الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 48

الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 48، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية الإسناد العالي في الحديث النبوي

يُعد الإسناد العالي أقرب إلى النبي وأقل في العلل، وكان السلف يحرصون عليه لأنه أكثر صحة وأقرب إلى النبي. يُبين المقطع الأول أهمية هذا النوع من الإسناد في نقل الحديث.

مفاهيم متقدمة في الإسناد

يشرح المقطع مفاهيم العلو النسبي والموافقة والبدل والمساواة في الإسناد، وتُبين هذه المفاهيم كيفية الوصول إلى إسناد عالٍ إلى إمام مع ذكر أمثلة على أجزاء مشهورة ذات أسانيد عالية.

تفضيل الإسناد النازل والعالي وآراء العلماء

يتناول آراء العلماء في تفضيل الإسناد النازل على العالي والعكس، حيث يُفضل البخاري الإسناد النازل إذا كان رجاله أوثق، بينما يفضل مسلم العالي أحيانًا. يرى الذهبي أن طريقة البخاري أفضل.

ضبط الإسناد وأهميته

يُشدد على أهمية ضبط الإسناد حتى لو كان نازلًا، ويُعتبر ضبط الإسناد أفضل من وجود إسناد عالٍ دون دقة. يُستدل بقول الإمام وكيع بن الجراح على هذه الأهمية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: النوع التاسع والعشرون: معرفة الإسناد العالي والنازل. قال: ولما كان الإسناد من خصائص هذه الأمة، فذلك أنه ليس لأمة من الأمم يمكنها أن تسند عن نبيها إسنادا متصلا غير هذه الأمة، وهذا صار من خصائص هذه الأمة، فإنه ليس هناك أمة تتصل بإسناد صحيح متواتر إلى نبيها إلا هذه الأمة. فبحمد الله حفظ الله عز وجل القرآن والسنة في هذه الأسانيد، فصارت هذه الأسانيد خصيصة لهذه الأمة، فكما كان السلف يقولون: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تسمعون مني، ويسمعوا منكم، ويسمعوا ممن يسمعوا منكم»، وهذا يدل على الإسناد، «تسمعون مني، ويسمعوا منكم، ويسمعوا ممن سمع ممن سمع منكم»، عنها يتوارد الناس في الإسناد إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال: فلهذا كان طلب الإسناد العالي مرغبا فيه، كما قال الإمام محمد: الإسناد العالي سنة عمن سلف، معنى يحرصون على الإسناد العالي الذي يكون بعلو؛ لأنه أقرب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأقل معنى في العلل، أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأقل عللا. ولهذا كان السلف يحرصون على العالي من الحديث أكثر من النازل. وقيل لي: حيو المعين في مرض موت ما تشتهي؟ قال: بيته خالي وإسناد عالي. بيته خالي لأجل العبادة، والإسناد العالي لأجل التحديث. وأكثره العلم على أن العلو أفضل. وقال طائفة: النزول أفضل، لكن لم يأتي بحجة صحيحة. قالوا: لهذا تداعت رغبات كثير من لئم النقاد والجهابذة من الحفاظ إلى الرحلة إلى أقطار البلاد طلبا لعلو الإسناد. وإن كان قد منع من جواز الرحلة بعض الجهلة من العباد، فيما حكاه الرامهرمزي في كتابه الفاصل. ثم إن علو الإسناد أبعد من الخطأ والعلة من نزوله. وقال بعض المتكلمين: كلما طال الإسناد كان النظر في التراجم والجرح والتعديل أكثر، فيكون العجر على قدر المشقة. وهذا لا يقابل ما ذكرناه، والله أعلم. نظروا إلى هذا، قالوا: كلما ابتعد الإسناد كان العجر أكثر. لماذا؟ قالوا: لأنه تنظر في أقوال أهل الجرح والتعديل، وتنظر في الرجل كذا، يزيد العجر. لكن هم نظروا إلى شيء معين، لكن النظر إلى ما هو أعظم من هذا، وهو القرب من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك قلة العلل، قلة العلل، فهذا أعظم مما ذكروا. قالوا: أشرف أنواع العلو ما كان قريبا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأما العلو بقربه إلى إمام حافظ أو مصنف أو بتقدم السماع، فتلك أمور نسبية. وقد تكلم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح هنا على الموافقة والبدل والمساواة والمصافحة. العلو ينقسم إلى قسمين: علو مطلق، وعلو نسبي. وكل علو يقابله نزول. فهناك علو نسبي، وعلو مطلق. فالعلو المطلق هو الذي هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالعلو إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسمى علو مطلق. فالعلو إلى رجل من فضلاء الأمة أو الحفاظ يكون علو نسبيا. قال: وقد تكلم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح هنا على معنى الذي هو في العلو النسبي، وهو العلو إلى شيخ أو إلى حافظ من الحفاظ. قال: الموافقة وهي انتهاء الإسناد إلى شيخ مسلم مثلا، معناه يوافق مسلم في شيخه، فهذا تسمى موافقة. والبدل هو أن تهاوي إلى شيخ شيخي أو مثل شيخي. والمساواة هو أن تساوي في إسنادك الحديث المصنف، معناه مثلا يأتي إلى مصنف مثلا مسلم، مثل مثلا الحافظ ابن حجر له أسانيد إلى مسلم مثلا عشر رجال أو أقل. وله كذلك أسانيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعشر. فإن جاء بعشر أسانيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو رجال إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو قد وافق، قد ساوى مسلم. فإن روى من طريق شيخه أو وافقه في شيخه، فهذا الوافق. وإن وافقه في شيخ شيخه، فهذا البدل. وإن ساواه في عدد الرجال، فهو مساواة. وإن زاد عليه معنا نزل. ساواه في تلميذه مثلا مسلم، من الذي روى صحيح مسلم؟ إبراهيم بن سفيان. إبراهيم بن سفيان هو الذي روى مسلم، فيوافق إبراهيم بن سفيان، إذا وافق إبراهيم بن سفيان في عدد الرواة، فهذا يعتبر مصافحة، كأنه لقي مسلم وصافحه. قال: وهذه الفنون توجد كثيرا في كلام الخطيب البغدادي، يوم النحى نحوه. قد صنف الحافظ ابن عساكر في ذلك مجلدات. وعندي أنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى بقية الفنون، أنا ليس له تلك الجدوى. وأيضا الكلام فيه ليس له فائدة كبيرة، وإنما فقط كله يصب إلى مصب واحد، وهو أن الإسناد يكون إلى إمام، لا إلى إمة، يكون عاليا إلى إمام، لا إلى إمة. ولهذا تجد الأجزاء التي يكون فيها الإسناد عاليا إلى بعض الأئمة انتشرت كثيرا، كمثلا جزء يسمى جزء الغيلانيات لمحمد بن عبد الله الشافعي، هذا الجزء انتشر كثيرا؛ لأنه فيه علو إسناد إلى ابن عينة. وأيضا جزء ابن عاصم، محمد بن عاصم عن سفيان بن عينة، وهذا أيضا وابن عاصم متأخر مما روى عن ابن عينة متأخرا، وأدركه ناس كالطبراني وغيره، فأدركوا أسانيد عن ابن عينة برواية واحد، فهذا أيضا من الأحاديث التي صحت، أو أقصد من الأسانيد العالية. وأيضا جزء طراد، جزء طراد أيضا من الأسانيد العالية التي تسابق عليها المحدثون. وأيضا جزء الزينبي، وجزء البيبي، وغيرها من هذه الأجزاء التي اشتهرت بالعلوم. قال: فأما من قال أن العالم: إسناد ما صح سنده وإن كثرت رجاله، فهذا اصطلاح خاص. وماذا يقول هذا القائل فيما إذا صح الإسنادان، لكن أقرب رجاله؟ وهذا القول محكي عن الوزير نظام الملك، وعن الحافظ السلفي، عن أبي الطاهر السلفي. قال: وأما النزول فهو ضد العلو، وهو مفضول بالنسبة إلى العلو. والصحيح أنه كل علو له نزول، كما قرر ذلك الحافظ ابن حجر. اللهم إلا أن يكون رجال إسناد النازل أجل من رجال العالي، وإن كان الجميع ثقات. معناه أحيانا يكون الإسناد النازل أفضل رجاله، فتجد بعض العلماء يقدمه على الإسناد العالي، وبعضهم بالعكس. مثلا عندنا البخاري ومسلم، البخاري يقدم النازل على العالي، والمسلم بالعكس، يقدم العالي على النازل أحيانا، حتى أنه ما يذكر النازل مع أنه أوثق من هذا. فمثلا على سبيل المثال: البخاري رواية حميد عن أنس في حديث كثيرة، يقدم رواية مسدد عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس، مع أنه عنده أيضا عن حميد بواسطة واحد، وهو يحيى بن أيوب، يحيى بن أيوب الغافقي المصري، لكن البخاري يقدم رواية يحيى بن سعيد؛ لأنه من العلماء الثقات الحفاظ، فهو أولى من رواية يحيى بن أيوب، فيقدم رواية مسدد عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس. لكن مسلم رحمه الله فعلى العكس، لما سئل مسلم رحمه الله: كيف تروي عن أحمد بن عيسى المصري، وعن بعض الأئمة عن قطن بن نسير، وكذا؟ فقال: هؤلاء عندي حديثهم بعلو. يقول: لما مسلم عندي حديث هؤلاء أو هذا الحديث عندي بعلو، أقصد بنزول، لكن آثرت حديث هؤلاء؛ لأنه بعلو. أنا أروي عن هؤلاء ليس لأجل أنهم أوثق من أولئك، لكن حديثهم هنا بعلو. فعنده أحمد بن عيسى المصري مثلا بعلو عن ابن وهب، فيرويه عن أحمد بن عيسى؛ لأنه لو كان مثلا يرويه عن آخرين يحتاج إلى اثنين، يعني مثلا يرويه عن حرملة بن يحيى، ثم إلى ابن وهب، فيحتاج إلى اثنين إلى ابن وهب، فيقوم ويروي عن أحمد بن عيسى. فلهذا قال الإمام الذهبي رحمه الله: لما ذكر كلام مسلم، قال: وليتك لم تفعل، وليتك لم تفعل، أي لم تفعل هذا. معنى فعلت مثل بخاري يروي النازل، وحيانا يتبعه بالعالي، وحيانا لا يتبعه. وكذلك مسلم، حيانا يتبعه بالنازل، وحيانا لا يتبعه. لكن الأفضل هي طريقة البخاري؛ لأن الأصل أن الإسناد القوي هو أولى من الإسناد الضعيف. قال: وكما قال وكيع لأصحابه: أيما أحب إليكم: الأعمش عن نبي وائل عن عبد الله بن مسعود، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود؟ معنى الآن: الأعمش عن نبي وائل عن مسعود، ثلاثة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن مسعود، خمسة. يعني لو جاء إنسان يريد أن يروي الحديث عن الأعمش، سيرويه عن ثلاثة. وإذا رواه عن سفيان يحتاج إلى خمسة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ذاك إسناد عالي، وهذا إسناد نازل. فقال: أيهم أحب إليكم؟ فقال الأول: إنهم رأوه عاليا. فقال: الأعمش عن نبي وائل عن عبد الله، شيخ عن شيخ، وسفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله، فقيه عن فقيه. وحديث يتداوله الفقهاء حب إلينا مما يتداوله شيخ عن شيخ. فهذا فعلا؛ لأن الذي عنده علم بالإسناد أو بالرواية والدراية هو أفضل ممن عنده علم بالرواية فقط. فهذا يكون متثبت في الحديث أكثر، وأعرف بالحديث. فلهذا قال هذا الكلام الإمام وكيع بن الجراح، فدل على أن ضبط الإسناد ولو كان نازلا أفضل من أن يكون عاليا وفيه من لا يضبط.