الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 30، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المحور آيات الإتيان والمجيء في القرآن الكريم مثبتاً أنها صفات فعل حقيقية لله تعالى على حقيقتها بلا تشبيه ولا تعطيل. وينقض تأويلات أهل التعطيل كزاهد الكوثري والزمخشري الذين صرفوا المجيء إلى مجيء العذاب أو الأمر، مؤكداً مخالفة ذلك لصريح الآيات ومنهج أهل السنة.
يسرد المحور ندم إمام الحرمين الجويني في أواخر عمره على الخوض في علم الكلام ورغبته في الموت على عقيدة العجائز. ثم يفصل في خلاف المفسرين في آيات مجيء الله يوم القيامة كقوله ﴿بِالْغَمَامِ﴾، مبيناً إثبات السلف للمجيء الحقيقي مصحوباً بالغمام ورد تأويل الأشاعرة والزمخشري والرازي له بمجيء الأمر.
يقرر المحور أن إتيان الله ومجيئه في الآيات جاء مطلقاً غير مقيد فيحمل على حقيقته اللائقة بجلاله لا على مجاز الأمر أو العذاب. ويستدل بتفريق ابن القيم بين الإتيان المطلق والمقيد، مؤكداً ثبوت مجيء الرب يوم القيامة لفصل القضاء مع إثبات علوه على عرشه.
يبيّن المحور موقف السلف من إثبات علو الله على عرشه ونزوله ومجيئه وإثبات صفة الوجه له دون تكييف ولا تمثيل. وينقل ترجيح ابن تيمية وابن عثيمين لهذه الصفات، ويرد على من عطلها خوفاً من التشبيه مستدلاً بآيات الوجه وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار السلف.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ثم بعد: من يقرأ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾، وعلى شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾، وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ﴾. قال الشيخ رحمه الله تعالى: قوله "هل ينظرون" في هذه الآيات... في هذه الآيات إثبات صفتين من صفات الفعل له سبحانه، وهما صفتا الإتيان والمجيء. والذي عليه أهل السنة والجماعة الإيمان بذلك على حقيقته، والابتعاد عن التأويل الذي هو في الحقيقة إلحاد وتعطيل. ولعل من المناسب أن ننقل إلى القارئ هنا ما كتبه حامل لواء التجهم والتعطيل في هذا العصر، وهو المدعو زاهد الكوثري. قال في حاشيته على كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي ما نصه: قال الزمخشري ما معناه: إن الله يأتي بعذاب في الغمام الذي ينتظر منه الرحمة، فيكون مجيء العذاب من حيث تنتظر الرحمة أفضع... أهول. وقال إمام الحرمين: لنعلم ذا كما سبق. وقال الفخر الرازي: أن يأتيهم أمر الله. فأنت ترى من نقل هذا الرجل عن أسلافه في التعطيل... مدى ضرابهم في التخريج والتأويل. على أن الآيات صريحة في بابها لا تقبل شيئا من تلك التأويلات. فالآية الأولى تتوعد هؤلاء المصرين على كفرهم وعنادهم واتباعهم للشيطان بأنهم ما ينتظرون إلا أن يأتيهم الله عز وجل في ظلل من الغمام في فصل القضاء... وذلك يوم القيامة، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾. والآية الثانية أشد صراحة، إذ لا يمكن تأويل الإتيان فيها لأنه إتيان الأمر أو العذاب، لأنه ردد فيها بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات الرب سبحانه. وقوله في الآية التي بعدها: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، لا يمكن حملها على مجيء العذاب لأن المراد مجيئه سبحانه يوم القيامة لفصل القضاء، والملائكة صفوف إجلالا وتعظيما له. وعندما يجيء تنشق السماء بالغمام كما أفادته الآية الأخيرة، وهو سبحانه يجيء ويأتي وينزل ويدنو وهو فوق عرشه بائن من خلقه. فهذه كلها أفعال له سبحانه على الحقيقة، ودعوى المجاز تعطيل الله عن فعله. واعتقاد أن ذلك المجيء والإتيان من جنس مجيء المخلوقين وإتيانهم نزوع إلى التشبيه، نزوع إلى التشبيه يفضي إلى الإنكار والتعطيل. استمعنا الله خير. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لهذا الموضع: هذه الآيات لإثبات صفتي الإتيان والمجيء كما ذكر الشارح الهراس رحمه الله تعالى، وهي من الصفات الفعلية التي تتعلق بمشيئته جل وعلا: متى شاء يأتي، ومتى شاء يجيء جل وعلا. وأفعاله أفعال حكمة، يأتي لحكمة ويجيء لحكمة سبحانه وتعالى، ليس مجرد فعل أنه شاء يأتي فأتى أو شاء يجيء فجاء، وإنما يأتي ويجيء كل ذلك لحكم لأنه جل وعلا الحكيم الذي له الحكمة وأفعاله أفعال حكمة سبحانه وتعالى. وأهل السنة والجماعة يثبتون هذه الصفات الفعلية كما أنهم يثبتون الصفات الذاتية كالوجه واليدين وغيرهما، كذلك يثبتون الصفات الفعلية: الإتيان والمجيء، وما سبق: الرضا والسخط والنزول والاستواء إلى آخر ذلك من الصفات الفعلية، لأن الأدلة في كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام دلت على ذلك. فهم يثبتون هذه الصفات على ما يليق بالله جل وعلا ثبوتا بلا تمثيل، تنزيها بلا تعطيل، خلافا لأهل التعطيل والتأويل والإلحاد الذين عطلوا الله جل وعلا عن صفاته. وأشار الشارح رحمه الله تعالى هنا، ونقل عن واحد من زعماء أهل التعطيل وحامل لوائهم في العصر المتأخر، وهو زاهد الكوثري، الذي هو حامل هذا اللواء، سلفه الجهم بن صفوان وغيره من أئمة التعطيل. زاهد الكوثري حامل لواء التعطيل والإلحاد في هذا العصر المتأخر. وذكر عنه قال: والعلم... من المناسب أن ننقل إلى القارئ هنا ما كتبه حامل لواء التجهم والتعطيل في هذا العصر، وهو المدعو زاهد الكوثري. هو محمد زاهد بن حسن بن علي الكوثري، عندكم ترجمة في غالب النسخ تقريبا، وبعض النسخ ما فيها. نعم، فهو محمد زاهد بن حسن بن علي الكوثري، وله ترجمة في "الأعلام" للزركلي، ترجمة له، وحامل لواء للإلحاد والتجهم والتعطيل في هذا العصر. قد حشى كتاب "الأسماء والصفات" بالبيهقي رحمه الله تعالى بتعليقات أثيمة، يستدل بها أو يؤول هذه النصوص التي ذكرها البيهقي رحمه الله تعالى إلى تأويلات باطلة. فحش هذا الكتاب الذي هو كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي رحمه الله تعالى لهذه التعليقات، فيحذر طالب العلم منها. وذكر هذا الكوثري في حاشيته على كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي قال ما نصه: قال الزمخشري... نقل عن الزمخشري، والزمخشري معتزلي، وهو إمام لزاهد الكوثري، وهو معتزلي قد حشى تفسيره بالمعتزليات، لكن هذه المعتزليات لا يعرفها أي أحد. وذلك قال بعض العلم: فيه من الاعتزاليات ما لا تخرج إلا بالمناقيش... إلا بالمناقيش. فربما الحسّان يقرأ في تفسير الزمخشري ويقول: إيش في هذا؟ ما في شيء. لماذا؟ لأنها دقيقة، فهو يدس هذه الاعتزاليات في كلامه، فالذي عنده علم يدرك هذه الأشياء، أما الذي هو قليل العلم فربما يقرأ ويقول: لا شيء في ذلك. والزمخشري كما هو عندكم: هو أبو القاسم محمد بن عمر بن محمد الخوارزمي، هو من كبار المعتزلة، له تفسير المشهور وهو "الكشاف" الذي شحنه بالاعتزاليات، وله ترجمة في "سير أعلام النبلاء" للذهبي. نقل عن الزمخشري قال في تفسير هذه الآيات: إن الله يأتي بعذاب، يعني في تفسير قوله جل وعلا: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾، فسر إتيان الله جل وعلا في هذه الآية بمجيء العذاب، بمجيء العذاب: إن الله يأتي أي يأتي بعذاب في الغمام، يأتي بالعذاب في الغمام، يعني في السحاب. الغمام هو السحاب كما في "مختار الصحاح". فالله يأتي بعذاب في السحاب الذي ينتظر منه الرحمة، يعني الكفار هؤلاء يتوعدهم الله يوم القيامة الذين أصروا على كفرهم وعنادهم، يوم القيامة ينتظرون الرحمة، والله جل وعلا يأتيهم بعذاب في الغمام، أي في السحاب. وينتظرون... ينتظرون الرحمة، فيأتيهم ماذا؟ فيأتيهم العذاب. ينتظر الرحمة فيأتيهم العذاب، فينتظروا من الغمام ومن السحاب الرحمة، فيكون مجيء العذاب من حيث تنتظر الرحمة... ومنتظر الرحمة، نعم، فيكون مجيء العذاب من حيث تنتظر الرحمة أفضع وأهول، أي أن هذا العذاب فضيع وهو أهول كذلك. فانظروا إلى هذا التعطيل: عطل إتيان الله جل وعلا بإتيانه جل وعلا بالعذاب، أي يأتي بالعذاب في السحاب، ليس هو يأتي، وإنما يأتي بالعذاب في السحاب، يأتي بالعذاب في السحاب. وذكر عن إمام الحرمين وهو الجويني رحمه الله تعالى، أبو المعالي، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، وهو أشعري، قد ترجم له الذهبي في "السير"، لكن رجع في آخر عمره حتى أنه تمنى أن يموت على عقيدة أمه وعلى عقيدة عجائز نيسابور. وقال: الفائز الفائز على عقيدة العجائز، الفائز في علم الكلام على عقيدة العجائز، يعني يقضي الوقت الطويل في علم الكلام، والذي هو فائز منهم من كان على عقيدة العجائز، يعني ما استفادوا شيئا، ما استفادوا شيئا كل تلك الأزمنة في علم الكلام وفي قواعد... وهو إلى آخر ذلك، الذي نجح هو أن سلم اعتقاده بأن كان... بأن كان موافقا لاعتقاد من العجائز، هذا الذي سلم. معناه ما في فائدة، ويريد أنهما لا فائدة، لا فائدة، وذلك تمنى أن يكون على عقيدة العجائز في آخر عمره، حتى قال: فإن لم يرحمني الله ويتداركني الله... يداركني الله برحمته، فالويل لابن الجوزي... وها أنا أموت على عقيدة أمي أو على عقائد عجائز نيسابور. ونقل هنا هذا الكوثري المعطل عن إمام الحرمين في معنى الباء كما سبق، يعني كما ذكره الزمخشري، لعله يريد الآية الأخيرة، وقوله جل وعلا: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ﴾. بالغمام... الباهتة بالغمام. شيخ الإسلام ذكر هذه الآية مستشهدا بها على إثبات صفة المجيء، على إثبات صفة المجيء، معنى لم يذكر فيها المجيء، لم يذكر فيها المجيء، لكن الآية دالة على ذلك، دالة على ذلك لأن قوله جل وعلا: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ﴾، أي أن تشقق السماء يكون لإتيانه جل وعلا ومجيئه جل وعلا. فالله جل وعلا حين يجيء يوم القيامة ويأتي لفصل القضاء، تشقق السماء، تشقق السماء... السماء تشقق بمعنى تنشق، لكن شيئا فشيئا، فهو أبلغ من تنشق. تشقق أبلغ من تنشق لأن تنشق تنشق مباشرة، لكن تشقق معناها تنشق شيئا فشيئا، وهذا أبلغ في تأثر هذه السماء، نعم، وأبلغ أثرا لمجيئه جل وعلا سبحانه وتعالى لفصل القضاء. فلما قال جل وعلا: ﴿ بِالْغَمَامِ ﴾، فالمعنى أنه يجيء جل وعلا يوم القيامة، نعم، في ظلل من الغمام، في ظلل من الغمام، كما دلت على ذلك الآية السابقة، كما دلت على ذلك الآية السابقة وهي قوله جل وعلا: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ ﴾. فمعنى "بالغمام" هو نفس المعنى: في ظلل من الغمام، كما قال مجاهد رحمه الله تعالى من أئمة التفسير، قد ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى، ذكر ابن كثير رحمه الله بتفسيره عند هذه الآية: ﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ﴾، قال: وقال مجاهد: وهذا مثل ما جاء في قوله جل وعلا: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾، يعني في معنى قوله "بالغمام" يعني إتيانه جل وعلا في ظلل من الغمام. لكن إمام الحرمين الجويني رحمه الله تعالى قال في الباء هنا مثل ما قال الزمخشري، مثل ما قال الزمخشري، يعني "بالغمام" يعني بالعذاب في الغمام، بالعذاب في... في الغمام، يعني يأتي بالعذاب في السحاب، يأتي بالعذاب في السحاب، فجعل الإتيان للعذاب، أضاف الإتيان للعذاب الذي في السحاب الذي يأتي به الله جل وعلا، وهذا تحريف وتعطيل، وهذا تحريف وتعطيل. وهنا معنى قوله جل وعلا: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ ﴾، ليست فيه للظرفية، ليست فيه هنا للظرفية بمعنى أن السحاب ضرف بمعنى أن السحاب ضرف لله جل وعلا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا من أن يحاط به شيء من خلقه، فليس معناه أن السحاب قد حاطت بالله والله في هذه الظلل التي هي ظلل من السحاب، لا. وإنما تفسير "في" إما بمعنى "على" أو بمعنى "مع"، "على" أو "مع"، لأن "في" تأتي بمعنى "على"، قال: ﴿ وَلَوْ وُصِلَ لَكُمُ الْمَاءُ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ يعني "على"، وقال جل وعلا: ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا ﴾ أي "على" مناكبها، أو تكون بمعنى "مع"، تكون للمصاحبة: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ ﴾ يعني "مع" ظلل، يعني مصاحبا، يكون مجيء الرب جل وعلا مصاحبا... لماذا؟ بالظلل معها، يعني بمعنى "معها" وليس معناه "في" للظرفية. وذكر هنا رحمه الله تعالى الشارح الهراس قال بعد ذلك: فأنت ترى من نقل هذا الرجل، أي الكوثري، عن أسلافه في التعطيل مدى الطراب في التخريج والتأويل. انظروا هذا يقول: يأتي الأمر، يأتي الأمر، وكما نقل هنا في آخره عن الفخر الرازي أنه يقول: يأتي أمر الله، يأتي أمر الله. الفخر الرازي مترجم عندكم: محمد بن عمر بن الحسين القرشي، قال الذهبي في "السير": وقد بدت منه تواليف في تواليفه بلايا وعضايا إلى آخر ذلك، ولكن مات على سيرة حميدة، على طريقة حميدة، تراجع في آخر حياته. قال: على أن الآيات صريحة في بابها لا تقبل شيئا من تلك التأويلات، فالآية الأولى... فالآية الأولى تتوعد هؤلاء المصرين على كفرهم وعنادهم واتباعهم للشيطان بأنهم ما ينتظرون إلا أن يأتيهم الله عز وجل في ظلل من الغمام لفصل القضاء بينهم، وذلك يوم القيامة، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾، بفصل القضاء، يقضى ذلك الأمر ويفصل بينهم ربنا جل وعلا، يفصل بين العباد جل وعلا يوم القيامة. والآية الثانية أشد صراحة، إذ لا يمكن تأويل الإتيان فيها بأنه إتيان الأمر كما نقل الكوثري عن الفخر الرازي، لماذا؟ أو العذاب، قال: لأنه ردد فيها بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات الرب سبحانه، يعني ذكر في الآية إتيان الرب، وذكر في الآية إتيان الملائكة، وذكر في الآية إتيان الأمر، فهذا يدل على أن هذه الأمور كلها ثابتة: إتيان الأمر، إتيان الملائكة، إتيان الرب جل وعلا. وقد نقل في هذه النسخة عندي إسماعيل الأنصاري المعلق على هذه النسخة قال: نقل عبد المقيم في "مختصر الصواعق"، قال: قال ابن القيم في "الصواعق المرسلة" على الجهمية والمعطلة: والمعطلة فرق، أي الله... عزيزي الفرق بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات الرب، فقسم ونوع، أي نوع هذا الإتيان، فليس هو إتيان واحدا، إنما نوع وقسم هذا الإتيان. قالوا: مع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدا، يعني يمتنع أن يكون إتيان الرب هو إتيان الملائكة، نعم، أو إتيان الأمر، للتنويع والتقسيم، للتنويع والتقسيم، نوع الله جل وعلا وقسم، جعل الإتيان على ثلاثة أقسام: بسم الأول إتيانه، ثاني إتيان الملائكة، الثالث إتيان بعض آياته جل وعلا، وقال: فتأمله، يمتنع أن يكون القسمان واحدا، فتأمله. قالوا: لهذا منع عقلاء الفلاسفة حمل مثل هذا اللفظ على مجازه. قالوا: هذا يا به التقسيم والترديد والاضطراد، يعني عقلاء الفلاسفة منعوا أن يكون المراد هنا بإتيان الرب جل وعلا إتيان الأمر، لماذا؟ لأنه في الآية ذكر إتيان الأمر وذكر إتيان الملائكة، فدل هذا على أن المراد إتيان الرب جل وعلا، ليس المراد بإتيان الرب جل وعلا إتيان الأمر، وأن إتيان الرب في هذه الآية مجاز، لا، لماذا؟ لأنه إذا كان المراد إتيان الرب إتيان الأمر، وأن إتيان الرب في الآية إنما هو مجاز، لما ذكر... لما ذكر في الآية إتيان الأمر وهو إتيان بعض آيات ربك، لأن معنى إتيان بعض آيات ربك إتيان أمره جل وعلا، إتيان أمره جل وعلا، لأن إتيان بعض آياته المراد بذلك طلوع الشمس من مغربها، ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾، كما فسر ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فإتيان بعض آيات ربك هو إتيان بعض أمره وإتيان أمره جل وعلا بطلوع الشمس من مغربها، في أمر الله جل وعلا الشمس بأن تطلع من المغرب، فإذا جاء هذا الأمر من الله جل وعلا للشمس بأن تطلع من المغرب، فهذا الوقت لا تنفع التوبة، لا تنفع التوبة. فلو كان مراد بإتيان الرب إتيان الأمر، لما ذكر في الآية، فلما ذكر في الآية دل على أن المراد إتيان الرب جل وعلا، لا مجاز، لا مجاز. وهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في "الصواعق المرسلة". وإذن يقال: إذا كان مراد إتيان الأمر، فالله جل وعلا حين أراد أن يبين أن المراد إتيان الأمر قال: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾، ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾، فلا تستعجلوه، فلما قال: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾ دليل واضح على إتيان أمره، نعم، لو كان المراد إتيان الأمر لقال هنا: يوم يأتي أمره، نعم، فلما جاء التصريح بإتيان أمره دل في موضع آخر في كتاب جل وعلا، دل هذا على أن المراد بإتيان ربك يوم يأتي... هذا ينظرنا إلا أن يأتيهم الله، المراد بذلك إتيانه جل وعلا، فهو الذي يأتي سبحانه وتعالى. أيضا ذكر ابن القيم رحمه الله في "مختصر الصواعق" كذلك فائدة في هذا: متى يكون المراد بالإتيان إتيان العذاب أو إتيان الرحمة أو إتيان الأمر، ومتى يكون المراد بالإتيان إتيانه جل وعلا هو؟ فذكر أن الإتيان إذا أطلق فالمراد به إتيان الرب جل وعلا، الإتيان إذا أطلق، وكذلك المجيء، فالمراد به إتيان الرب جل وعلا ومجيء الرب جل وعلا. وأما إذا قيد وهو الذي يتعدى، فيكون المراد بالإتيان إتيان العذاب، يكون المراد بالإتيان إتيان العذاب. فمثلا قال جل وعلا: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ ﴾، فأتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم السقف، فهنا: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم ﴾، طيب، هل معنى "أتى الله" يعني أتى الله جاء الإتيان؟ لا، المراد هنا إتيان العذاب، إتيان العذاب، لماذا؟ لأنه قيد، لأنه قيد، وأيضا هو متعدي، هو متعدي، قال جل: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم ﴾، فالإتيان تعدى... ماذا؟ القواعد، تعدى القواعد، فدل ذلك على أن معنى الإتيان أي العذاب، أي إن الله جل وعلا... أي أن هؤلاء أتاهم عذاب الله، أتاهم عذاب الله على قواعدهم، فأتاهم العذاب على قواعدهم، علىصولهم، نعم. ففرق ابن القيم رحمه الله تعالى، وهذه فائدة، بين الإتيان الذي يأتي في القرآن بمعنى إتيان العذاب وإتيان الرحمة، وبين الإتيان الذي هو المراد به إتيان الرب جل وعلا. فالإتيان إذا أطلق فالمراد به إتيان الرب جل وعلا، مثل هذه الآية: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾، الآن الإتيان... قيد؟ والله أطلق، أطلق، فالمراد به إتيان... من إتيان الرب جل وعلا. وهناك: ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ ﴾، أطلق؟ لا، قيد، قيد، فإذا هو بمعنى إتيان العذاب، أي أتاهم عذاب الله على قواعدهم، تمام. وكذلك يأتي الإتيان، نعم، يضاف إليه جل وعلا، نعم، مثلا: يأتي الله بالفتح، مثلا، فالله جل وعلا يأتي بالفتح، من بالفتح وأمره من عنده، فأضاف الإتيان إليه، نعم، أضاف الإتيان إليه جل وعلا، فهل معنى هو الذي يأتي؟ نعم، أو أمره بالفتح؟ ها، أمره بالفتح، أمره بالفتح، وإنما أضاف جل وعلا الإتيان إليه لأن الفتح يأتي بأمر من... بأمر الله، لأن الفتح يأتي بأمر الله. ففي الآيات هنا الإتيان مطلق، الإتيان مطلق غير مقيد، فدل على المراد على أن المراد بالإتيان والمجيء مجيء الرب جل وعلا، ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ ﴾، نعم، أطلق، وهكذا في الآية كما سمعت: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ ﴾، ففرق بين هذا وهذا، فأولئك البدع لم يفرقوا بين هذا وهذا، ولذلك جعلوا إتيان الله هو إتيان الأمر أو إتيان العذاب أو إتيان الرحمة. ونصوص الشرع دلت على إثبات الإتيان للمجيء وللعذاب وللأمر وللملائكة وللرب جل وعلا: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ ﴾، والملائكة، وفي الآية الأخرى ذكر... في آيات... آيات ربك: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ ﴾، وأطلق الإتيان ووصف للرب جل وعلا، ﴿ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ﴾ يأتي ربك، وهذا واضح في الدلالة على إثبات الإتيان والمجيء له سبحانه وتعالى على ما يليق بالله جل وعلا، خلافا لهؤلاء أهل التعطيل الذين يسمون أنفسهم بأهل التأويل. وذكر هنا الشارح الهراس رحمه الله تعالى بعد ذلك قال: وقوله في الآية التي بعدها: ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، لا يمكن حمله على مجيء العذاب لأن المراد مجيئه... مجيئه سبحانه، لأن المراد مجيئه سبحانه يوم القيامة لفصل القضاء، والملائكة صفوف... والملائكة صفوف إجلاله تعظيما له عند مجيئه، وعند مجيئه تنشق... ولو قال "تشقق" أفضل، لأن لأنه النص الوارد في الآية "تشقق" ليس "تنشق"، ولأنه فرق بين "تنشق" و"تشقق"، لأن "تشقق" تنشق شيئا فشيئا، تنشق شيئا فشيئا، هذا أبلغ من "تنشق"، والمعنى صحيح. قال: ﴿ بِالْغَمَامِ ﴾ أي بالسحاب كما تقدم، كما أفادته الآية الأخيرة، وهو سبحانه يجيء ويأتي وينزل ويدنو وهو فوق عرشه بائن من خلقه، يعني نزوله ومجيئه لا ينافي علوه جل وعلا، بل هو جل وعلا في علوه ويأتي كيف شاء ويجيء وينزل سبحانه وتعالى مع إثبات العلو له جل وعلا. ولا نقول: هل إذا جاء يخلو منه العرش؟ نعم، أو لا يكون في العلو؟ هذا لا نقول ذلك، من هذا العلم، من قال: نقول يأتي ويجيء وينزل وهو في علوه، نعم. ومن علم من قال: يخلو منه العرش، وهذا أبعد الأقوال. ومن علم قال: هذا لا نتكلم فيه، لا نتكلم فيه، نقول: هو نثبت أنه ينزل ويجيء ويأتي، ولا نقول: هل إذا جاء وإذا نزل خلو منه العرش أم لا؟ فلا نتكلم فيه، هذا أسلس، هو الذي عليه ابن قدامة وجمع... منه، عمر... رجح العثيمين رحمه الله تعالى: المسائل التي لم يتكلم فيها السلف، السلف... أخبر الصحابة، أخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام، علموا من كتاب الله: ﴿ الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾، وأنه في العلو، وأخبرهم أن ينزل ثلث الليل الآخر، وهكذا، فهل قالوا: يا رسول الله، هل ربنا جل وعلا حين يأتي وحين يجيء وحين ينزل وحين يدنو، يخلو العرش أم لا؟ ما قالوا ذلك، فيسعنا ما وسع السلف، فيسعنا ما... فإذا قيل مثل هذا السؤال نقول: من كان أحرص منا لم يسأله، والواجب عليهم في ذلك ماذا؟ نسكت مع إثباتنا العلو، مع إثباتنا للعلو، كما قال هنا الشيخ الهراس ورحمه الله تعالى، لأن علوه جل وعلا ثابت، علوه جل وعلا ثابت، العلو العام على سائر المخلوقات والعلو الخاص على العرش، نعم، ولا ينافيه النزول والإتيان والمجيء. شيخ الإسلام له رسالة سماها "الرسالة العرشية"، شيخ الإسلام... من يقول: الله جل وعلا ينزل ويجيء ويأتي وهو على عرشه، وهو على عرشه، وهو القول الثاني في المسألة، الذي له حظ من النظر، والقول الذي به السلامة، الله أعلم، أن يقول مثل هذا: لا يقال يخلو أو لا يخلو، ونسكت كما سكت السلف، ويسعنا ما وسع السلف، والله أعلم. قال: الحمد لله، بعد ذلك... وطيب، واعتقاد أن ذلك المجيء والإتيان من جنس مجيء المخلوقين وإتيانهم نزوع إلى التشبيه، يعني حين عطل هؤلاء إنما نزعوا إلى التشبيه، نزعت قلوبهم إلى التشبيه، وتوهموا التشبيه، ظنوا أن إتيان الرب كإتيان المخلوق يستلزم الحركة، نعم، ويستلزم أن يكون جسما، فالأجسام هي التي تتحرك، فإذا الله قلنا يأتي يعني جسم، يعني يتحرك، نعم، لأن النظر إلى إتيان المخلوق إذا أتى وإذا جاء وإذا نزل معناه أنه يتحرك، والحركة إنما هي من أوصاف الأجسام، فإذا أثبتنا النزول والمجيء والإتيان لله عز وجل معناه جعلناه جسما، جعلناه جسما، فننزه الرب جل وعلا عن ذلك، فعطلوا هذه الصفات الفعلية عن الله جل وعلا لأنهم توهموا التشبيه، لأنهم نزعوا إلى التشبيه، ولذلك عطلوا بعد ذلك وأنكروا وعطلوا. طيب، انتهى. نعم، باقي وقت، باقي وقت، كم؟ أربع دقائق، جن، أربع دقائق، نقرأ فيها في الدرس الغد إن شاء الله، نبدأ مباشرة الشرح. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وقوله: ﴿ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: ﴿ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ﴾ إلى آخره، فضمنت هاتان الآيتان إثبات صفة الوجه لله عز وجل، والنصوص في إثبات الوجه من الكتاب والسنة لا تحصى كثرة، وكلها تنفي تأويل المعطلة الذين يفسرون الوجه بالجهة أو الثواب أو الذات، والذي عليه أهل السنة أن الوجه صفة غير الذات، ولا يقتضي إثباته كونه تعالى مركبا من أعضاء كما يقوله المجسمة، بل هو صفة لله على ما يليق به، فلا يشبه وجها ولا يشبه وجه. واستدلت المعطلة لهاتين الآيتين على أن المراد بالوجه الذات، إذ لا خصوص للوجه في البقاء وعدم الهلاك، ونحن نعارض هذا الاستدلال بأنه لو لم يكن لله عز وجل وجه على الحقيقة لما جاء استعمال هذا اللفظ في معرفة... لما جاء... جاء، ولا جاء... جاء، جاء، جائز، جاء، جاء، طيب، وكله جائز، إذا كان جائز أو جاء، جاء، طيب. قال: ونحن نعارض هذا الاستدلال لأنه لو لم يكن لله عز وجل وجه على الحقيقة لما جاء استعمال... لما جاء... كله صحيح، لما جاء استعمال هذا اللفظ في معنى الذات، إن اللفظ الموضوع لمعنى لا يمكن أن يستعمل في معنى آخر إلا إذا كان المعنى الأصلي ثابتا للموصوف حتى يمكن للذهن أن ينتقل من الملزوم إلى لازمه. على أنه يمكن دفع مجازهم بطريق آخر، ويقال: إنه أسند البقاء إلى الوجه ويلزم منه بقاء الذات، بدلا من أن يقال: أطلق الوجه وأراد الذات. وقد ذكر البيهقي نقلا عن الخطابي أنه تعالى لما أضاف الوجه إلى الذات، وأضاف النعمة إلى الوجه، فقال: ﴿ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾، دل على أن ذكر الوجه ليس بزلة، وأن قوله: ﴿ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾ صفة للوجه، والوجه صفة للذات، حقا. وكيف يمكن تأويل الوجه بالذات أو بغيرها في مثل قوله عليه السلام في حديث الطائف: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات» إلى آخره، وقوله فيما رواه أبو موسى الأشعري: «حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه من انتهى إليه بصره من خلقه». طيب، هذا يطول الكلام فيه. بصر الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. شكرا، شكرا، شكرا، شكرا، شكرا.