شرح مختصر سيرة الرسول  24

شرح مختصر سيرة الرسول 24

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 24، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أصل الشرك في الجاهلية وقصة الأصنام الخمسة

بدأ الشرك بتعظيم الصالحين وتصويرهم بعد وفاتهم، ثم تطور إلى عبادتهم من قبل الأجيال اللاحقة. ويروي المقطع قصة الأصنام الخمسة (ود، سواع، يغوث، يعوق، نسر) التي كانت أسماء رجال صالحين فصورهم قومهم ثم عبدهم من جاء بعدهم.

دور عمرو بن لحي في إدخال الأصنام

كان عمرو بن لحي أول من غير دين إبراهيم وأدخل الأصنام من الشام إلى جزيرة العرب داعياً العرب لعبادتها. استجاب له بعض العرب وبدأوا تسمية الأبناء بأسماء معبدة للأصنام وعينوا خداماً لها يأخذون القرابين.

هدم الأصنام وتوزيعها على القبائل

هدم خالد بن الوليد صنم العزى ووزع الأصنام (سواع، يغوث، يعوق، نسر) على قبائل مضر، مذحج، همدان، وحمير مع بيان مواضعها. كما بقي بعض شعائر إبراهيم كتعظيم البيت والطواف والحج وإن شابها انحرافات.

تلبية نزار الجاهلية وما فيها من شرك

كانت قبيلة نزار تهلّ بلفظ يتضمن شركاً بالله: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك". فنزل القرآن يرد عليهم بآية توضح بطلان هذا الشرك وتوضح المثل من أنفسهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد: قال الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": "قال: بعض ما كان عليه أهل الجاهلية" أي من الشرك وعبادة غير الله. والجاهلية المراد بها هنا الجاهلية المطلقة التي كانت قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: "ونذكر قبل ذلك شيئًا من أمور الجاهلية وما كانت عليه قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال قتادة: "ذكر لنا" - سمع ذلك إما من الصحابة أو من كبار التابعين فهو تابعي - قال: "ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق" يعني التوحيد، ثم اختلفوا بعد ذلك، فبعث الله نوحًا عليه السلام، وكان أول رسول إلى أهل الأرض. وقد جاء نحو هذا عن عبد الله بن عباس، وذكره شيخنا الوادعي رحمه الله في كتابه "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين": أن بين آدم ونوح عشرة قرون كلها على الهدى وشريعة الحق. قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾: "كانوا على الإسلام"، قال: "على الإسلام كلهم"، يعني في أول نبوة آدم عليه السلام، فآدم وما بعده إلى عشرة قرون كلهم على الإسلام، المراد بالإسلام هنا الإسلام العام. قال: "وكان أول ما كادهم به الشيطان هو تعظيم الصالحين"، يعني كيف تغير الخلق بعد ذلك، دخل لهم من باب تعظيم الصالحين، وسيذكر الأثر الوارد عن ابن عباس. قال: "وذكر الله ذلك في كتابه في قوله: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾". قال ابن عباس: "كان هؤلاء قومًا صالحين، فلما ماتوا في شهر جزع عليهم أقاربهم" يعني حزن عليهم، "فصوروا صورهم". وفي غير حديثه يعني في غير حديث ابن عباس قال: "أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة"، يعني إذا رأينا صورهم نتشوق ونتحفز بالعبادة. قال: "فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه حتى ذهب ذلك القرن، ثم جاء قرن آخر فعظموهم أشد من الأول، ثم جاء القرن الثالث فقالوا: ما عظم أولون هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوهم. فلما بعث الله إليهم نوحًا وغرق من غرق، أهبط الماء هذه الأصنام من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى جدة. فلما نضب الماء يعني نشف، بقيت على الشط يعني على الساحل، فسفت الريح عليها التراب يعني زحفت، زحفت تراب فوقها بسبب الريح حتى وارتها يعني غطتها". وهذه الزيادة الأخيرة من أن نعم الماء نضب ثم جاءت الريح وغطت هذه الأصنام بالتراب وأن ذلك في جدة، هذا لا نعلم له سندًا ثابتًا، وإنما الذي جاء عن ابن عباس المعنى الأول الذي ذكره المؤلف كما في البخاري في قول الله عز وجل: ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴾، قال: "هؤلاء أسماء رجال صالحين، فلما ماتوا عكفوا أو صوروا لهم الصور، فلما انقضى ذلك القرن وجاء قرن آخر عكفوا أو صوروا لهم التماثيل وعكفوا عند قبورهم وعكفوا عند قبورهم، فجمع هؤلاء بين فتنتين: فتنة التصوير وفتنة عبادة القبور". فهذا أول ما وقع الشرك على وجه الأرض، هكذا وقع الشرك أول ما وقع في هذه الأرض بسبب التصوير وعبادة الصالحين، وهذا معنى قوله ها هنا: "وكان أول ما كادهم به الشيطان هو تعظيم الصالحين"، فدل ذلك على أن أعظم كيد ومكر الشيطان بالإنسان تعظيم الصالحين، وهذا ما وقع فيه اليوم كثير من المسلمين من عباد القبور، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهذا الذي ثبت بصحيح البخاري، أما هذه الزيادات فلا تصح ولم ترد بإسناد صحيح، وإنما يتناقلها أهل السير. قال: "عمر بن لحي أول من غير دين إبراهيم"، فأهل الجاهلية قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام كان عندهم دين، عندهم دين يتقربون به إلى الله وهو دين إبراهيم ملة التوحيد، فغيره من غيره من عبدة الأوثان، وأول من فعل ذلك هو عمر بن لحي كما سيأتي، وقد جاء فيه الحديث سيأتي معنا إن شاء الله في كلام المؤلف. قال: "وكان عمر بن لحي سيد خزاعة" يعني سيد قومه في قبيلته، "كاهنًا وله رأي من الجن"، فأتاه يعني له جن يأتونه، فقال أي هذا الجن: "عجل السير، وضعن من تهامة بالسعد والسلامة، بالسعد والسلامة، ائتي جدة تجد أصنامًا معدة، فأوردها تهامة ولا تهب" يعني لا تخف ولا تهب، "وادعُ العرب إلى عبادتها تجب". وهذا وهذا أيضًا لم يأتِ بإسناد مستقيم، والذي جاء في الصحيح أنه أتى بالأصنام أي عمر بن لحي من الشام أثناء تجارته وذهابه وإيابه للتجارة إلى الشام، فوجد أهل الشام يعبدون الأصنام، فاستصحب معه تلك الأصنام إلى بلاد العرب وإلى أرض العرب، هذا الذي جاء في الصحيح، أما ما ورد في هذا فهو يخالف هذا الحديث، ومما ورد بإسناد غير مستقيم. قال: "فأتى جدة فاستثارها" أي بحث على هذه الأصنام: ود، وسواع، ويعوق، ويغوث، ونسر، التي دلها عليها الجن، فأتى جدة فاستثارها أي بحث عنها التي غطتها أو غطاها التراب، ثم حملها حتى أوردها تهامة، حتى جاء بها إلى تهامة. وتهامة: كل من خفض من أرض العرب يسمى تهامة، أو تهامة يجوز هذا وهذا، تهامة وتهامة، فكل من خفض من أرض العرب يقال له تهامة، وكل من ارتفع يقال له ماذا؟ نجد، يقال له نجد. فأتى بها إلى أرض العرب. قال: "وحضر الحج" لأن كان أهل الجاهلية عندهم بقايا كما سيأتي من دين إبراهيم، ومن تلك البقايا الحج والعمرة والطواف، وكذلك الوقوف بعرفة ونحو ذلك. قال: "وحضر الحج فدعا العرب إلى عبادتها، فأجابه عوف بن عذرة" يعني وجد من يوافقه ومن يؤيده. قال: "فدفع إليه ودًا فحمله فكان بوادي القرى بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمي به" أي أول من سمي باسم فيه تعبيد لغير الله لصنم وإله من آلهتهم، فسمى ولده عبد ود نسبة إلى هذا الصنم وهو ود، وفيه من التعبيد لغير الله ومن الشرك. قال: "فلم يزل بنو يسدنونه"، ومعنى يسدنونه أن يخدمونه ويشرفون عليه، ومن يأتي لعبادة هذا الصنم يستقبلوه ويأخذون منه القرابين والهدايا ونحو ذلك. قال: "حتى جاء الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد لهدمه، فحالت بينه وبينه بنو عذرة وبنو عامر، فقاتلهم فقتلهم ثم هدمه وجعله جذاذًا"، والجذاذ كما ذكر هنا المعلق: الإسراع والقطع المستأصل، يعني جعله قطعًا، جعله قطعًا قطعًا، وهذا معنى قوله تعالى في هدم إبراهيم للأصنام: ﴿ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا ﴾ يعني قطعًا متفرقة. قال: "وأجابته" وأجابت عمر بن لحي "مضر بن نزار"، فدفع إلى رجل من هذيل أو فدفع إلى رجل من هذيل سواعًا، فكان بأرض يقال لها "وهاط" من بطن نخلة، يعبده من يليه من مضر يعني تعبده قبيلة مضر، وفي ذلك قيل يعني مما يدل على أن سواع كانت تعبده مضر: "تراهم حول قبلتهم عقوفا كما عكفت هذيل على سواعي"، فهذيل ومضر كانوا كانوا يعبدون سواع. قال: "وأجابته مدحج، فدفع إلى نعيم بن عمر المراد يغوث" قبيلة مراد مشهورة من قبائل اليمن وتتسكن بمأرب إلى اليوم. قال: "وكان بأكامة باليمن تعبده مذحج ومن والاها" يعني ومن حولها من القبائل والقرى. "وأجابته همدان، فدفع إليهم يعوق، فكان بقرية يقال لها خيوان، تعبده همدان ومن والاها من اليمن"، وهذه أيضًا من بلاد اليمن. "وأجابته حمير، فدفع إليهم نسرًا"، وحمير في أطراف من مأرب وصنعاء وما حولها في إب ونحوها، وهذا جاء في صحيح مسلم. قال: "وأجابته حمير فدفع إليهم نسرًا، فكان بموضع بسبأ، تعبده حمير ومن والاها، فلم تزل هذه الأصنام تعبد حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم فكسرها". وفي الصحيح - قد ذكر المعلق أنه في صحيح البخاري وصحيح مسلم - فالمؤلف هنا يقول: "في الصحيح"، إما أن يريد به صحيح البخاري وحده، وإما أن يريد به صحيح مسلم وحده، وإما أن يريد به كلاهما كليهما. قال: "وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمر بن عامر الخزاعي» وهو عمر بن لحي الذي أدخل - أول من أدخل - عبادة الأصنام إلى أرض العرب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأيت عمر بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار»، فكان أول من سيّب السوائب"، والسوائب: الإبل التي تسيّب تترك فلا يحمل عليها شيء ولا كذلك يتعرض لها ولا تحبس عن مرعى ولا عن ماء ولا يركبها أحد، وتكون من النذور للأصنام ينذرونها للأصنام فلا ينتفعون منها بشيء لا بركوب ولا بذبح ولا بشيء مما ينتفع به. قالوا: في لفظ: «وغير دين إبراهيم»، وفي لفظ عن أبي إسحاق: «وكان هو من غير دين إبراهيم ونصب الأوثان»، ومعناه ومعناه صحيح، رفض ابن أبي إسحاق معناه صحيح، فهو الذي جلب عبادة غير الله، وهذا يخالف دين إبراهيم، دين إبراهيم ملة التوحيد، وهو أول من نصب الأوثان، أنه أول من أدخلها كما في صحيح البخاري. قال: "وكان أهل الجاهلية على ذلك فيهم بقايا من دين إبراهيم، مثل تعظيم البيت، وكانوا يعظمونه، وقد تقدم معنا حالهم لما أرادوا بناء الكعبة كيف استعظموا هدمها، ومذاك إلا لتعظيمهم لهذا البيت، لتعظيمهم لهذا البيت". قال: "مثل تعظيم البيت والطواف به، وكانوا يطوفون به، وإن كان طوافهم فيه ما فيه من العري ونحو ذلك". قال: "والحج والعمرة والوقوف بعرفة ومزدلفة وإهداء البدن" أي للحرم. "وكانت نزار تقول في إهلالها: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك"، وهذا فيه شرك بالله سبحانه وتعالى في قولهم: "إلا شريك هو لك تملكه وما ملك". فأنزل الله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم.