الدرس في تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع بتفسير سورة الشرح، حيث يذكر التعريف بالسورة وأسمائها وترتيب نزولها، ثم ينتقل إلى تفسير بعض آياتها مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.
يشرح المؤلف الآية الكريمة ويبين أن شرح الصدر نعمة عظيمة من الله على نبيه محمد، وتعني انبساط الصدر ورضاه وتحمله لأعباء الدعوة، مع ربطها بحادثة الإسراء والمعراج.
يتحدث المقطع عن نعمة انشراح الصدر التي يعطيها الله لمن يشاء، ويبين أن الكفار يعانون من ضيق الصدر رغم ترفهم الدنيوي، بينما المسلمون ينعمون بانشراح الصدر بسبب دينهم.
تحدث ابن القيم في كتابه زاد المعاد عن أسباب انشراح الصدر، وقد تم الإشارة إلى بعض هذه الأسباب في الكلام السابق، وتم الاكتفاء بما ذكر حتى الآن.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فنستأنف، إخواني في الله، ما يتعلق بدرس التفسير، فلا زلنا في تفسير الجلالين، تحديدًا في تفسير جزء عم، وفي هذا المقام، وفي هذا اليوم، نستأنف هذه السلسلة التفسيرية، ومع سورة الشرح، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الشرح مكية، وآياتها ثمان آيات. استهل المؤلف رحمه الله تعالى كعادته بذكر جملة تعريفية بهذه السورة الكريمة، فقال: سورة الشرح مكية، وآياتها ثمان آيات. أولًا، ما يتعلق باسمها، فإن المشهورة في المصاحف، والتي جاءت بها الروايات الحديثية، على تسمية هذه السورة بسورة «ألم نشرح»، تسميتها في أكثر المصاحف، وفي مرويات السنة، بـ«ألم نشرح»، وفي بعض المصاحف، كما عند المؤلف رحمه الله، بسورة الشرح. وهناك تسمية ثالثة كذلك، وهي شهيرة، وهي سورة الإنشراح. إذن، هذه السورة لها ثلاثة أسماء مشهورة بين أهل العلم: «ألم نشرح»، و«سورة الشرح»، و«سورة الإنشراح». وقوله رحمه الله تعالى: «مكية»، ودائمًا نذكر بهذه الفائدة أن الفرق بين المكي والمدني أن المكي ما نزل قبل الهجرة، فهي من أوائل ما نزل على نبينا عليه الصلاة والسلام، بخلاف المدني، فإنه كان بعد هجرته عليه الصلاة والسلام. وهذا بالاتفاق أنها مكية، نعم، نقل خلاف، لكن الصحيح الذي عليه العلماء قاطبة. وهنا فائدة تذكر في هذا الباب، أن العلماء يذكرون أن سورة «ألم نشرح» نزلت بعد سورة الضحى. طبعًا، من كان معنا، علم أننا في دروس خلت، قد قرأنا وانتهينا من سورة الضحى، وها نحن ندخل في السورة التي بعدها، على حسب الترتيب المصحفي، سورة الشرح. هذا الترتيب متفق عليه بين أهل العلم، أن بعد سورة الضحى أنزلت سورة «ألم نشرح»، هذا بالاتفاق. بل نقل عن طاوس، وعن عمر بن عبد العزيز، ما هو أبلغ من هذا، وذكروا أن سورة «ألم نشرح» هي تبع لسورة الضحى، أن سورة «ألم نشرح» هي بالحقيقة تبع لسورة الضحى، فهما سورة واحدة. هذا نقل عن طاوس، وعن عمر، وهذا قول، كما قال علماء، فيه من الشذوذ ما فيه، لأنه مخالف للمصحف الإمام، وهو المصحف المعتبر والمعتمد. ولعل حجة من قال بأن سورة «ألم نشرح» هي من ضمن سورة الضحى، السياق، لأن سورة الضحى في الحقيقة فيها ذكر إنعام الله على نبينا عليه الصلاة والسلام: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ﴾، وهنا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فتجد أن الآية السورة السابقة، وهذه السورة، في ذكر إمنان الله عز وجل على عبده، فلعظيم الصلة، فذهب من ذهب إلى أن قال: إنهما سورة واحدة. وهذا ليس بصواب، بل كل بسورته الخاصة به، ولكن الترتيب على ما ذكر، بالاتفاق، «ألم نشرح» نزلت بعد سورة الضحى. قال مؤلف رحمه الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، قال: استفهام تقرير، أي: شرحنا لك يا محمد صدرك بالنبوة وغيرها. بدأ المؤلف رحمه الله تعالى بذكر هذه الآية، ونكتفي بها في هذا المقام، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، هذا السؤال، أو هذا الاستفهام، استفهام تقريري، أي: أن الله عز وجل يقرر عبده عليه الصلاة والسلام، محمدًا، بهذه النعمة. ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، المعنى: أي شرحنا لك صدرك يا محمد، قال: بالنبوة وغيرها، أي: بالوحي المنزل، وما أنزله الله على نبيه عليه الصلاة والسلام من هذا العلم، من علم الوحي، فكان به عليه الصلاة والسلام منشرح الصدر. وقد ذكر العلماء أن معنى انشراح الصدر: أي أن الله عز وجل جعل صدره منبسطًا، راضيًا، متحملًا لأعباء الدعوة، ولأحوال الناس، متحملًا لأعباء الدعوة. كلنا يدري، وكلنا يعرف، ما الذي واجهه نبينا عليه الصلاة والسلام من العناد، ومن الهوى، ومن الضيق، ومن تعامل الناس، ومع ذلك كان يلاقي ذلك بصدر رحب، من أين هذا؟ من الله، الله عز وجل أنعم على نبيه عليه الصلاة والسلام بانشراح صدره. نعم، ذهب جماعة من أهل العلم في ربط هذه النعمة، شرح الصدر، بحادثة الإسراء والمعراج، والتي فيها شق صدره عليه الصلاة والسلام، أخرجت العلقة السوداء من قلبه عليه الصلاة والسلام. فمن أهل العلم من يربط انشراح الصدر بتلكم الحادثة. الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى ذكر ذلك في تفسيره، وقال: لا منافاة، أن انشراح صدره عليه الصلاة والسلام كان بعامل حسي، وليلة الإسراء والمعراج، وبعامل معنوي، بما كان من إنزال الوحي عليه صلوات ربي وسلامه عليه. وفي هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾، فيه بيان لعظيمة هذه النعمة العظيمة، ألا وهي شرح الصدر، نعمة عظيمة منه جليلة. ها هو ربنا عز وجل يمنها على نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، فدل على أن من أعظم ما يعطاه العبد في هذه الدنيا، أن الله عز وجل يعطيه صدرًا راضيًا، متحملًا، صدرًا رحبًا، يسع، ليس فيه ضيق، ولا حرج. ولعظيم هذه النعمة، كان طلب العباد لها من الله عز وجل، كما في دعاء الصالحين: «ربي اشرح لي صدري، ويسر لي أمري». «ربي اشرح لي صدري»، نعمة تطلب من الله عز وجل، تسأل ربك عز وجل بأن الله يشرح لك صدرك، يجعله راضيًا، متحملًا، لا تكدره الكوادر، ولا تعصف به العواصف. نعمة من حظي بها، فقد حباه الله بالخير العظيم. حتى أن من العلماء، عند قول الله جل في علاه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾، وعد من الله عز وجل، وعد أهل الإيمان والعمل الصالح، بأن الله يحييهم الحياة الطيبة. نعم، حاول العلماء أن يأتوا بحقيقة هذه الحياة الطيبة. ومن أعظم من تكلم في هذه المسألة الإمام القاسمي رحمه الله تعالى، في «محاسن التأويل»، حين ذكر أن هذه الحياة الطيبة، هو ما يجده المسلم من برد الصدر، أو قال: من ثلج الصدر، ثلج، برود على صدره، مهما عانى، ووجد، ولاقى من التعب، والعنت، والضيق، سواء كان العنت الديني، أو الضيق الدنيوي، فإن في قلبه سكون، وهدوء، وثبات، لا يتعكر. قال: هذه النعمة، هذه الحياة الطيبة، التي وعد الله عز وجل بها عباده الصالحين. كما كان بعض السلف يقول: «نحن في نعمة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك، لجالدون عليها بالسيوف». طبعًا، هذا الذي تكلم بهذا الكلام، ما يعيش في قصور، ولا يعيش بين جواري وحور، لا، وإنما كان في فقر مدقع، لكن كان يعيش في راحة صدر، راحة صدر عظيمة، ما كان يتعكر مزاجه لشيء، وإنما أعطاه الله من انبساط القلب، ورضى النفس. «نحن في نعمة، لو يعلم بها الملوك وأبناء الملوك، لجالدون عليها بالسيوف». ولا يشعر أحد، إخواني في الله، بنعمة راحة الصدر، وانشراح الصدر، إلا إذا افتقدها. ولنا بذلك عبرة جميعًا، بحال أهل الكفر، الذين حرمهم الله عز وجل من هذه النعمة، لكفرهم، لضلالهم، لشركهم، لعبادتهم لغير الله، لتوجههم للأنداد والأصنام والأوثان، وإلى غير ما عبد من دون الله. هؤلاء ذرموا من انشراح الصدر. ولله در الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، عندما تكلم عن قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، ما الذي ذكره عند هذه الآية؟ قال: «فإن له معيشة ضنكًا»، قال: أي في الحياة الدنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره. قال: بل صدره ضيق حرج، ضيق حرج. قال: «وإن تنعم ظاهره، وإن تنعم ظاهره، فلبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء». انتهى كلامه رحمه الله. هذا حال الكافر يا عبد الله، ولهذا لا تغتر، لا تغتر يا مسلم، عندما ترى الكفار في شرق الدنيا وغربها، وهم يتنعمون بهذه الحياة الدنيا، من الترف والبذخ، الأكل والحضارة والتقدم، والسعة الدنيوية، وما يعيشون فيه من متعة لا نظير لها، حتى شرأبت لها الأبصار، وتمنى الكثير منا أن يعيش هذه النعمة الدنيوية. لما نرى من البذخ الذي يعطاه الكافر، لكن كما قال ابن كثير: «فهو وإن تنعم ظاهره، فلبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن صدره ضيق حرج، ضيق حرج». فما ينام الكافر إلا بحبوب، وما يعيش إلا على مهدئات. ولهذا أكثر الأمراض المستعصية والمنتشرة في بلاد الكفار، الحالة النفسية، هذا بالإجماع، بالإجماع، يعانون من الأرق، يعانون من الاكتئاب، يعانون من غيرها من الأمراض النفسية والعصبية، لا يهدأ لهم بال، ولا يجد له قرار، إلا بمسكنات ومهدئات. بينما أنت يا عبد الله، احمد الله، احمد الله على ما أعطاك الله من انشراح الصدر بهذا الدين، تطرح رأسك فتنام أينما كنت، وتأتيك المصائب كحال بلادنا، تأتيها المصائب من كل حدب وصوب، لربما هذه المصائب العشر منها وقع عند الكفار لانتحر الكثيرون هناك، لكن في بلادنا يسترجع العبد، يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ويمشي قدمًا، ما هناك حالات انتحار، هناك في بلاد الغرب، ما تمر، كما يقال، فترة وجيزة في اليوم والليلة، إلا وتسجل عشرات حالات الانتحار. مثال بصير يذكرون عن السويد، السويد، البلاد الأوروبية، والتي تعتبر من أفضل دول العالم في مستوى دخل الفرد، من حيث الترف والغنى، هي بنفسها، مع هذا الترف الدنيوي، أعلى دولة تسجل فيها حالات الانتحار، هي هي، حتى تعلم يا عبد الله، ليس العبرة بالدنيا، العبرة بالدين الذي جعل الله عز وجل فيه انشراح الصدور. فالشاهد، إخواني في الله، أن انشراح الصدر نعمة، كما في هذه الآية، حيث من الله عز وجل على عبده وعلى نبيه بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب «زاد المعاد» عن أسباب انشراح الصدر، فتوسع فيها، وفي كلام طيب جيد، يرجع إليه. نكتفي بهذا الذي ذكر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.