الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 7، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يتناول المقطع بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة واستقرار ذريتهما في مكة، ويوضح أن الأنبياء من بعد إبراهيم كانوا من ذرية إسحاق إلا النبي محمد صلى الله عليه وسلم فهو من ذرية إسماعيل، كما يذكر قصة عمرو بن لحي الذي أدخل الشرك إلى الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية.
يشرح المقطع كيف أدخل عمرو بن الحارث صنم هبل إلى الكعبة ودعا أهل مكة للشرك فتبعوه، وانتشر الشرك في الحجاز مع بقاء بقايا من ملة إبراهيم، ويبين فساد تلبيتهم الشركية ويرد عليها بآية ضرب المثل بالمملوك، ثم يذكر صنم مناة وتعظيم الأوس والخزرج له ونزول آية الصفا والمروة لإزالة حرجهم من السعي بينهما بعد الإسلام.
يستعرض المقطع نشأة أصنام اللات والعزى ومناة وعبادة القبور كرد على شبهات المشركين، ويصف تفشي الشرك في الحجاز قبل البعثة. ثم يبرز غربة الإسلام في بدايته بقلة الأنصار مثل أبي بكر وبلال، مستدلاً بحديث «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً» لتثبيت أهل التوحيد. ويختم بتحذير النبي ﷺ من اتباع سنن اليهود والنصارى في اتخاذ القبور مساجد، وهو أصل الشرك اللاحق.
يؤكد الشيخ أن الفرقة الناجية هم أهل التوحيد والثابتون على الحق، مستدلاً بحديث الافتراق، ويحذر من الاغترار بالكثرة أو تقليد الآباء، مبيناً أن فهم هذه المسألة والعمل بها هو الفقه الحقيقي والإسلام الصحيح.
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم"، وفي مقدمته التي ذكر فيها أطوار وأحوال الناس قبل البعثة، فذكر بناء البيت وقصة إبراهيم عليه السلام مع ولده إسماعيل في بناء البيت، وفي وضعه مع أمه هاجر في تلك البقعة التي لا أنيس فيها ولا شيء، حتى نبع ماء زمزم، وجاء الناس، وكثر الناس، وبني بيت الله الحرام. قال رحمه الله: فصارت ولاية البيت ومكة لإسماعيل لأنه الذي بناه مع أبيه، ثم لذريته من بعده، لأن إسماعيل تزوج من جرهم كما تقدم، ومعا انتشر ذريته في الحجاز، وكثرهم، يعني حوالي مكة مما يشمل الآن مثلا الرياض وتبوك وما حواليها، وكثر الناس، وكانوا على الإسلام دين إبراهيم وإسماعيل قرونا كثيرة، ودين إبراهيم وإسماعيل دين الإسلام، التوحيد الخالص لله عز وجل، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، فظل الناس على هذه العقيدة قرونا كثيرة. قال: ولم يزالوا على ذلك حتى كان في آخر الدنيا، يعني في آخر الزمان، وقبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، نشأ فيهم عمرو بن لحي، فابتدع الشرك، وغير دين إبراهيم، وتأتي قصته إن شاء الله، يعني بدأ الشرك يدب في المجتمع، وستأتي قصته كما ذكر. قال: وأما إسحاق عليه السلام فإنه بالشام، لأن إسحاق من سارة، فسكن معها في الشام، قال: وذريتهم بنو إسرائيل والروم، ذرية إسحاق، بنو إسرائيل والروم. أما بنو إسرائيل فأبوهم يعقوب عليه السلام بن إسحاق، فإسحاق ولد يعقوب الذي هو إسرائيل الذي منه اليهود، وأما الروم فأبوهم عيص بن إسحاق، يعني من ذرية إسحاق، من ذرية إسحاق. قال: ومما أكرم الله به إبراهيم عليه السلام أن الله لم يبعث بعده نبيا إلا من ذريته، فمثلا إسماعيل نبي، إسحاق نبي، وهؤلاء أولاد إبراهيم، يعقوب نبي وهو كذلك من ذرية إبراهيم لأنه من ذرية إسحاق، إسحاق بن إبراهيم، وهكذا الأنبياء بعده كيوسف عليه السلام ومن ذرية إبراهيم، وهكذا، وهذا مما أكرم الله به إبراهيم عليه السلام أن الله لم يبعث بعده نبيا إلا من ذريته، كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ﴾. قال: وكل الأنبياء والرسل من ذرية إسحاق، يعني ممن بُعثوا قبل النبي عليه الصلاة والسلام وبعد إبراهيم، كلهم هؤلاء من ذرية إسحاق، من ذرية إسحاق. قال: وأما إسماعيل فلم يبعث من ذريته إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بعثه الله إلى العالمين كافة، فيقال: فيقال الأنبياء قبل نبينا محمد وبعد نبينا إبراهيم كلهم من ذرية من؟ إسحاق. وأما نبينا محمد عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء والمرسلين فهو من ذرية إسماعيل، فهو من ذرية إسماعيل. قال: وكان من قبله من الأنبياء، يعني من كان قبل نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، يعني إلى جماعته أو قريته، أو يعني حي أو نحو ذلك، هذا قبل نبينا. أما نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، قال: وفضله الله على جميع الأنبياء بأشياء غير ذلك، يعني أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة، لم يبعث إلى قومه فقط عليه الصلاة والسلام، ولم يبعث إلى العرب فقط، بل بعث إلى العرب والعجم، وإلى جميع العالمين، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾، إلى جميع الناس عليه الصلاة والسلام. قال: وَأَمَّا قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحُوَيْبِ، وهو أول من أدخل الشرك إلى الجزيرة، وغير بذلك دين إبراهيم. قال: وَأَمَّا قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْحُوَيْبِ وَأَمْرِ بْنِ الْحُوَيْبِ وَتَغْيِيرُهُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ نَشَأَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ من المعروف والصدقة، يعني كان عمرو بن الحارث صاحب دين يعمل المعروف والصدقة، وَالْحِرْصَ عَلَى أُمُورِ الدِّينِ، يعني ما ورثه الناس من دين إبراهيم، فأحبه الناس حبا عظيما، وهذه طبيعة الناس، من يبذل المعروف والخير ويحرص على الدين فإنه يكون محبوبا بين الناس، فأحبه الناس حبا عظيما، ودانوا له لأجل ذلك، يعني جعلوه واليا عليهم وأميرا عليهم، حتى ملكوه عليهم، وصار ملك مكة وولاية البيت بيده، هو الذي يسير الناس، وكذلك يدين له الناس، أو يدين له الناس. قال: وظنوا أنه من أكابر العلماء وأفاضل الأولياء، ثم إنه سافر إلى الشام، فرآهم يعبدون الأوثان، فاستحسن ذلك، وظنه حقا، فالشام ظهر فيها الشرك، ظهر فيها الشرك والأوثان، فلما ذهب ورأى ذلك استحسنه، لماذا؟ قال: لأن الشام محل الرسل والكتب، فهناك أنبياء كثر بعثوا من ذرية إسحاق، فكانت العرب تعظم مهبط الرسالات ومبعث الأنبياء بالشام، قال: فلهم الفضل بذلك على أهل الحجاز وغيره، فرجع إلى مكة، أي عمرو بن الحارث، وقدم معه بهبل، يعني صنم، وجعله في جوف الكعبة، يعني في وسط الكعبة، ودعا أهل مكة إلى الشرك بالله، فأجابوه لأنهم يعتبرونه معظما عندهم ومبجلا وعالما وفاضلا، فلما دعاهم إلى ذلك أجابوه. قال: أهل الحجاز في دينهم تبعوا لأهل مكة، تقدم معنا الحجاز ما حوالي مكة من القرى والمدن الخريبة منها، لأنهم ولاة البيت أهل الحرم، فتبعهم أهل الحجاز على ذلك، كل الناس فعلوا فعل عمرو بن الحارث، ظنا أنه الحق، فلم يزالوا على ذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بدين إبراهيم عليه السلام، وإبطال ما أحدثه عمرو بن الحارث. فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام كان الشرك منتشرا، والأصنام حول البيت الحرام، وهكذا جعلوا لهم، أي المشركون، في كل قرية وبلدة صنما ووثنا يعبد من دون الله. قال: وكانت الجاهلية على ذلك، وفيهم بقايا من دين إبراهيم لم يتركوه كله، يعني أنهم تمسكوا ببعض ما كان من دين إبراهيم، مثل الصلاة عند البيت، والطواف، والوقوف بنعم، عرفة ومزدلفة ومنى، وبعض ما يحفظون ويعلمون من دين إبراهيم، وأفراد قليلون بقوا على دين إبراهيم وعلى التوحيد، ومنهم ورقة بن نوفل، كما جاء في السيرة، وكما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. قال: وأيضا يظنون أن ما هم عليه، وأن ما أحدثه عمرو بدعة حسنة، يعني ليس أمرا مخالفا لدين إبراهيم، بل هو بدعة، شيء جديد، لكنه حسن، مثل ما يقول الآن عباد القبور الصوفية، يأتون بأعمال لم تكن على دين محمد عليه الصلاة والسلام، ويقولون: هذه بدعة حسنة، هذه بدعة حسنة، ليس في الدين بدعة حسنة، ليس في الدين بدعة حسنة، وإذا قالوا: أن ما أحدث عمرو بدعة حسنة، لا تغير دين إبراهيم، هكذا كانوا يظنون، وبئس ظنهم ذلكم الظن. قال: وكانت تلبية نزار: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، وهذه التلبية هي عين الشرك، لبيك لا شريك لك، أي يا الله، إلا شريك هو لك، يعني أنت الذي خلقت ونحن نعبده، إذن كيف إله وهو مخلوق؟ ولذلك ألزمهم الله عز وجل في آيات كثيرة بأن يفردوه بالعبادة، لأنه هو الخالق سبحانه وتعالى، وغيره المخلوق، فكيف يعبد أي ذلكم المخلوق؟ قال: فأنزل الله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾، هذا مثل ضربه الله عز وجل لإبطال الشرك وعبادة الأصنام، فخاطب هؤلاء بقوله: ضرب لكم مثلا من أنفسكم، انظروا إلى أنفسكم، هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم؟ أنت إذا تملك عبدا تملكه يعمل عندك، وأنت معك المال، ومعك الرزق، ومعك البيت، ومعك الخيل، ومعك الإبل، ومعك الغنم، فهل تجعل هذا العبد شريكا لك في هذا المال؟ ها، تجعله شريكا لك؟ فكيف أنتم تقولون: إلا شريكا هو لك؟ وهذا العبد الذي تملكونه لا تشاركونه في أموالكم، ﴿ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ﴾، ما تملكونه تجعلونه لعبيدكم ومماليككم؟ ﴿ وَتَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾، هل تخافون من هذا العبد كخيفتكم من أنفسكم؟ لا، ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾، هذا فيه إبطال للشرك وعبادة غير الله عز وجل، وأن المتفرد بالخلق والملك، والذي يجب أن تصرف له العبادة. قال: ومن أقدم أصنامهم مناة، وهذا ذكرت في القرآن: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾، فمناة هذه ما هي؟ قال: ومن أقدم أصنامهم مناة، وكان منصوبا على ساحل البحر بقديد، وهو موقع بين مكة والمدينة، تعظمه العرب كلها، لكن الأوس والخزرج كانوا أشد تعظيما له من غيرهم، وبسبب ذلك أنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾، وكما جاء في أسباب النزول، وذكره شيخنا رحمه الله، أن الأنصار قبل إسلامهم كانوا يهلون من مناة، يهلون من مناة، ويطوفون حولها، فلما أسلموا وذهبوا إلى الحج أو العمرة، وسعوا بين الصفا والمروة، بعضهم شعر بالحرج، لأنه كان يهل من ماذا؟ مناة، وهي صخرة كما جاء، فكيف الآن يطوفون ويسعون من الصفا والمروة؟ فشعروا بشيء من الحرج، فقالت عائشة: هذه الآية نزلت في ذلك، يعني ليس عليكم حرج أن تسعوا بين الصفا والمروة، فليس هذا كما كنتم تعملون في الجاهلية عندما تهلون من مناة، هذا هو المعنى. قال: ثم اتخذوا اللات بالطائف، وقيل إن أصله رجل صالح كان يلد السويق، يعني يخلط السويق وهو الحنطة والشعير مع التمر، ويقدمه للحجاج، وقد جاءت قراءة بالتشديد: ﴿ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ ﴾، وجاءت قراءة بالتخفيف، فعلى قراءة التشديد هو بهذا المعنى، أنه رجل صالح كان يلد السويق، يلد من الفعل لَتَ، يلد بتشديد التاء، فمات هذا الرجل، فعكفوا على قبره، يعني اتخذوه إلها من دون الله، وهذا فيه رد على عباد القبور الذين يقولون: الآيات التي نزلت في القرآن وفيها ذم الشرك إنما هو ذم عبادة الأصنام، قال لهم: ماذا تقولون في هذه الآية على هذه القراءة؟ فهم يعبدون هذا الرجل الصالح، كما أنكم تعبدون هذا المقبور الذي تزعمون أنه صالح، فلا فرق بينكم وبين هؤلاء. قال: ثم اتخذوا العزى بوادي نخلة بين مكة والطائف، يعني موضع اسمه وادي نخلة يكون بين مكة والطائف، يعني أقرب إلى مكة، فهذه الثلاثة أكبر أوثان، ولذلك ذكرت في القرآن: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾، الآية. قال: ثم كثر الشرك، وكثرت الأوثان في بقعة من الحجاز، وكان لهم أيضا بيوت يعظمونها كتعظيم الكعبة، وكانوا كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾، هذا هو شاهده من هذه الآية، ﴿ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ ﴾، يعني قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام، ﴿ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾، وصف هذا الضلال بأنه ضلال ظاهر، واضح، بين، فيشمل ذلك عبادة الأصنام والأوثان، والقتل والقتال، والفواحش، والمظالم، ضلال مبين، عظيم، واضح، بين، فهذا كله كالتوطئة من الشيخ لوصف المجتمع قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الله، اشتد إنكار الناس له، علماؤهم وعبادهم وملوكهم وعامتهم، حتى إنه لما دعا رجلا إلى الإسلام، قال له: من معك على هذا؟ قال: حر وعبد، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال رضي الله عنهما، ومن هذا الرجل من يذكر اسمه؟ قال: حتى إنه لما دعا رجلا إلى الإسلام، قال له، يعني هذا الرجل قال للنبي عليه الصلاة: من معك على هذا؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: حر وعبد، فمن هذا الرجل؟ نعم، عمرو بن عبسة، فآمن بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: اذهب إلى قومك، فإنك لا تستطيع أن تقيم، بمعنى هذا المعنى، لغربة الإسلام، ففسر الحر بأبي بكر الصديق، وفسر العبد ببلال، انظر أول الإسلام كان المؤمنون يعتدون بالأصحاب، أبو بكر، بلال، علي، خديجة، يعني أناس قلائل، هؤلاء المسلمون في ذاك الزمان، غربة وشدة، حتى أن من أراد الإسلام لا يستطيع أن يقيم في مكة لشدة البلاء، فلذلك ماذا قال الشيخ محمد عبد الوهاب هنا؟ قال: وأعظم فائدة لك أيها الطالب، وأكبر العلم، وأجل المحصول، إن فهمت ما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، بدأ الإسلام غريبا، ما دخله إلا حر معه، وكل الناس في ذاك الزمان على غير الإسلام، فالشيخ أراد أن يثبت أهل التوحيد في زمانه، ممن سار على هذه الدعوة، وكانوا قليلين، كما مر معنا في ترجمة شيخ محمد عبد الوهاب، كان في غربة، وفي شدة من أبيه، ومن أهل مجتمع، ولم يكن معه على التوحيد إلا أفراد، فخاطبهم بهذا الخطاب: وأعظم فائدة لك أيها الطالب، يا من وفقك الله لتحقيق التوحيد، ومعرفة الحق والسنة، وأكبر العلم، وأجل المحصول، إن فهمت ما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: بدأ الإسلام غريبا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وسيعود غريبا كما بدأ، وقد عاد غريبا في زمن الشيخ، وفيما بعد، وفي أزمان كثيرة، إلى يومنا الآن، المسلم المتمسك بدينه في غربته، غربته في توحيده، غربته في عبادته، غربته في تمسكه، غربته في طلبه للعلم، غربته في بيته، غربته في وظيفته، في شارعه، في سوقه، في جميع شؤون حياته، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام: وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، والحديث في مسلم. قال: وقوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»؟ بمعنى أن المشركين في ذاك الزمان إنما اتخذوا سنن من كان قبلهم، لأن عمرو بن الحارث أتى بالشرك من الشام، وهكذا من جاء بعدهم في زمن الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله، ما وقعوا فيما وقعوا فيه من الشرك وعبادة القبور إلا باتباعهم لسنن اليهود والنصارى، فعبادة القبور من سنن اليهود والنصارى، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، قبور أنبيائهم مساجد. قال: وقوله: «ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة»، الشيخ في هذه الأحاديث يثبت أتباع أهل التوحيد، وأنهم هم أهل الحق، وهم الفرقة الناجية، والطائفة المنصورة، وهم الثابتون على التوحيد والحق، وهم الغرباء، فليتذكر غربة الإسلام في بدايته، في بدايته، هذا ما أراده الشيخ، وهذا مما امتاز به هذا الكتاب، كيف يربط السيرة بالواقع الذي يعيشه، كيف استغل هذا الموقف في بيان ما عليه أهل الجاهلية، في تثبيت أتباعه، وفي كذلك تذكيرهم بأول الإسلام. قال: فهذه المسألة أجل المسائل، فمن فهمها فهو الفقه، لا تغتر بالكثرة، ولا تغتر كذلك بما عليه الآباء والأجداد، وإنما العبرة بالحق، فمن فهم هذه المسألة فهو الفقه، ومن عمل بها فهو المسلم، فنسأل الله الكريم المنان أن يتفضل علينا وعليكم بفهمها والعمل بها، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى.