تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 4

تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 4

الدرس في تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير آية الشرح وتوجيهاتها

المقطع يتناول تفسير الآية الكريمة من سورة الشرح، حيث يوضح معانيها المختلفة وفقًا لأقوال العلماء. يبين أهمية أن يكون المسلم مشغولًا إما بعمل ديني أو دنيوي يعود عليه بالنفع.

أهمية التفرغ للعبادة

يجب على المسلم أن يتفرغ للعبادة بعد إنجاز الأمور الدنيوية، وأن يؤدي العبادة بكل قوة واجتهاد. كما أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرشد أصحابه إلى التفرغ للعبادة وتجنب التشويش الذهني أثناءها.

معاني الرغبة والتكبير في العبادة

الآية الكريمة تدعو إلى التفريغ للعبادة والطاعة بإخلاص، والتكبير في الصلاة يعني إسقاط الدنيا والتوجه إلى الله. الرغبة تعني الطمع في الله والإقبال عليه وحده.

ختام الدرس والدعاء للمسلمين

يختتم الشيخ درسه بالدعاء أن ينفع الله المسلمين بما قيل في الدرس. يصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في سورة الشرح أو الإنشراح في تفسيرها، وها نحن في خاتمتها، وعند قول ربنا جل في علاه: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. قال رحمه الله تعالى: «فإذا فرغت من الصلاة فانصب، اتعب في الدعاء». هذه الآية وقع فيها الخلاف بين العلماء في معناها، ما معنى «فإذا فرغت فانصب»؟ الفراغ من ماذا، والتوجه إلى ماذا؟ للعلماء في ذلكم عدة أقوال. فمن أهل العلم من ذكر الذي ذكره المؤلف: «إذا فرغت من الصلاة فانصب إلى مقام الدعاء بأن تلح على الله عز وجل إلحاحًا شديدًا». ومن قائل: «فإذا فرغت -أي من الفرائض- فانصب بعد ذلك إلى أداء النوافل، فلا تزال في عمل، لكن ابدأ بالفرائض والواجبات، ثم بعد ذلك تفرغ لفعل المندوبات والمستحبات». والقول الثالث من أقوال العلماء، وهي من أقوال الشهيرة في تفسير هذه الآية الكريمة: «إذا فرغت من أعمالك الدنيوية فانصب -أي انتصب لله في العبادة-». وهذا القول نعم قول وجيه، وقد ذكره جماعة من المفسرين، كما أشار إليه الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى، ونسبه إلى بعض السلف. وفي هذا التفسير: «إذا فرغت -أي من أعمالك الدنيوية- فانتصب لله في أعمالك الدينية»، فيها فائدة عظيمة؛ أولًا: فيها فائدة على أن المسلم ينبغي أن يكون في هذه الحياة الدنيا في مشغلة تعود عليه بالخيرية، إما أن تكون يا عبد الله في عمل ديني يعود عليك بمنفعة، أو في عمل دنيوي يعود عليك بمصلحة؛ إما هذا وإما ذاك. فالمسلم في هذه الحياة يدور بين هذين الفلكين: إما في دنيا وإما في دين، لكن يعود عليه بالنفع. أثر عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إني لأكره لأحدكم أن يكون خاليًا سبهللا لا في عمل دنيا ولا في عمل دين، ما ينبغي هذا». هذا مما لا يصل إليه المسلم، اشتغل في هذه الدنيا إما بعمل ديني -طاعة، عبادة، قربات، نوافل، فرائض، واجبات، مستحبات- أو أنك تنشغل بأمر دنيوي مما يعود عليك بالنفع، من أنك تسعى وتعمل وتبني وتحرث وتسعى على نفسك وأهلك وعيالك، وتعين من يحتاج إلى إعانة في أي باب من أبواب الخير. فالمسلم يترجح بين هذين البابين: عمل ديني أو عمل دنيوي. أما تبقى مسهبلة لا يا عبد الله، كحال من يعيش في هذه الدنيا بلا هدف. رأينا أقوامًا، وأشير مثلًا إلى من يتعاطى مثل هذه الحبوب المخدرة من أصحاب المخدرات وأصحاب الإدمان، انظر إلى حياته وهو على هذا الوصف، لا أنه في عمل ديني يفيد نفسه في آخرته، ولا أنه في عمل دنيوي ينتفع به في دنياه، عطل ما وراءه منفعة، لا ينفع نفسه ولا أهله ولا وطنه، بل بالعكس هو كلٌ على مجتمعه، أينما توجهه لا يأتي بخير. فالمسلم إخواني في الله ينبغي أن يكون على هذا الحال، يتقلب بين منافع الدنيا والدين، بين خيري الدنيا والدين. والفائدة الثانية من هذه الآية: «فإذا فرغت فانصب» -أي إذا فرغت من الدنيا- فانتصب لله بالعبادة والتعبد، إشارة إلى أن مقام العبادة والتعبد يحتاج إلى نصب، يحتاج إلى تعب وإلى قوة وقدرة وشدة واجتهاد وبذل وعطاء. لا تقم على ضعف، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، ليس فقط صبر، بل صبر مع مصابرة، وليست مصابرة فقط، بل مع مرابطة، شد مع اجتهاد مع بذل مع صبر واحتساب حتى تلقى ربك. وهذا الذي ينبغي أن يجعله العبد المؤمن في حق الطاعة والعبادة أن يأخذها بكل ما أوتي من قوة. «فانصب» أي انتصب. وفي هذه الآية كذلك: «فإذا فرغت فانصب» -أي إذا انتهيت من أعمالك الدنيوية- تفرغ لعبادة الله، لماذا ذلك؟ لأن الإنسان لا ينبغي أن يؤدي العبادة وهو منشغل البال بالدنيا، بل إذا قمت إلى الدين إلى عبادة رب العالمين كن متفرغًا من وإلى، ظاهرًا وباطنًا، تفرغ أولًا، انتهي، صفِّ حسابك مع الأمور الدنيوية حتى تكون خاليًا فارغًا متفرغًا لعبادة الله. فإذا فرغت من الدنيا الآن انتصب لله، فلا تجعل الدنيا تزاحمك في عبادتك لله جل وعلا. وعلى هذا جاءت الأدلة، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة الطعام». لماذا؟ لا تصلي وأنت مشوش الذهن بالطعام الذي قرب إليك. وقد صح عن نبينا كما جاء في الصحيح: «إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء قبل الصلاة»، ابدأ بالعشاء تفرغ من هذا الأمر الدنيوي، لماذا؟ حتى لا يشوش عليك في صلاتك. الله عز وجل ما يريد من عبده يصلي له بجسده وذهنه يذهب يمنى ويسرى. وتأمل في هذه القصة البديعة، قصة يوشع بن نون عليه السلام حين أراد أن يخرج بجيشه لملاقاة العمالقة، قال مشتروطًا على أفراد جيشه: «لا يتبعني رجل بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها، أو رجل خطب امرأة ولم يدخل عليها، أو رجل اشترى غنمًا وهو ينتظر أولادها». هؤلاء أخرجهم يوشع عليه السلام من جيشه؛ تزوج ولم يدخل، بنى ولم يسقف، واشترى غنمًا وهي حامل، هؤلاء ما يبقون معي. لماذا أبعدهم؟ لأنه يحتاج إلى الرجال، لكن لعلمه أن هؤلاء سيأتون وقلوبهم معلقة بالدنيا. ما يريد هؤلاء كما قال ربنا: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾، إذا اختلطت الدنيا مع الآخرة فسد العمل. فشاهد في هذه الآية الكريمة قال ربنا: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، تفرغ من أمور الدنيا حتى تصل إلى مقام الطاعة والعبادة وأنت بكامل ذهنك وصفو قلبك. ومن البديع ما مر علي من أقوال بعض أهل السلوك، قالوا: إن المصلي إذا أراد أن يصلي يقول «الله أكبر»، لكن بتكبيرة الإحرام، بعضهم أراد أن يأتي بسر سر هذا التكبير في افتتاح الصلاة. قال بعضهم: إن السر هو أنك عندما تكبر ويكأنك تجعل الدنيا على راحة كفيك، فلما تقول «الله أكبر» كأنك ترمي بالدنيا خلف ظهرك، «الله أكبر» ثم تقبل على الله. نعم، ذكر هذا بعض من أرباب التربية والسلوك في بيان على أن الله يريد من عباده في الصلاة وفي غيرها من العبادات أن يتفرغوا له، «الله أكبر» تسقط الدنيا خلف ظهرك، ثم تقبل على ربك جل في علاه. فالشاهد أن هذه الآية من الآيات العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يتأمل في معناها. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، وإلى ربك فارغب، هذه الآية فيها معنى بلاغي، تقدير الآية: «فارغب إلى ربك» هكذا ترتيب الجملة، لكن جاء السياق على هذا، وهذا ما يذكره أهل البلاغة: تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر. الأصل «فارغب إلى ربك»، لكن الآية «إلى ربك فارغب»، الحصر هنا أي أنك تجعل عبادة الرغبة لله سبحانه وتعالى. والرغبة هو السؤال بطلب وطمع. ولقد ذكر صاحب المصباح المنير -وهي من كتب اللغة- على أن معنى الرغبة تأتي بمعنى السعة. فصلاة الراغب هي الصلاة التي فيها طمع وطول، ودعاء الراغب ليس أي دعاء، هو إذا دعا ألح على الله عز وجل بالدعاء. فالله عز وجل يطلب من عباده ليس فقط الإقبال، بل الرغبة في الإقبال، الطمع والحرص والإكثار من طاعة الله جل وعلا، سواء كان بالدعاء أو كان كذلكم بالطاعات وفعل الجوارح. «وإلى ربك فارغب»، وقد ذكر العلماء أن في هذه الآية بيان على أن الرغبة من مقامات التوحيد، فمما يدلل به على أن العبد موحد لله حقًا وصدقًا ما يكون من شدة رغبته إلى ربه، فهو يرغب إلى الله لا يرغب إلى أحد سواه. وهذه الرغبة تكون معنا يا عبد الله في كل أحوالنا، قبل العمل وبعد العمل؛ قبل العمل أن نكون على الطمع في أن الله يعيننا سبحانه، نستعين بالله في أعمالنا وأشغالنا الدين والدنيا، وأيضًا يكون الطمع والرغبة إلى الله بعد العمل، وذلك في الالتجاء إليه في أن الله يثيبنا على ما كان من أعمالنا وما كان من طاعاتنا. فالرغبة يا عبد الله الإنسان محتاج إليها في هذه الأحوال قبل الأعمال وبعد الأعمال. بهذا إخواني في الله نصل إلى ختام هذه الآية الكريمة، فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.