شرح مختصر سيرة الرسول  39

شرح مختصر سيرة الرسول 39

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 39، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

سبب عدم إرسال الآيات للمكذبين وعاقبة تكذيبهم

يوضح المقطع أن الله امتنع عن إرسال الآيات المقترحة من المشركين لأن الأمم السابقة كذبوا بها واستحقوا العذاب. وأن إظهار الآيات لا يضمن الإيمان وقد يؤدي إلى استئصال المكذبين، فآثر الله إمهال هذه الأمة رحمة بها.

رد شبهات المشركين بطلب الآيات وعاقبة تكذيبهم

يشرح المقطع كيف طلب المشركون آيات حسية كإنزال ملك أو تفجير ينابيع، وبين القرآن أنهم لو جاءتهم الآيات لكذبوا بها. وأن إنزالها دون إيمان يستوجب عذاب الاستئصال، والحجة قائمة بالقرآن وآيات النبي دون حاجة لتلبية طلباتهم.

حكمة جعل مكة بوادٍ غير ذي زرع وسيرة النبي الزاهدة

يبيّن المقطع حكمة الله في جعل مكة بوادٍ غير زراعي لئلا تختلط نية الحج بالدنيا، ويوضح أن زهد النبي في الجنات والقصور كان قدوة للأمة. كما يرد على طلبات المشركين وأهل الكتاب المعجزة مستدلاً بآيات القرآن التي بينت تعنتهم واستكبارهم.

حكمة إنزال الآيات وعقوبة من لا يهتدي بها

يوضح المقطع أن الآيات المقترحة لا تنفع من لا يهتدي بها، بل تستوجب عقوبة الاستئصال إذا لم يؤمنوا كما ورد في قوله تعالى. وإنزال مثل هذه الآيات يعد رحمة وحكمة عظمى من الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": سؤالهم الآيات، أي سؤال المشركين الآيات أن تنزل حتى يرونها بأم أعينهم لعلهم يؤمنون، وهم كاذبون كما سيأتي. قال: والله سبحانه قد يظهر الآيات الكثيرة مع طبعه على قلب الكافر، كفرعون. كم آية أظهرها الله عز وجل على يدي نبي الله موسى عليه السلام، ورآها فرعون رأي العين، ولكنه تكبر وتجبر وعاند وخاصم. فهذه العصا تنقلب إلى حية تسعى، بل وتلتقط وتلتقم كل الحيات التي ظهرت على يدي السحرة. آية عظيمة: يضع يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء. هذه آية رآها فرعون، فهل آمن أبدًا؟ كابر وعاند. قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ [الأنعام: ١٠٩]، يقسمون أنهم إذا جاءتهم آية وعلامة على صدق هذا الرسول فإنهم سيؤمنون، ولكنهم كاذبون، إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]. وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. طالما أن الأولين قد كذبوا الآيات، فما الفائدة في إظهار الآيات في المتأخرين؟ لأن حالهم سيكون كحال المتقدمين، فلا يؤمنون ولو رأوا من الآيات الشيء الكثير أبدًا. قال: بيّن سبحانه وتعالى أنه إنما منعه أن يرسل بها إلا أن كذب بها الأولون، فإن كذب هؤلاء كذلك استحقوا عذاب الاستئصال. ومعنى عذاب الاستئصال: تأتي الآية، فإذا كذبوا عذبوا وأخذوا وأهلكوا واستؤصلوا، كما جاء في القرآن في خبر الأولين: قوم فرعون، قوم صالح، قوم هود، وغيرهم من الأنبياء. قال: وروى أهل التفسير وأهل الحديث عن ابن عباس قال: سأله أهل مكة أن يجعل لهم الصفا ذهبًا، وأن ينحى عنهم الجبال حتى يزرعوا. فقيل له: إن شئت نستأني بهم، يعني نؤخرهم ولا نحقق لهم ذلك فلا يعذبون ولا يستأصلون، وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا. نظهر لهم هذه الآيات، فإن آمنوا فسيبقون، وإن كفروا فسيهلكون، كما هلك من قبلهم. فقال: بل أستأني بهم، يعني يؤخرون. فأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]. وهذا الحديث ذكره شيخنا الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند من أسباب النزول"، فهو حديث صحيح، ثبت في هذه الآية هذا السبب، قد مر معنا في قراءتنا لـ "الصحيح المسند من أسباب النزول". قال: وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: رحمة لكم أيها الأمة، إن لو أرسلنا بالآيات فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم. وكانت الآيات تأتيهم آية بعد آية فلا يؤمنون بها. قال تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤]. وهذا كلام الحسن رحمه الله، وهو قريب من المعنى المتقدم. قال: أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم فيعرضون عنها، وأنهم يكذبون بما جاءت به الرسل، كما أهلك الله من كان قبلهم بالذنوب التي هي تكذيب الرسل. فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩]، فيقيم الله عز وجل عليهم الحجة، ويرسل لهم الرسل، وينزل عليهم الآيات. قال: وأخبر بشدة كفرهم، لأنهم لو أنزل عليهم كتابًا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لكذبوا به. كتاب من الله مباشرة نزل وسقط من السماء، فإنهم لا يؤمنون به، لكذبوا به. وهذا في سورة الأنعام، هكذا نص الآية: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]. قال: وبيّن سبحانه أنه لو جعل الرسول ملكًا لجعله على صورة الرجل، إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، وحينئذ يقع اللبس عليهم. الآن الشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب يرد على هؤلاء الكفار في طلبهم لهذه الآيات. فهم قالوا: لماذا هذا الرسول الذي بُعث بُعث رجلًا مثلنا؟ لماذا ما ينزل إلينا ملك من الملائكة؟ فيقول الشيخ الإسلام: إنهم أصلًا لا يرون الملائكة في صورهم التي خلقوا عليها، فإذا نزل إليهم ملك في صورته لوقع اللبس عليهم، لظنهم الرسول بشرًا لا ملكًا. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، حتى تفجر لنا ينابيع من الأرض. قال: وهذه الآيات لو جيبوا إليها ثم لم يؤمنوا لأتاهم عذاب الاستئصال، وعرفنا ما معنى عذاب الاستئصال: يعني الهلاك، أن يهلكوا ويستأصلوا. قال: وهي لا توجب الإيمان. هذه الآيات لا يؤمن هؤلاء إذا رأوها، فما الفائدة من إنزالها؟ ولذلك طلب النبي عليه الصلاة والسلام من ربه أن يستأني بهم، يعني يؤخرهم، لأنه لا فائدة من نزول هذه الآية؛ تنزل فلا يؤمنون ولا يبقون بل يهلكون، فما الفائدة من ذلك؟ قال: وهذه الآيات لو جيبوا إليها ثم لم يؤمنوا لأتاهم عذاب الاستئصال، وهي لا توجب الإيمان، بل إقامة للحجة، والحجة قائمة بغيرها. قد قامت الحجة عليهم بغير هذه الآيات: القرآن أعظم آية، انشقاق القمر، نبع الماء من بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، آيات كثيرة ألف فيها العلماء ظهرت على يد النبي عليه الصلاة والسلام، فهل آمنوا؟ فكيف لو أجيبوا إلى كل آية يطلبونها فوقعت فلم يؤمنوا؟ قالوا: الحجة قائمة بغيرها. وأيضًا مما لا يصلح: فإن قولهم: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، يقتضي تفجيرها بمكة فيصير واديًا ذا زرع. والله سبحانه وتعالى قضى بسابق حكمته أن جعل بيته بوادٍ غير ذي زرع، لألا يكون عندهم ترغب النفوس فيه من الدنيا، فيكون حجهم للدنيا. وهذه أيضًا حكمة من الله أنه لم يجعل مكة أرض زرع وثمار ودنيا، بل تجلب إليها الثمار للأكل فقط، لكن للبقاء والإنشغال بهذا الزرع، فهذا لم يقع في مكة لحكمة أرادها الله، بيّنها المؤلف ها هنا، حتى لا ترغب النفوس في الدنيا فتأتي إلى مكة لا لحج بيت الله الحرام وإنما للتنزه مثلاً أو كذلك للتجارة والزرع ونحو ذلك. فرد المؤلف تحقيق هذه الآية بهذا الأمر الذي ذكره. قال: ﴿وَإِذَا كَانَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١]، كان في هذا من التوسع في الدنيا، معه جنة عظيمة من نخيل وعنب عليه الصلاة والسلام، فكان هذا من التوسع في الدنيا ما يقتضي نقص درجته عليه الصلاة والسلام. فهو نبي قدوة للأمة، فاختار الله له سبحانه وتعالى حياة الفقراء حتى يعلم الجميع أنه عليه الصلاة والسلام ما جاء من أجل هذه الدنيا والتوسع فيها وإيثارها والتلذذ بها، وإنما جاء ليدعو إلى دار الآخرة، إلى دار السلام. قال: وكذلك ﴿إِذَا كَانَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وهو الذهب، فنفس العلة: سيكون من الملوك الذين لهم في هذه الدنيا الأموال والبنيان والقصور والدور ونحو ذلك. قال: أما إسقاط السماء كسفًا، فهذا لا يكون إلا يوم القيامة، أما في الدنيا فما يكون. وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلًا، فهذا لما سأل قوم موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة، لما طلبوا مثل ذلك أو دونه أخذتهم الصاعقة. وكما قال موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، قال: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني. فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا، وخر موسى صعقًا. فلا يتأتى ذلك، بل يصعق من طلب ما كان دون ذلك، فكيف بهذا الطلب؟ وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [النساء: ١٥٣]، فقد سأل موسى أكبر من ذلك، فقالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣]. قال: بيّن سبحانه أن المشركين وأهل الكتاب سألوه إنزال كتاب من السماء، وبيّن أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك، وأنهم إنما سألوه تعنتًا. فقال عن المشركين: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾ [الأنعام: ٧] الآية، سورة الأنعام الآية السابعة. وقال عن أهل الكتاب: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ [النساء: ١٥٣] إلى قوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٤]، فهم مع هذا نقضوا الميثاق وكفروا بآيات الله وقتلوا النبيين. يعني مع ظهور بعض هذه الآيات، فكان فيه من الاعتبار أن الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة لم يكن في مجيئها منفعة لهم، بل فيها وجوب عقوبة عذاب الاستئصال إذا لم يؤمنوا وتغليظ الأمر عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠] الآية. فكان في إنزال مثل هذه أعظم رحمة وحكمة. طيب، نكتفي بهذا، وأنتم المبغي إن شاء الله، إليهم شكرًا.