شرح العقيدة الواسطية للهراس 56

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 56، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

إثبات صفات القرب والمعية والعلو ودفع توهم التناقض

يشرح المقطع موقف شيخ الإسلام ابن تيمية في الجمع بين نصوص صفات العلو والمعية والقرب لله تعالى، مبيناً أنها لا تتناقض إذا فهمت على ما يليق بالله لا قياساً على المخلوق. وينقل عن الشارح ابن رسلان أن حديث "أفضل إيمان أن تعلم الله معك" يدل على مقام الإحسان والمراقبة، وأن استحضار عظمة الله وأسمائه يدفع العبد لمراقبة جوارحه وإتقان عباداته.

معنى كون الله قبل وجه المصلي والتوفيق بين علوه وقربه

يشرح المقطع أن حديث «الله قبل وجه المصلي» حق على ظاهره ولا ينافي علو الله على عرشه، مستدلاً بمثال الشمس والقمر اللذين يكونان في علوهما وقبل وجه الناظر إليهما. ويبين أن المراد تكريم جهة القبلة ونهي المصلي عن البصاق فيها، مع تفصيل القرب الإلهي إلى قرب عام وقرب خاص.

تفصيل القرب الإلهي إلى خاص وعام عند أهل السنة

يتناول المقطع تفصيل صفة القرب لله تعالى إلى نوعين: قرب خاص بالطائعين والساجدين والمسارعين في الطاعات، يستلزم الإجابة والإثابة، وقرب عام يشمل جميع المخلوقات بالعلم والإحاطة. ويناقش خلاف أهل العلم في إثبات النوعين أو الاقتصار على الخاص، مرجحين القول بالنوعين استدلالاً باسم الله (الباطن) وحديث (أربعوا على أنفسكم).

الفرق بين قرب الله الخاص عند أهل السنة وقرب الثواب عند أهل البدع

يفسر أهل البدع كالجهمية القرب الإلهي بقرب الثواب فقط، منكرين قرب الله الخاص بخلقه، بينما يثبت أهل السنة والجماعة قرب الله الخاص يليق بجلاله كدنوه عشية عرفة ونزوله السماء الدنيا، وهو قرب يقتضي الإجابة والإثابة للمتقربين، بخلاف القرب العام الذي هو علم وإحاطة بكل شيء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذه الأحاديث الواردة في سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والتي فيها إثبات بعض الصفات لله جل وعلا. ومن هذه الصفات: صفة القرب لله جل وعلا، وصفة المعية، وصفة العلو. فهذه النصوص التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذا الموضع بإثبات هذه الصفات: صفة المعية لله جل وعلا، وصفة العلو، وصفة القرب لله جل وعلا. وأراد أن يبين أن علوه جل وعلا لا ينافي معيته لخلقه، فكأنه جل وعلا مع خلقه وهو في علوه جل وعلا. وهكذا إثبات علوه جل وعلا على خلقه لا ينافيه قربه لخلقه، لأن النصوص قد ثبتت، قد أثبتت هذه الأمور وهذه الصفات، وكتاب الله جل وعلا وسنة النبي عليه الصلاة والسلام لا تناقض بينهما، فكله حق ثابت في الكتاب والسنة: نصوص المعية، ونصوص العلو، ونصوص القرب. لأنه قد يتوهم متوهم أن هذه النصوص ناقض بعضها بعضا، نصوص العلو قد يتوهم أنها تنافي المعية: كيف هو في العلو وهو مع خلقه؟ كيف هو في العلو وهو قريب من خلقه؟ فأراد رحمه الله تعالى أن يبين في هذا الموضع أن هذه النصوص كلها حق، ولا ينافي بعضها بعضا، ولا يناقض بعضها بعضا، لكن بشرط أن تفهم الفهم الصحيح، وأن تثبت على ما يليق بالله جل وعلا، لا قياسا بالمخلوق. لأن هذا الوهم وهذا التوهم إنما منشأه القياس بالمخلوق: كيف يكون في علو وهو مع الناس؟ مثلا المخلوق لا يمكن أن يكون المخلوق عاليا ومع الناس، ولا يمكن أن يكون المخلوق عاليا وقريبا من الناس. علو المخلوق: إذا كان عاليا نعم فإنه يناقض القرب، لا يمكن أن يكون عاليا وقريبا، ولا يمكن أن يكون عاليا ومع الناس، لا إما أن يكون عاليا وإما أن يكون مع الناس، ومن يكون قريبا ومن يكون بعيدا. لكن هذا في حق المخلوق. فالذين يجرون مثل هذه النصوص يستحضرونها في المخلوق، فحين يستحضرونها في المخلوق يجعلون هذا محالا في حق الله، لأنه لا يمكن اجتماع العلو مع المعية ومع القرب. فلذلك لا يثبتون هذه الصفات لله جل وعلا. لكن سبب عدم إثباتهم لهذه الصفات منشأه قياس الخالق بالمخلوق، نظروا هذه الصفات في المخلوق فوجدوها محالا، نعم أن تكون ثابتة، فقاسوا الخالق كذلك، فقالوا: إذن لا يمكن، فإما في العلو وإما مع خلقه. ولذلك الجهمية وهم غلاة المتصوفة نفوا العلو وأثبتوا المعية، بحجة أن العلو يناقضه المعية، فلا يمكن أن يكون في العلو ومع خلقه، فإذن اختاروا نصوص المعية وأهدروا نصوص العلو. هكذا فعلوا، وهكذا أخذوا نصوص القرب ونفوا نصوص العلو. وأما أهل السنة والجماعة فأثبتوا كل النصوص الواردة لله جل وعلا، التي أثبتت العلو، والتي أثبتت المعية والقرب، على ما يليق بالله جل وعلا، ليس كمثله شيء، هو السميع البصير. فالذكر المانع القيم رحمة الله تعالى: قاعدة عظيمة في هذا الباب على العبد أن يستحضرها دائما لدفع هذه التوهمات، وهي أن يستحضر العبد عظمة الله جل وعلا دائما، وأن هذه السماوات مطويات بيمينه، وأن السماوات والأرضين والجبال والثرى نعم كلها في أصابع الرحمن جل وعلا، يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع. فمعناه أن الله جل وعلا عظيم، وعلى كل شيء قدير. إذن لا تستبعد شيئا في حق الله. لكن من غفل عن استحضار عظمة الله جل وعلا فإنه الذي يقع في مثل هذه التوهمات. وما أوقع أهل البدع في هذه التوهمات إلا لضعف استحضارهم لعظمة الله، وإلا لو أنهم قدروا الله حق قدره لما استبعدوا شيئا في حقه، ولما قاسوه بصفات المخلوق. قلت لك: النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه اليهودي كما يحضر عبد الله بن مسعود في الصحيحين، حين قال له: يا محمد، إن نجد يعني عنده في التوراة أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع. ضحك النبي عليه الصلاة والسلام حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾. هذه الآية لها معنى في هذا الموضع: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾، يعني إنما الذي يجعل الإنسان يتوهم المشابهة عدم تعظيم الله جل وعلا حق تعظيمه، وعدم قدر الله حق قدره. فإذا علينا دائما أن نعظم الله حق تعظيمه، وأن نقدر الله حق قدره. فإذا كنا دائما مستحضرين لذلك، فإننا لن نتوهم التمثيل في صفاته بصفاته جل وعلا، ولن نستبعد شيئا ثبت له، مادام قد دل عليه النص. فمراد شيخ الإسلام هو هذا الذي سمعتم لبياني هذا، ولذلك جمع بين هذه النصوص كلها في هذا الموضع. فمثلا قوله: نعم، أفضل إيمان أن تعلم الله معك. هذا نص المعية. وإن كان في هذا الحديث ضعف، الحديث ضعيف كما هو عندكم في التحقيق، لكن جاء عند ابن أبي عاصم في السنة، وصححه العلامة الألباني رحمة الله تعالى في السلسلة. قال عليه الصلاة والسلام: «تسلي المؤمن أن يعلم أن الله معه حيث كان». تسلي المؤمن يعني تسلى المؤمن بهذا. فإذن الحديث بهذا السند ضعيف، لكن معناه صحيح، قد دلت عليه النصوص، وهو أن الله مع العباد حيث كانوا. نوع نعم، والمعية كما تقدم منها عامة ومنها خاصة. النص الحديث الثاني في العلو، نعم وما بعده في القرب. فذكر هذه النصوص لإثبات هذا. ذكر الشارح ابن رسلان رحمه الله قال: قوله: «أفضل إيمان أن تعلم الله معك» إلى آخره، فيه دلالة على أن أفضل إيمان هو مقام الإحسان، المراقبة. فهذا واضح: إنسان يتعبد ربه بمقام المراقبة، وأعظم منه مقام المشاهدة، ويعني الله معه حيث كان. فهذا يجعله مراقبا لأقواله وأفعاله وحركاته، لأنه يعلم أن الله جل وعلا مطلع له، رقيب. ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾. والله من أسمائه جل وعلا الرقيب، ومن أسمائه الشهيد. وهذه أسماء الله جل وعلا، نعم، إذا استحضر العبد هذه الأسماء يستفيد منها قرب الله ومشاهدة الله جل وعلا له. فلذلك يكون على دوام المراقبة لله عز وجل، فيحسن في العبادات، ويراقب بصره فلا يتلفت في ما حرم الله، وهكذا لسانه وجميع جوارحه. إذا استحضر هذا، وهذا مقام عظيم. وأيضا يدفعه إلى المسارعة والمنافسة والخشوع في صلاته، إذا استحضر هذا المقام العظيم. ولا يسيء الأدب بحركات، مثل الذي يكثر الحركات في الصلاة، يحك رأسه، وتارة يلعب بالساعة، نعم، وتارة وتارة. هذا لضعف، لضعف حاصل عنده في المراقبة. وإلا قوي المراقبة لله جل وعلا تقل حركاته، لأنه يستحضر الله جل وعلا مطلع عليه، فلا يعبث في الصلاة، ولا يكثر، وإنما يفعل الأشياء لحاجة. إذا حك رأسه فهو لحاجة، ما هو يحك هكذا من غير حاجة. لا، إذا حك رأسه نعم، أو حك عينه أو غير ذلك، إنما لحاجة. أما هكذا عبثا من غير حاجة، هذا إنما يدل على عدم الخشوع وانشغال القلب، ودليل هذا كثرة الحركات وكثرة العبث. وهذا سبب ضعف عند الشخص في هذا المقام. طيب، والحديث كما سمعتم ضعيف، ضعفه العلامة الألباني: «أفضل الإيمان أن تعلم الله معك»، فيه مجاهيل كما هو عندكم، هو واحد عبادة. ثم قال الشارح ابن رسلان رحمه الله: قوله: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فإن الله عز وجل يكون قبل وجه المصلي». ذكر هنا عن شيخ الإسلام في العقيدة الحموية، وهي الفتوى الحموية، قد أفردت، وهي أيضا ضمن الفتاوى، ضمن فتاوى شيخ الإسلام. هذه الفتوى الحموية قال شيخ الإسلام: الحديث حق على ظاهره، وهو سبحانه فوق العرش، وهو قبل وجه المصلي. بل هذا الوصف يثبت للمخلوقات، فللإنسان لو أنه يناجي السماء ويناجي الشمس والقمر، لكانت السماء والشمس والقمر فوقه، وكانت قبلة من قبل وجهه. الحديث حق على ما هو عليه، وهو أن الله جل وعلا قبل وجه المصلي، ولا ينافي هذا علوه جل وعلا. علوه جل وعلا على العرش لا ينافيه أنه سبحانه وتعالى قبل وجه المصلي. فهذا لا تعارض فيه. حتى الشمس والقمر والسماء: الشخص مثلا يناجي القمر أو يناجي الشمس وينظر الشمس مثلا، والشمس أمامه نعم وقبل وجهه، وهي في علوها. الشمس في علوها وهي قبل الوجه. المصلي مثلا إذا كانت في جهة القبلة، أو في أول الصباح مثلا عند طلوعها، نعم هي قبل وجه يستقبلها، وهي في علوها. وهكذا القمر، وهكذا السماء. الآن السماء قبل وجهك ولا لا؟ وهل كون السماء قبل وجهك أنها محصورة في موضع؟ لا، وهي مخلوقة. والسماوات كلها في قبضة الرحمن مطويات بيمينه. فمعنى أن الله جل وعلا في علوه وعلى عرشه وقبل وجه المصلي، وليس معنى هذا أن الله جل وعلا صار محصورا في جهة القبلة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. بل هو في علوه وقبل وجه المصلي. لكن الفائدة من هذا: تكريم الجهة. الله جل وعلا أخبر أنه قبل وجه المصلي. معناه هو في العلو، ليس معنى أنه محصور في جهة. والمراد هذا تكريم هذه الجهة، جهة القبلة. نعم، يستقبل القبلة ويصلي، فلا يبصق، لا يبصق جهة القبلة، لأنه يصلي لله عز وجل، استقبل القبلة ويصلي لله عز وجل، وهو يستحضر نعم عظمة ربه جل وعلا، والوقوف بين يديه جل وعلا، فلا يبصق جهة القبلة، تكريما لهذه الجهة، فإن الله قبل وجهه وهو في علوه سبحانه وتعالى. وكونه قبل وجه المصلي لأنه جل وعلا قد أحاط بكل شيء سبحانه وتعالى. فالله جل وعلا إذا دعا العبد مثلا وإلى هذه الجهة دعا الله عز وجل: اللهم أنا عبدك الفقير. وإذا قال هذا قال إنه اللهم أنا عبدك الفقير. وإذا هذه الجهة: اللهم أنا عبدك الفقير. وإلى هذه الجهة: اللهم أنا عبدك الفقير. كلها نعم، كل هذه دعاء إلى الله جل وعلا، والله في العلو لا ينفيه اتجاه الجهة. معناه أنه في هذه الجهة لا، وفي العلو سبحانه وتعالى. نعم، فجاز أن يتجه لهذه الجهة، وجاز أن يتجه لهذه الجهة. نعم، في أي مكان يدعو، في سيارة، في البحر، نعم يدعو الله عز وجل. لكن لا شك يستقبل القبلة، فهذا أفضل، أفضل لأن هذه الجهة مكرمة، أفضل من الجهات الأخرى. لكن ليس معنى أنه إذا استقبل الجهة ودعا الله جل وعلا، أو صلى الله عز وجل، أو قال: سبحان ربي الأعلى وهو ساجد بهذه الجهة، معنى أن الله جل وعلا محصور بهذه الجهة. لا، الله في العلو. لكن خصت هذه الجهة بزيادة التكريم، فنهي عن البصاق، لأن الله جل وعلا قبل وجه المصلي. ومعناها أن يكرم هذا الجهة، فلا يبصق، ولا عن يمينه، ولا عن يمينه، لأنه قد جاء في الحديث: عن يمينه ملك، عن يمينه ملك. لكن عن يساره أو تحت قدمه، اليمين كذلك مكرمة. نعم، اليمين مكرمة، جاءت الأحاديث، بل الآيات في القرآن في تكريم اليمين: أصحاب اليمين، نعم. وهكذا في السنة: اليمين، قال نبينا سلم: «كلتا يدي ربي يمين». وهكذا كان يعجبه التيمن. فإذن اليمين كذلك خصت بالتشريف والتكريم. فعليك أن تكرم هذه الجهة، والبصاق لجهة الجهة ينافي هذا التشريف وهذا التكريم. لكن عن يسار أو تحت القدمين. فالعلم أن المراد هذا الحديث إثبات التكريم لجهة القبلة، نعم، ليس لإثبات أن الله جل وعلا في هذه الجهة، لأنه جل وعلا في العلو، وهو قبل وجه المصلي، لأنه جل وعلا حيثما استقبل العبد نعم في دعائه ربه جل وعلا، فإنه وإن كان على أي جهة، فإنه يستقبل نعم ربه جل وعلا ويدعوه جل وعلا على أي جهة كانت. قال رحمه الله تعالى: وقول الله: رب السماء والسبع إلى آخره، تضمن الحديث إثبات أسماءه تعالى: الأول والآخر، والظاهر والباطن. وهذا قد تقدم الكلام عليها عند ذكر الآيات في إثبات الأسماء والصفات. واسم الله الأول تضمن صفة الأولية، والآخر الآخرية، والظاهر الظهور، والباطن البطون. والشاهد الذي أراده هنا في هذا الموضع نعم: إثبات العلو والقرب. لأن اسم الله الظاهر يدل على العلو، واسم الله الباطن يدل على القرب. الباطن الذي ليس دونه شيء، يعني قريب من عباده جل وعلا. والباطن يدل على صفة القرب العامة، صفة القرب العامة. لأن القرب على نوعين: قرب عام، وقرب خاص. كالمعية: معية عامة، ومعية خاصة. المعية عامة لجميع الخلق، المعية بالحاطة بالعلم نعم والاطلاع وغير ذلك. والمعية الخاصة بالنصر والتأييد والكلاءة والحفظ. كما قدر القرب كذلك: قرب عام دل عليه اسم الله الباطن، ودل عليه ما جاء في الأحاديث عن النبي عليه السلام التي ذكرها هنا شيخ الإسلام. منها قوله جل وعلا: «أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا». إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. قرب عام. طيب. وهكذا ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾. قوله جل وعلا: ﴿ فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾. هذه النصوص في القرب العام، القرب العام. فالله جل وعلا قريب من كل أحد، قرب عام، قرب حاطة، قرب علم والاطلاع. القرب الخاص هو الذي مقتضاه النصر والتأييد والإجابة والإيثابة. ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، قرب خاص. الله للإحسان، فالله قريب من المحسنين، هذا قرب خاص. وهكذا قريب من الساجدين، قرب خاص، كما قال نبينا السلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد». أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. هذا قرب خاص. لكن ليش خاص؟ لماذا خاص؟ لأنه لمن؟ للساجدين، طائعين. كذلك قرب خاص للمسارعين، للمسارعين في طاعة الله، فالله جل وعلا قريب منهم قرب خاص. كما جاء في حديث بهريرة في الصحيحين: «إذا تقرب عبدي إلي... أو ما تقرب إلي عبدي... إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة». هذا القرب خاص، لأنه جعله جل وعلا للمسارعين، للمتقربين إليه جل وعلا. فكلما كان العبد أقرب لله جل وعلا بالمسارعة بالطاعة، كان الله جل وعلا إليه أقرب، قرب خاص، نعم، على ما يليق بالله جل وعلا، يقتضي الإثابة والإجابة منه سبحانه وتعالى لعبده. ولا ينافي هذا علوه جل وعلا، فهو قريب في دنوه نعم، كما أنه في علوه جل وعلا. فهذا قرب خاص. منها: العلم أن يجعل القرب خاصا فقط. كشيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمهم الله تعالى، قالوا: القرب ليس كالمعية، وإنما القرب خاص فقط. والنصوص الواردة والثابتة في القرب إنما هي في القرب الخاص. بمعنى: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، قالوا: هذا قرب خاص. كذلك: «أربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبة»، قالوا: هذا قرب خاص، لأنه للدعاء. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾، هذا قرب خاص للدعاء. وهكذا: «إذا تقرب إليه عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا»، هذا قرب خاص للطائعين، للمسابقين، المسارعين. فلذلك قالوا: القرب الوارد، النصوص الواردة في القرب، في صفة القرب، هو القرب الخاص. كما قال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: القرب الخاص، قرب بالإجابة، وقرب بالإثابة، نعم، قرب يقتضي الإجابة، ويقتضي الإثابة: إجابة الداعي، وإثابة المحسنين والمسارعين. ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾، معناه أنه يثيبهم جل وعلا على إحسانهم وعلى طاعاتهم. وإذا دعوا فإنه قريب أن يجيب دعاءهم جل وعلا. ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾. لكن أشكل عليهم، أو أشكل على هذا القول، ما جاء عنه، ما جاء عن الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾، ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾. هذه الآيات تدل على قرب عام من كل أحد. لكن أجاب شيخ الإسلام وابن القيم على هذا، بأن القرب المذكور في هاتين الآيتين إنما هو قرب الملائكة، قرب الملائكة. ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ ﴾ يعني ملائكتنا قريبة، لأنها تقبض بأمر الله. وهكذا ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴾ إلى آخر الآيات، ففيها ذكر الملائكة. فالقرب المذكور قرب الملائكة. فإذن عندنا قولان لأهل السنة: عندنا قولان لأهل السنة في القرب، في صفة القرب: هل القرب الثابت للرب عز القرب عام وخاص، أم هو قرب خاص فقط؟ شيخ الإسلام وابن القيم يقولان: القرب خاص فقط. وغيرهما من أهل العلم والجمهور على أن القرب على نوعين: قرب عام، وقرب خاص. والمسألة لا يترتب عليها كثير فائدة، نعم، ولا أثر لهذا الخلاف. وذلك بعض أهل العلم توقف في الترجيح لاحتمال القولين. لكن الذي يظهر والله أعلم، أن اسم الله الباطن يدل على القرب العام. اسم الله الباطن في قوله جل وعلا: ﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾. في قول نبينا سلم: «وأنت الباطن الذي ليس دونك شيء». فاسم الله الباطن يدل على صفة البطون، وصفة البطون بمعنى صفة القرب، وهذا قرب عام، قرب عام، قال: ليس دونه شيء، فهو عام لكل شيء. فهذا مما يرجح، هذا مما يرجح أن القرب على هذين النوعين. فعلى هذا القول فلا إشكال في الآيتين، إذا قيل فيهما إن القرب فيهما قرب الله، لا إشكال. لكن إشكال، إشكال فيها إذا فسر القرب بالقرب الخاص. طيب، قال هنا رحمه الله تعالى: طيب، عن شيخ الإسلام بعدها، نعم، هذا كلام شيخ الإسلام، ثم ذكر شيخ ابن رسلان رحمة الله تعالى التعليق على تعليقه، على قولي شيخ الإسلام. اللهم في حيث نبس... اللهم رب السماء إلى آخره، تضمنت هذه الأسماء، تفسير النبي عليه السلام، تقدم لهذه الأسماء، ولا يعدل عن هذا التفسير، لأنه ليس كل تفسير نعم ممكن أن يتوصل إليه نعم، بعض بعض بعض التفسير لا يمكن أن تعرف لها تفسير إلا بنص. انظر لو لم، لو لم يرد عن النبي عليه السلام تفسير في هذا: الأول والآخر والظاهر الباطن، كيف ستكون التفسير لهذه الأسماء؟ فانظر من رحمة الله عز وجل نعم، أن جعل رسوله عليه الصلاة والسلام يبين هذا، لأن هذا يصعب تفسيره. فإذا جاء التفسير عن النبي عليه السلام يكفي، لأن إذا جعل التفسير للناس يفسرون، سيأتون بتفسير ربما متناقضة، نعم. فبعض تفسير الأسماء أو تفسير الصفات يكون الأمر فيها نعم متوقفا على النص، لأنه ربما فوق نعم، فوق ما تستطيع العقول، فوق عقول الناس حتى يفسرها. فجاء الشارع براحة الناس في هذا، والحمد لله على رحمته وتوفيقه وإعانته. لكن هناك من الناس من لا يأبى إلا أن يتحكم بعقله، وأما أهل الحق فالحمد لله يفرحون إذا جاء التفسير في النص، يعلمون أنه لا يمكن أن يكون هذا فيه شيء من الخلل، بخلاف إذا فسروا بأنفسهم أو باجتهادهم. النص الذي يأتي، النص الوارد في الشرع في تفسير شيء، الحمد لله، انتهى ما نحتاج إلى كلامه، نعم، إلاك لا يحصل الخلاف. لكن إذا لم يأت النص هو الذي يحصل الخلاف فيه بين أهل التفسير، فمنهم من ربما يفسره بكذا، ومنهم من يفسره بكذا، إلى آخر ذلك. وبعد ذلك يكون الأخذ بمن كان قوله موافقا للكتاب والسنة، أو لما كان عليه السلف الصالح من فهم، لأن أفهامهم قدمت على غيرهم. وذكر بعد ذلك إن شاء الله ابن رسلان رحمه الله تعالى حديث: «أن نبينا سلم: أيها الناس أربعوا على أنفسكم». والحديث كما ذكر فيه إفادة هذه الصفة، وأن ثابت الله عز وجل وهي القرب، وأنه جل وعلى القريب سبحانه عن عباده، وأنه ليس بحاجة أن يرفعوا إليه أصواتهم، فأنه يعلم السر والنجوى. قالوا: هذا القرب المذكور في الحديث قرب إحاطة وعلم، على القرب العام، قرب إحاطة وعلم وسمع ورؤية. وهذا القرب العام، إذن الشارح ابن رسلان على رأي من يقول بأن القرب على نوعين: خاص وماذا وعام. وهذا القرب لا ينافي علوه جل وعلا. هذا خلاصة ما يذكر عند هذه النصوص الواردة في المعية، في المعية والعلو والقرب، والله تعالى أعلم. وأهل البدع من الجهمية وغيرهم يفسرون القرب بقرب الثواب، يفسرون بالقرب هنا قرب الثواب. فيقولون: ثوابه قريب. من أهل البدع ممن لم يثبت القرب لله جل وعلا، هو القرب الخاص، نعم، يفسرون بقرب الثواب. أما أهل السنة الجماعة فيثبتون القرب الخاص على ما يليق بالله، منتفه للفرق. فرق بين إثبات أهل البدع للقرب، وبين أهل السنة. أهل البدع ما أثبتوا القرب، حين قالوا: قرب الثواب، لأن هذا إنما فيه إثبات قرب الثواب، ليس فيه إثبات قرب الله. لكن أهل السنة يثبتون قرب الله جل وعلا على ما يليق، مقتضاه الإثابة، لأنه قرب خاص، يتقرب إلى عبده شبرا ذراعا، على ما يليق بالله، يأتي هرولة على ما يليق بالله عز وجل. فيثبتوا، أي أهل السنة، القرب الخاص والمقتضى. وأهل البدع إنما يثبتون المقتضى. القرب مثل النزول، مثل الدنو. جاء في صحيح مسلم: أن الله جل وعلا يدنو عشية عرفة، يدنو عشية عرفة، ويباهي الملائكة، يباهي بخلقه الملائكة: «انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا». يدنو عشية عرفة، هذا الدنو قرب، النزول قرب، نزول السماء الدنيا، قرب من العباد منه جل وعلا، على ما يليق بالله جل وعلا، فهو نوع من أنواع القرب. النزول صفة فعلية، وهكذا القرب الخاص صفة فعلية. فإذا دنا جل وعلا عشية عرفة، هذا قرب خاص من الحجاج، وذلك ليس لكل أحد، وإنما يدنو من الحجاج عشية عرفة، أما غير الحجاج، بلا، خاص بالحجاج، إكراما منه جل وعلا بأنه يدنو عشية عرفة ويباهي بهم الملائكة. وهكذا في النزول: حين ينزل، وهكذا القرب الخاص من المسارعين الذين يتقربون شبرا وذراعا، نعم، ويأتون هرولة، يقرب منهم جل وعلا قربا خاصا، على ما يليق به سبحانه وتعالى، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فأهل السنة الجماعة يثبتون القرب الخاص لله جل على ما يليق: يدنو عشية عرفة، هو قرب خاص على ما يليق، نعم، مقتضاها الإجابة والثواب: إثابة الحجاج على مجيئهم، إثابة المسارعين هؤلاء. وهكذا، والقرب العام من كل أحد، قرب الاطلاع وعلم وإحاطة. واضح هذا والله أعلم. صلى الله عليه وسلم، بارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر