لا نستطيع أن نثبت ملكًا من ملائكة الله، ولا عملًا له، ولا وصفًا إلا بدليل من كتاب وسنة. فما علمناه اعتقدناه، وجب على الإيمان به، من أسماء وأعمال لهم وأوصاف. وما لم نعلم، نسكت، لأن هذا من أمور الغيب. وهذا الذي يكرره الشارح رحمه الله تعالى فيما يتعلق بالملائكة، إيمان إجمالي وتفصيلي. لأن الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، وكذلك الإيمان بالله، الإيمان بهذه الأركان الستة يكون على نوعي إيمان مجمل وإيمان تفصيلي. إيمان مجمل وإيمان تفصيلي، مثلا الإيمان المجمل في الإيمان بالله، أن تعتقد وأن تؤمن بأن الله جل وعلا هو الخالق الرازق، نعم، المدبر الذي يستحق العبادة وحده، نعم. وإيمان تفصيلي يجب بعد العلم، مثلا قد يجهل الإنسان أسماء لله جل وعلا، يجهل أن من أسماء الله جل وعلا القيوم، يجهل من أسماء الله اسم كذا وكذا. نعم، هو مؤمن، لأنه آمن بالله عز وجل، وأنه موجود، وأنه منفرد بالربوبية والألوهية، وأسماء الله، نعم. لكن أسماء وصفات لا يعلمها، نعم. هذه لا يطالب بها ابتداء، يصح إيمان ولو لم يعلمها ابتداء. لكن متى يجب الإيمان بها؟ بعد العلم، إذا علم أن من أسماء الله كذا، من كتاب الله، وجب الإيمان. وهكذا ما يتعلق بالملائكة، في بداية الأمر يصح الإيمان إذا آمن الشخص بأن لله ملائكة، خلق من خلق الله، خلق من خلق الله، قد يجهل أنه ملائكة ميكاييل أو إسرافيل أو مالك، ما يدري. يصح الإيمان، لكن إذا علم ذلك، قال له: ميكاييل، ما لك؟ ملائكة، ذكره في القرآن، فإذا قال: لا، ما أؤمن، بطل الإيمان. فهذا من الإيمان التفصيلي الذي يجب بعد العلم. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.