تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 2

تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 2

الدرس في تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية ووضعنا عنك وزرك ودلالاتها

المقطع يتناول تفسير آية 'ووضعنا عنك وزرك' من سورة الشرح، حيث يشرح معنى الوزر وعلاقته بمغفرة الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم. يتناول آراء العلماء في تفسير الذنوب المشار إليها في الآية.

تأويل الآية 'ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر'

اختلف العلماء في تفسير الآية، فمنهم من قال إنها تشمل ذنوب النبي قبل النبوة، بينما قال آخرون إنها للتأكيد وليس لحقيقة الذنوب. قيل إنها تشمل الجوانب البشرية للنبي وليس الجانب النبوي.

مزايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع ذكره

يشرح المقطع ميزة خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي غفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ويبين أن هذه الميزة ليست لأحد سواه. كما يتطرق إلى رفع ذكر النبي في الأذان والإقامة والتشهد وغيرها.

تعظيم مقام النبي عليه الصلاة والسلام بذكر الله

يُبين المقطع تعظيم مقام النبي عليه الصلاة والسلام بعبادة الله من خلاله، ورفع ذكره بذكره مع اسم الله تعالى. يشير إلى أن تعظيم الله لنبينا محمد يظهر في جعل اسمه مقرونًا باسم الله.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان الشروع في القراءة في تفسير الجلالين، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى في سورة الشرح، وذكرنا ما يتعلق بمقدمة سريعة عن أسماء هذه السورة الكريمة، وعن ترتيبها بين السور، وعن قول الله عز وجل ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾، ثم قال ربنا عز وجل ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: "ووضعنا" قال: "حططنا" حططنا عنك وزرك. الوزر في اللغة هو الحمل الثقيل، هذا معنى الوزر في اللغة، وجاء عن السلف، كما جاء عن مجاهد رحمه الله، أن المقصود هنا بالوزر الذنب، الذنب. وفي ذلك مسألة وتصريح بأن الله عز وجل قد غفر لنبيه، كما سيأتي معنا. فقال سبحانه وتعالى، ممتنا على نبينا عليه الصلاة والسلام: أن الله حط عنه الأوزار، حط عنه الأوزار. فقال سبحانه: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك﴾، قال المؤلف رحمه الله تعالى: "أنقض" بمعنى أثقل. وهذا من تفسير الكلمة بلازمها، إذ أن النقض في اللغة مأخوذ من النقيض، والنقيض هو الصوت الذي يكون من فقار الظهر. فقال المؤلف رحمه الله تعالى: "أثقل"، قال: "الذي أنقض ظهرك"، قال: وهذا كقوله تعالى: ﴿ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك﴾. وهذه مسألة، نعم، ذكرها العلماء في تفسير هذه الآية: أن الله عز وجل من على نبينا عليه الصلاة والسلام بأن الله حط عنه الأوزار التي أثقلت الظهر. وهنا إشارة إلى مسألة الذنوب ومسألة عصمة الأنبياء. المؤلف رحمه الله تعالى اختصر لنا الكلام حول هذه المسألة، فقال: وهذه الآية كقول الله عز وجل: ﴿ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾، أي: إذا فهمت تلكم الآية، والتي فيها بيان على أن الله غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه، أي: ما أسلف، وما تأخر، أي: ما سيأتي، ستفهم هذه الآية. وهذا يعيدنا إلى فهم العلماء لهذه الآية: ﴿ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك﴾. وما كان ويصدر عنك من أوزارك. وما هذه الذنوب والأوزار التي صدرت عن نبينا عليه الصلاة والسلام؟ من أهل العلم من حمل هذا على محمل بعيد. كل ذلك في مقام التنزيه لرسولنا عليه الصلاة والسلام. فذهب جماعة من أهل العلم أن قول الله: "ليغفر لك ما تقدم" قال: أي ذنوب أبيك آدم، وما تأخر: أي ذنوب أمتك. وهذا بعيد، وإن كان منقولا، نعم، عن بعض المفسرين، لكنه بعيد؛ لأن السياق يتحدث عن نبينا، لا يتحدث عن أحد سواه. قالوا: أن المقصود "ليغفر لك ما تقدم" أي: ما كان من ذنب أبيك آدم، وما تأخر: أي ما يكون من ذنوب أمتك. وقول آخر قالوا: أن "ما تقدم من ذنبك" أي: ما كان من ذنوب صدرت في أيام الجاهلية قبل النبوة، ما كان من ذنوب صدرت منك في أيام الجاهلية قبل النبوة، إذ كان عليه الصلاة والسلام لربما وافق الكفار في المعيشة التي بينهم، قد وافقهم في بعض الأعمال، خلا الشرك، ما وافقهم عليه الصلاة والسلام أبدا. فقال: هذا الذي تحمل عليه الآية أما بعد النبوة فلا، أما بعد النبوة فلا. وأما "ما تأخر" أي: ما كان بعد ذلك من ذنوبك. من أهل العلم من قال: إنما هذا خرج مخرج التأكيد، خرج مخرج التأكيد، يعني: ليس هو حاصل، لكن من باب التأكيد. قال: كقول القائل: "خذ يا فلان هذا المال وأعطيه لمن لقيت ومن لم تلاقِ أعطيه". خذ المال وأعطِ من لقيت ومن لم تلاقِ. طيب، المال سيعطيه لمن لقيه، طيب، بالله عليك من لم يلقه كيف سيعطيه؟ ما سيعطيه أصلا؛ لأن كيف سيعطيه من لا يلاقيه؟ طيب، كيف خرج هذا الكلام؟ خرج مخرج المبالغة، خرج مخرج المبالغة. "أعطيه، انشر هذا المال، أعطِ الفقراء والمحتاجين، أعطِ هذا المال من لقيت ومن لم تلقَ". خذ، فهذا خرج مني مخرج التأكيد والتغليب والحث والتحضيض. وهذا قال: "هذه الآية ﴿وما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ أي: ما سيكون من ذنوبك". معنى ما صدر منه شيء عليه الصلاة والسلام. هذا قول. وهناك قول آخر، وهو من يفصل في هذا الباب، وهو توجيه حسن، قالوا: أن النبي صلى الله عليه وسلم له حالان: الحالة الأولى أنه بشري، والحالة الثانية أنه نبوي. فالحالة الأولى، والجانب البشري، في أنه الطبيعة البشرية، أنه يأكل، أنه يشرب، أنه يحب، أنه يكره، أنه يبغض، أنه يحزن. هذه الجوانب البشرية قد تصدر منه أشياء عليه الصلاة والسلام، كقوله: «إنما أنا بشر، فإذا نسيت فاذكروني». وأيضا ما كان فيه المقام الذي عاتب فيه ربنا نبيه صلى الله عليه وسلم، كما وقع في أسرى بدر، وكما وقع في معاتبة ربنا لنبينا في أمر ابن مكتوم: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى». وهكذا ما جاء في قوله: «أيما عبد أنا سببته اللهم اجعلها كفارة له». إذن، هذه الأشياء تدخل في قوله عليه الصلاة والسلام: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾، أي: هذا الذي خرج منك وصدر عنك من ناحية الطبيعة البشرية. أما الجانب النبوي فلا، فلم يقع منه تقصير عليه الصلاة والسلام أبدا، فما قصر في التبليغ، وما خالف أمره عز وجل في أمر ما. وهذا الذي لربما من أفضل التوجيهات في معنى هذه الآية وتفسير هذه الآية. وفي هذه الآية، إخواني في الله، ﴿ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾، فيه مزية، هذه مزية خاصة برسول الله عليه الصلاة والسلام، أن الله شرفه، أن الله كرمه، أن الله ميزه بهذه الخصيصة التي ما جعلها لأحد سواه عليه الصلاة والسلام، أن الله غفر له ما مضى وسيغفر له ما سيأتي إن حصل منه شيء. والقصد من هذه الفضيلة والخصيصة أن نفهم أن ما هناك أحد، ما هناك أحد يشارك نبينا في هذا. وفي ذلك تنبيه على مسألة نبه عليها جماعة من أهل العلم، وهو أنه قد تأتي بعض الأحاديث تكون في كتب السنة: أن من فعل كذا وكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. مثال أحاديث جاءت في السنة: "من لبس ثوبا فقال كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"، "من أكل طعاما فقال كذا وكذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". هذه المرويات العلماء يضعفونها، جماعة من أهل العلم يضعفونها. وانظر ما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى عند هذه الآية بأنه لم يصح شيء في غفران ذنوب عبد ما بما مضى وما سيأتي إلا لرسول الله. وما هناك أحد تحصل على هذا الفضل إلا هو عليه الصلاة والسلام. وأيضا هناك كلام لشيخ عثيمين رحمه الله، أتى به كقاعدة: أن أي حديث فيه فضيلة أن من فعل أو قال غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ضعيف، أنه ضعيف. وإنما غفر له ما تقدم، نعم، غفر له ما تقدم، أي: ما سلف. أما ما سيأتي هذا ليس إلا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، كما في محكم التنزيل: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك﴾. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾. وهذه من منة الله عز وجل لعبده، ومن تشريفه لنبيه عليه الصلاة والسلام. قال: "ورفعنا لك ذكرك" قال: بأن تذكر مع ذكري في الأذان والإقامة والتشهد والخطبة وغيرها. وهذا نعم من عظيم تفضيل الله وتشريف الله لنبينا عليه الصلاة والسلام، أن لا يذكر نبينا أن لا يذكر ربنا إلا وذكر نبينا معه عليه الصلاة والسلام: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمد رسول الله" في الأذان، في الإقامة، في كلمة التوحيد. وقد جاء صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال عند هذه الآية: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ قال: يقول الله له: "لا ذكرت إلا ذكرت معي"، في الأذان والإقامة والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق، ويوم عرفة، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. وفي ذلك تعظيم وتشريف لنبينا عليه الصلاة والسلام، ليس فقط في باب الذكر فحسب، بل حتى في باب التطبيق العملي. فالعبادة، وهي العبادة، ما تقبل إلا بشرطين اثنين: الإخلاص والمتابعة. المتابعة أن تكون على وفق هديه عليه الصلاة والسلام. وفي بيان ودلال على تعظيم مقامه عليه الصلاة والسلام بأن لا نعبد الله عز وجل إلا من بابه، وإلا من خلاله عليه الصلاة والسلام. فالشاهد: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ بأن نبينا من تعظيم الله له بأن جعل اسمه مع اسمه سبحانه وتعالى. نقف إلى هذا الحد إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.