استقبال رمضان بين الإعمال والإهمال

استقبال رمضان بين الإعمال والإهمال

المحاضرة بعنوان استقبال رمضان بين الإعمال والإهمال، المجلس الأول من دورة بين يدي رمضان بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الجمعة 18 شعبان 1447هـ الموافق 6 فبراير 2026م ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استقبال رمضان: بين التخطيط المحكم ومظاهر الفرح المرفوضة

يحذر الخطيب من إهمال الاستعداد الروحي لرمضان والاكتفاء بالتهيئة المادية، داعياً للتخطيط المسبق بالتخلية والتحلية والتجلية اقتداءً بهدي السلف. كما يبين ضوابط الفرح المشروع بقدوم الشهر من تكثير الحسنات وإطالة الأعمار، محذراً من مظاهر الفرح الممنوعة كالأغاني والمسلسلات والاستهزاء بشعائر الصيام.

التأهيل الفقهي والبدني: العلم الشرعي والتدريب العملي في شعبان

يشدد المتحدث على ضرورة التزود بالعلم الشرعي قبل رمضان لإتقان أحكام الصيام وتجنب المبطلات وترتيب الأولويات بين الفرائض والنوافل. ويؤكد على أهمية التدريب العملي بالصيام في شعبان لتعويد الجسد على المشقة اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الإكثار من الصيام في هذا الشهر.

بناء العزيمة الصادقة: التدرب على الطاعات وأجر النية عند التعذر

يستحب التدرب في شعبان على الصيام وقراءة القرآن والنوافل لتأهيل النفس لانطلاقة قوية في رمضان، إذ إن صدق العزيمة والنية الجازمة يجلب تيسير الله وتحقيق المراد. ويوضح أن من نوى خيراً بصدق ثم حال دونه عارض كتب الله له أجر ما نوى، مستدلاً بأقوال السلف والأحاديث النبوية في فضل النية الصادقة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي أنعم علينا بنعم كثيرة وعظيمة جداً لا نستطيع لها حصراً ولا نستطيع لها عدّاً، ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وأعظم تلكم النعم نعمة التوفيق إلى هذا الدين العظيم، وإلى هذا الإسلام الكامل التام الذي ارتضاه الله جل وعلا لعباده، ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، أيها المؤمنون عباد الله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». فمن هذا الحديث العظيم انطلق إخوانكم في هذه الدار المباركة، دار الحديث بالشحر، على عقد هذه المجالس العلمية المباركة، خمسة مجالس متتابعة ومتتالية، كلها تهدف إلى أن يتفقه المسلم في دين الله جل وعلا. هذه هي الخيرية التي جعلها الله جل وعلا لهذه الأمة، لما سأل الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم عن خيار الناس، قال عليه الصلاة والسلام: «خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا». فإن الفقه في الدين من أعظم ما يستوجب على المسلم أن يهتم به وأن يعتني به. ولهذا، كما سمعتم إخواني في الله، عُقدت هذه المجالس المباركة عوناً لنا جميعاً على استقبال موسم عظيم وضيف مبارك كريم، ألا وهو شهر رمضان المبارك. وكان في هذه الليلة أول هذه المجالس عند شيخنا الفاضل أبي هاشم جمال بن خميس بن سرور، أفضله الله تعالى ورعاه، وهو حول استقبال رمضان بين الإعمال والإهمال. فإن المسلم إذا علم أن ضيفاً كريماً وضيفاً شريفاً سيحل عليه في بيته، فإنه سيعد له عدته ويتأهب له تأهباً صحيحاً. فكيف إذا كان هذا الضيف العظيم هو شهر رمضان المبارك، الذي ينبغي علينا جميعاً أن نستقبله بشوق وهمة، ونستقبله باستعداد كبير لعظيم مكانته ورفعة شأنه؟ والله جل وعلا قد كرم هذا الشهر العظيم بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾. هذا الشهر العظيم، عباد الله، الذي يأتيك في السنة مرة، تتزود فيه من الطاعات، من الصيام وتلاوة القرآن، وهكذا الذكر، إلى غير ذلك من الأعمال. ولا أحب أن أُطيل عليكم، فكلنا في شوق لسماع كلمة أو محاضرة شيخنا أبي هاشم، حفظه الله تعالى. وهكذا في يوم السبت، إن شاء الله، تتبعه مجالس يوم السبت والأحد والاثنين والثلاثاء لمشايخ دار الحديث بالشحر، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. والمحاضرة بعد ركعتي السنة الراتبة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فإننا نحمد الله جل في علاه أن يسر لنا هذا اللقاء تحت هذا العنوان: "بين يدي رمضان"، وهي الدورة التوعوية العلمية التي يقيمها إخوانكم من دار الحديث بالشحر، وذلك بمناسبة قدوم شهر رمضان المبارك. وقد سمعتم في خطبة اليوم حول ما يتعلق بما كان من عبارات سلفنا الكرام: "طوبى لمن أصلح نفسه قبل رمضان". وإنما نحن فيه، إخواني في الله، من هذه المجالس المباركة هي مما نلتمس به إصلاح أنفسنا، إصلاح أنفسنا من خلال الاستماع والاستفادة من هذه المجالس المباركة، وهي عبارة عن أيام معدودة وساعات محدودة، وسرعان ما تنتهي، لكن من خلالها سيستمع المسلم والمسلمة إلى خير كثير، وإلى علم وفير ينفعه أيما نفع، وهو في خضم شهر رمضان المبارك الفضيل. وشكر الله لأخينا سعد، حفظه الله، فيما كان من ترحيبه وتقديمه وتذكيره في هذا الموضوع الذي نحن بصدده. إخواني في الله، كلمتي وعنوان محوري في هذه الدورة المباركة هو ما سمعتموه حول استقبال رمضان بين الإعمال والإهمال. إخواني في الله، آه، نحن على مدة يسيرة، بإذن الله، إذا أطال الله بالأعمار، يوشك أن يُقبل علينا شهر عظيم مبارك، شهر لطالما اشتاقت إليه نفوس الصالحين والعارفين، شهر تضاعف فيه الأجور والحسنات، وتزداد فيه الخيرات والبركات، شهر قدنى وصوله وقرب دنوه. شهر رمضان هو شهر المغفرة والغفران، شهر البر والإحسان، شهر الرحمة والقرآن. فترى كيف استقبالنا لهذا الشهر المفضل؟ إن من تأمل في أحوال الناس في مثل هذه الأزمان ليرى العجب العجاب. فإن من الناس من لربما حصروا استقبال رمضان بتكديس الطعام وشراء ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات، ونحن لا نحرم على الناس هذا الباب، لكن يبقى السؤال: أهكذا يكون استقبالنا لرمضان؟ ومن الناس من لربما قد بدأ باستقبال رمضان من الآن، وذلك بتركيب الدشوش، وبشراء والاشتراك في القنوات لمتابعة الفوازير والمسلسلات، فلا يزال قابعاً أمام الشاشات إلى بزوغ الفجر. ومن الناس كحال بعض الشباب من جعل رمضان هو موسم للرياضة واللعب، فلربما أقيمت في رمضان المباريات والدوريات على مستوى الأندية والحارات، حتى أنه لربما يحمى الوطيص في العشر الأواخر من رمضان. فيا سبحان الله! وإن لم تقم مثل هذه الدوريات، فلهم يلتجئون إلى متابعة المباريات عبر التلفاز، فذاك مع الدوري الإنجليزي، وذاك مع الدوري الخليجي. وطائفة من الناس لهم في العير ولهم في النفير في رمضان، هم في النهار نوم نيام، وأما في المساء فوالتسكع في الأسواق والطرقات، لربما بالسمر مع الأصحاب والخلان، لا يحدث خيراً، بل رمضان مع غيره وكسائر الأيام، بل لربما زاد تيهه وطغيانه في رمضان أشد، بحجة ليالي رمضان. إخواني في الله، أحوال الناس عجب عجاب في هذا المقام والمضمار، وكل إناء بما فيه ينضح. لكن إن تأملت إلى حال المؤمن الصادق في إيمانه، والذي يعرف قيمة رمضان وعظيم منزلته عند الرحمن، فإن له في استقبال رمضان شأناً وأي شأن، شأناً وأي شأن. وإن استقبال رمضان، إخواني في الله، ينبغي أن يكون من الآن، وكما قال ربنا جل في علاه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، لأعدوا له عدة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "ومن أراد شيئاً هيأ له عدة". فعدة رمضان تبدأ من الآن. ومن الخطأ أن بعضاً من الناس من لربما ينتظر إلى أن يأتي رمضان، فبعد ذلك يدخل فيما يخطر على باله من أعمال وأقوال وأحوال، وهذا لا يوفق، لأنه دخل إلى رمضان من غير تخطيط ولا تنسيق ولا ترتيب، ولا تخلية ولا تحلية ولا تجلية. فعدم ترتيب هذه الأمور يوقعه في الاضطرابات. ومن هنا، لو يذكر كل منا حاله، لوجد ما كان من تخبطه يدخل عليه رمضان، فلا يزال يتخبط حتى يخرج منه. فلا تعيد الأمر يا عبد الله كما كنت في باقي الأعوام. هنا احرص يا عبد الله على استقبال رمضان الاستقبال الذي ينبغي لمقامه. وإني في هذا المقام، بإذن الله، إخواني، سأشير إلى أهم الأعمال والأقوال التي ينبغي أن يحرص عليها أهل الإسلام في استقباله لرمضان. أولاً: الفرح، وأعني بالفرح الفرح بقدومه والاستبشار بحصوله، فإن ذلك من المقامات العظيمة، ومن العبادات الجليلة، أن تظهر فرحك لدين الله جل وعلا، لطاعاته وشعائره وعباداته. قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾، أي بدينه وشريعته، ﴿فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. وهذا الفرح إنما يصدر من صميم قلوبنا، ويظهر ذلك في تباشير وملامح وجوهنا. وإن الفرح يا عبد الله برمضان وبسائر الطاعات إنما يكون لعدة أمور: الأمر الأول: نفرح برمضان لأننا نفرح بهذا الموسم العظيم الذي حبانا الله عز وجل به. حسبك، حسبك من رمضان، أنه شهر تضاعف فيه الأعمال الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة لا تخطر على بال. قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: "تسبيحة في رمضان بألف تسبيحة فيما سواه، وركعة في رمضان خير من ألف ركعة فيما سواه". أليس هذا حقه أن نفرح؟ الأمر الثاني: وهو أن الله أطال بالأعمار، أطال الله عز وجل بالأعمار، فهو ربنا عز وجل يمد في أعمارنا حتى نحضر هذا الشهر المفضل، لا بحولنا ولا بقوتنا، وإنما فضل محض من ربنا. كم من أناس هم أشد منا حرصاً وأكثر منا حباً على أن يكونوا معنا في حضور هذا الموسم، لكن سبقتهم الآجال ووافتهم المنية، وقضوا نحبهم، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، فأصبحوا من أهل القبور. ما أنت يا عبد الله؟ أطال الله في عمرك، هل يفرح؟ هل نفرح جميعاً؟ كيف لا نفرح يا عبد الله برمضان، ورمضان سيأتي بإذن الله ونحن على أحسن حال من الصحة والعافية، لاستقرار الأحوال وبحلول الأمن والأمان؟ هذه نعمة تتوالى علينا، فرمضان حقه أن يفرح به. وإن مما يدخل في موضوع الفرح برمضان مسألة التهنئة، فإن الذي عليه أكثر العلماء مشروعية التهنئة بقدوم رمضان، وهذا من المجريات التي جارت بها الأعراف، بل واستحب العلماء ذلك، أن يهنئ بعضنا بعضاً بدخول مثل هذا الموسم المفضل. يقول الإمام ابن رجب رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن التهنئة بدخول رمضان: قال رحمه الله تعالى: "وهذا الحديث أصل في تهنئة الناس بدخول رمضان، في تهنئة الناس بعضهم بعضاً في دخول رمضان". فمما يدخل في الفرح التهنئة، فلا حرج في ذلك ولا بأس. ومما لا يدخل في الفرح ما يقوم به بعض الناس للأسف من الإحداث، بالإتيان بالأغاني والمزامير، وما يسمى بالحفلات الصاخبة تحت مضلة الابتهاج برمضان، وتسمع عن تلك الأغنيات التي تصدر جديدة، وهكذا ما يقوم به القنوات الفضائية في المسابقة والمزاحمة على إخراج المسلسلات، حتى سمعنا عن إعلان عن عشرات بل مئات المسلسلات التي ستصدر هذا العام لرمضان احتفالاً برمضان. هل هذا فرح؟ هل هذا فرح عندما نأتي لأهل الإسلام بالملهيات والمضيعات التي تبعدهم عن طاعة الله جل وعلا؟ ليس هذا الفرح يا عبد الله، فليس هذا من الفرح الشرعي. ومما أذكر كذلك مما لا يدخل في موضوع الفرح، بل هو عكسه تماماً، وما يخالف الفرح عدة أمور، منها وعلى رأسها، ومن أبشعها وأفضعها: الاستهزاء برمضان. يدخل في ذلك الاستهزاء بالصائمين، الاستهزاء بمعالم الصيام، كالهزء بالسحور أو بالاعتكاف أو بالقيام. فهذا أدهى وأمر. قال ربنا عز وجل: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. كفر وزندقة، أن يجد بعض الضعفاء ما يجد من المزاح، إلا أن ينكد على رمضان وعلى شرائع الصيام. هذا كفر. تجد مثلاً في أيام رمضان من بعض السفهاء، من إذا تسحر الناس وأذن الفجر، إذ به يخرج في التواصل الاجتماعي ومعه قارورة ماء، ويقول: "ها صمتم، أتحداكم"، فيشرب الماء نهاراً، نهاراً، قصداً عمداً، وهو يضحك، يضحك. هذا ماذا تسميه؟ قمة الاستهزاء. هذا كفر، كفر يا عبد الله. فاحذر يا عبد الله من أن تمس شيئاً من دين الله بالاستهزاء أو الاستخفاف. كذلك مما ينافي الفرح بالصيام وبرمضان، ما يكون من البغض والكراهية، البغض والكراهية الذي يكون في القلوب، بل أحياناً يخرج على اللسان، ويتكلم به بعض الأنام، أنهم يضيقوا ذرعاً برمضان: "لا تذكرني برمضان، أنا أضيق من رمضان". هذا ما يصدر إلا من المنافق، أهل النفاق هم الذين يتبرمون من شرع الله عز وجل، كما ذكر ربنا عز وجل ذلك بقوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، فأحبط أعمالهم. لأن المنافق ما يملك إزاء شرع الله إلا الكره والبغض. بكلف المسلم عنده المحبة والفرح، المحبة والفرح. وقد ذكر أهل التاريخ والسير مثالاً لغلام كان في زمن الرشيد، كان غلاماً ماجناً، ذكر بقدوم رمضان، بدل أن يفرح تشاءم، تطير، ضاق ذرعاً، فأنشد أبياتاً يقول في مطلعها: "دعاني شهر الصوم ما كان من شهري ولا صمت شهراً بعده أبداً دهري" يعني ضيق وتبرم. طبعاً أبيات يعني يشتكي وأنه لو قدر على الصيام لا منع الصيام من الإسلام، إلى غير ذلك. هذا الغلام السفيه، كما جاء في ترجمته، أنه أصيب بالصرع، أصابه الله وابتلاه الله بهذا المرض، فكان يصطرع في اليوم عدة مرات، في اليوم عدة مرات، فلا يزال أمره كذلك حتى مات، مات على سوء خاتمة، وهو يضيق ذرعاً بهذه الشعيرة العظيمة. فهذا مما لا ينبغي، وليس من فرح بدين الله، ما يكون من الكره والبغض. ثالثاً: كذلك مما ينافي الفرح، ما يكون من بعض الناس من مسألة التثاقل. التثاقل، البغض شديد، لكن التثاقل، بعض الناس يرى أن رمضان ثقيل، ثقيل على النفوس، أو تجده يستثقل أيامه، يسأل: "ها كم باقي من رمضان؟ كم مر من رمضان؟ كم باقي من العيد؟" فلا يزال يستبطئ أيام رمضان، ما يصدق متى يمر عليه رمضان. هذا ليس من الفرح. وقد ذكر العلماء عند شرحهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا»، ذكر الإمام الخطابي رحمه الله تعالى شرحه لكلمة "احتساباً"، قال رحمه الله تعالى: "بمعنى أن يكون صومه على معنى الرغبة في ثوابه، غير مستثقل لنهاره، أو مستبطئ لأيامه". وهذا الاحتساب، من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. الاحتساب فيها نوع من أنواع الفرح. قال رحمه الله تعالى: "يصومه هذا معنى الاحتساب، يصومه على معنى الرغبة في ثوابه، غير مستثقل لنهاره، أو مستبطئ لأيامه". فالخلاصة، إخواني في الله، أن المسلم عليه أن يستقبل رمضان بما سمعنا، بما يكون من الفرح والاستبشار. وعلى هذا كان سلفنا الصالح، حتى كان من فرحهم عظيم الشوق لقدوم رمضان، فكان من أمرهم أن الواحد لربما دعا الله ستة أشهر في أن يعينه على استقبال رمضان، ستة أشهر وهو يتضرع إلى الله، وكل ذلك محبة وشغف وشوق إلى هذه الشعيرة العظيمة. ثانياً: مما يكون به استقبال رمضان، إخواني في الله، ما يكون بالعلم، وذلك بالتزود بالعلم الشرعي. رمضان هو في الحقيقة شهر الأحكام، شهر مليء بالأحكام، فيه من الفرائض والشروط والأركان، وفيه كذلك من الواجبات، ومن السنن، ومن المبطلات، فيها شروط، من كان من أهل الصيام، فيه من يكون من أهل الأعذار، ناهيك عن المسائل التي تستجد في كل زمان وفي كل مكان. ولعله سيأتي في درس غد، بإذن الله، حيث سيكون حول فقه رمضان والمسائل المعاصرة، عند أخينا الشيخ أبي همام، سيكون فيه الإيضاح لهذه المسائل، التي تدلك على أن رمضان شهر مليء بالأحكام، وهذه الأحكام تحتاج إلى معرفة وعلم. فالعلم يحتاج به المسلم الآن، الآن. قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: "باب العلم قبل القول والعمل". العلم قبل القول والعمل، فالعلم يسبق الأعمال. قبل أن تعمل، تعلم، تعلم، تعلم يا عبد الله. وقد جاء عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: "من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح". من عبد الله بغير علم أفسد أكثر مما يصلح. وإننا حين أن ندفع الناس إلى ضرورة التزود بالعلم الشرعي لرمضان، ذلك ينفعك يا عبد الله لعدة أمور: الأمر الأول: أن من خلال العلم ستعرف كيف يكون الصيام الصحيح، والذي كان عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، ستأتسي به، ستقتدي به عن طريق العلم. وإن شاء الله سيأتي في محاور هذه الدورة المباركة عند أخينا الشيخ أبي معاد ما فيه الحديث حول هدي نبينا العدنان عليه الصلاة والسلام في كيفية صيام رمضان. هذا بالعلم تعرف كيف كان عليه الصلاة والسلام، فالعلم بيان صحة الصيام. كذلك بالعلم يا عبد الله، به تجتنب وتبتعد عما فيه الإساءة لصيامك. وللأسف كم نجد من فتاوى تعرض على العلماء في أخطاء وهنات وزلات، بل ومبطلات، مبطلات وقع فيها كثير من الصائمين والصائمات خلال صومهم. من أين جاءهم ذلك؟ من الجهالات. فلو أنهم تبصروا وتفقهوا، لسلمهم الله عز وجل من هذه المبطلات التي أخدشت صومهم. كذلك بالعلم والتزود بالعلم يا عبد الله، ستكتشف أعمالاً وأقوالاً وأحوالاً تخفى، تخفى على كثير من الجهال. لربما تجد المسلم له سنوات طوال يسير على نمط معين في رمضان، ذكر أو حالة أو وصف يسير عليه، بينما الذي ينشغل بالعلم تتفتح عنده أواصر، يعرف أشياء كثيرة من الأقوال المأثورة، من الأدعية المستجابة، من الأحوال الطيبة، من السنن التي غفل عنها الناس. كيف حازها؟ بالعلم. بالعلم يستمع، يكتشف ذكراً، يكتشف وصفاً، يكتشف أثراً، فلا يزال يتزود ويتهجد، فيستطيع أنه يعقد الكثير من الطاعات، في حين غفل عنها الجهال. بماذا؟ بالعلم. بالعلم، حين أن تعلم، وأيضاً كذلك بالعلم يا عبد الله، يا أيها الصائم، تستطيع أنك ترتب الأولويات، الأهم فالمهم. لأن من الناس في رمضان من يخبط فيه خبط عشواء، فلربما بعضهم قدم المفضول على الفاضل، وقدم المسنون على الواجب. هذا نجده كحرص بعض الناس يحرص على التراويح ما لا يحرص عليه في أداء الفرائض والواجبات. هذا من التخبط. لكن إذا تعلم، علم الأولوية، لماذا؟ الأولوية للفريضة ثم للمستحبات، يعتني بالمهم فالأهم. وهكذا قس يا عبد الله. فالشاهد أن الإنسان يحتاج إلى أن يتزود بالعلم الشرعي من الآن، وأن يتسلح بالعلم، حتى يستطيع أن يتعبد الله عز وجل على بصيرة. ولهذا يا عبد الله، ستأتي كذلك محور آخر لأخينا الشيخ أبي عبد الله محمد باجعال، حفظه الله تعالى، حول أخطاء أهل الصيام وأخطاء أهل القيام في رمضان. تجد أن هذه الأخطاء إنما تصدر من عدم فقه ومن عدم العلم. أما من تعلم، فقد سلمه الله عز وجل من هذه الزلات والأخطاء. فالإنسان ذو حاجة للعلم. لما سمعنا، حفظكم الله. ثالثاً: مما يكون به استقبال رمضان، إخواني في الله، ما يكون من التدريب. التدريب، وأعني بالتدريب هو تمرين الجسم وتعويد الجسد على الطاعة والتعب. نحن قادمون على رمضان، رمضان هو شهر الصبر والمصابرة، صبر، شهر مثقل بالعبادات والطاعات، يحتاج إلى جد واجتهاد. سُمّي رمضان بشهر الصبر. قال ربنا عز وجل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قال: والصابرون في هذه الآية هم الصائمون، على قول أكثر العلماء. إنما يوفى الصابرون، أي إنما يوفى الصائمون". سما الله عز وجل الصائم بالصابر. وجاء كذلك في السنن، يحسنه جماعة من العلماء، ومنهم العلامة الألباني رحمه الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ». صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر، هو صوم الدهر. صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل دهر، من كل شهر، هو صوم الدهر. فقوله عليه الصلاة والسلام: "صوم شهر الصبر"، ما الذي يعنيه؟ قال العلماء: هو شهر رمضان، وصفه نبينا عليه الصلاة والسلام بشهر الصبر. بل ذكر العلماء على أن أنواع الصبر الثلاثة قد اجتمعت في رمضان. الشاهد من هذا كله على أن رمضان هو شهر الصبر والمصابرة، لما فيه من الجهد والمشقة. فهنا يحتاج الإنسان أن يتدرب ويعتاد، وخاصة لشعيرة الصيام. وفي هذا المقام ذكر العلماء الحكمة من كثرة صيامه عليه الصلاة والسلام في شعبان. كلنا يعلم ما كان من هديه عليه الصلاة والسلام من كثرة الصيام في شعبان، كان يصوم شعبان إلا قليلاً. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "ما رأيته أكثر صياماً منه في شعبان". قال أسامة: "يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان". هنا على الكثرة، ذكرها العلماء في حكمة الشرع في قيام نبينا بكثرة الصيام في شعبان، منها رفع الأعمال، ومنها هذه المسألة التي نحن فيها، ألا وهو التعود، التمرين، أن الإنسان يعتاد على شعيرة الصيام. فكم من إنسان لربما انقطع عن صيام رمضان من ذاك رمضان السابق، وأخذ سنة كاملة، ثم إذا أراد أن يعاود الصيام كهذا العام، وجد في ذلك مشقة عظيمة، حتى نسمع، وسمعنا، وقد سمعتم عن بعض الناس من لربما يقدم على الإفطار في أوائل أيام رمضان، بحجة عدم القدر على الاستمرار. ومن الناس من إذا صام بقي طريح الفراش في مدة ساعات الصيام، لماذا؟ للتعب والإنهاك الذي أصاب هذا. لكن انظر لمن اعتاد على صيام شعبان، اعتاد على صيام شعبان، صام أياماً من شعبان، سلك نفسه في شعبان، فإنه إن دخل رمضان يجده سهلاً ميسوراً، برداً وسلاماً، برداً وسلاماً. وهذا الأمر، إخواني في الله، ليس فقط خاصاً بشعيرة الصيام، بل إن من أهل العلم من فتح المجال كذلك لسائر الطاعات والعبادات. يقول العلامة ابن رجب رحمه الله تعالى: "ولما كان شعبان مقدمة لرمضان، فإنه يشرع فيه ما يشرع في رمضان". أي: شعبان مقدمة لرمضان، فاستعد به من الآن. قال: "لما كان شعبان مقدمة لرمضان، فإنه يشرع فيه ما يشرع في رمضان، من الصيام وقراءة القرآن". من الصيام قد مضى ومر، وهكذا قراءة القرآن. وجاء ذلك عن جماعة من العلماء ومن الصالحين، كسالم بن كهيل رحمه الله تعالى، قال: "كان يقال: شهر شعبان هو شهر القراء"، أي لكثرة ما كان الناس يقومون به على قراءة القرآن. يعتاد من الآن، حتى تذل اللسان على قراءة القرآن. تخيل أن إنساناً من الآن بدأ على قراءة القرآن، يقرأ ويقرأ ويقرأ، إذا دخل عليه رمضان، فإنه يجد من الانطلاق ما لا يجده من يبدأ في رمضان. وهذا مجرب، هذا مجرب. أولئك الذين هجروا القرآن ملياً، فإذا مسك القرآن، حده حده في اليوم كله، كله، لربما يقرأ ورقة، إذا قرأها يرى أنه قد بلغ شأناً عظيماً، ورقة. لكن الذي اعتاد يقرأ ورقة من الآن، ثم ورقة، ورقتين، يمر، فتجد أنه إذا دخل عليه رمضان سيمشي بعدة أوراق. وهكذا قس باقي الأعمال، مثل النوافل، النوافل القبلية والنوافل البعدية، هي كذلك على هذا المنوال. فكم من إنسان لربما عزف، عزف عن النوافل، حسبه أنه يصل الفرائض، لكن يتمنى، وهذا كثير، يتمنى نفسه أنه إن جاء رمضان سأحرص، إن جاء. ومع ذلك إذا جاء رمضان ما يوفق، وكثير منهم هم على هذه الشاكلة، ما يوفق، إن قام بها يوم، يومين، ثم انفلت وترك. لكن الذي يعتاد من الآن، مثلاً يحرص على صلاة الضحى، يحرص على سنة الظهر القبلية وسنة الظهر البعدية، ويحرص كذلك على سنة المغرب القبلية، ويحرص في العشاء، ويحرص على سنة الفجر القبلية. فكونه يحرص على النوافل ويعتاد بها من الآن، فسجدها أنها ملكة، وأن النفس قد ألفتها، فإذا جاء رمضان وجد أن النفس تتوق لهذه العبادة. وهذا أمر مجرب. فشاهد، عباد الله، أن مما يستقبل به رمضان من الآن، ما يكون من مسألة التدرب على الطاعات والعبادات. رابعاً: إخواني في الله، مما يذكر من مسائل استقبال رمضان، ما يكون من مسألة صدق العزيمة. صدق العزيمة، وصدق العزيمة هي من المسائل المهمة التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم ومسلمة، وهي مسألة خفية، تكون من مسائل النية، لكنها ليست أي نية. ما هو صدق العزيمة؟ صدق العزيمة، كما قال العلماء، هي النية الجازمة والإرادة الصادقة في أداء الطاعات والعبادات، بأن ينوي بغير تردد ولا تشكك. النية قد عزمت على أنه سيفعل، سيفعل، فقط ينتظر أن يحين الميعاد، فينطلق. هذه صدق العزيمة. فصدق العزيمة ليست هي عبارة عن نية عابرة، وليست هي عبارة عن خاطرة تخطر على النفس، وسرعان ما تذهب وتتلاشى. وصدق العزيمة بهذا الاعتبار هي مفيدة، مفيدة لنا في مسألتين اثنتين: أنك من الآن تحدث نفسك بصدق، ليست دعوة، ليست بالأماني ولا بالأمنيات، وإنما بصدق، أنك إن وفقك الله إلى رمضان لتفعلا، ولتفعلا. هذه النية الصادقة، نسميها العلماء بصدق العزيمة. فائدتها أولاً: أن الله عز وجل إن رأى منك هذا الصدق من قلبك، فإنه سبحانه وتعالى سييسّر لك العمل، سييسّر لك العمل، ويحقق لك المراد الذي هو في قلبك. وكما في الحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، إنما الأعمال بالنيات. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾. فمن كان صادقاً مع الله، فالله يصدقه ما نوى. ومثال سريع لهذا الباب، في قصة ذاك الرجل الذي أسلم عند خروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى أحد الغزوات، أسلم، فوافق النبي في غزوة، فخرج معه. ففي بداية الغزوة، غنم المسلمون، ففرق النبي الغنيمة على من عنده، وأعطى عطية هذا الغلام لرجل، أن هذا عطية فلان. فذهب رجل وأعطى الأعرابي الذي أسلم لتوه، لتوه، قسمته من المغنم. فلما وجد هذا الرجل الغنيمة قد جاءت، قال: "ما هذا؟". فقال: "هذه قسمتك من رسول الله عليه الصلاة والسلام". فجاء الرجل بقسمته إلى النبي، قال: "ما هذا يا رسول الله؟". قال: "هذه قسمتك من الغنيمة". فقال: "يا رسول الله، ما على هذا بايعتك، وإنما بايعتك على أنه يأتيني السهم منها هنا، ويخرج منها هنا، أموت وأدخل الجنة". هذا الذي بايعتك، خرجت معك بهذا، أني أقتل وأدخل الجنة. فقال عليه الصلاة والسلام: «إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ». هنا الشاهد: الصدق، إذا كان الإنسان صادقاً مع الله عز وجل في نيته وفي قصده وفي إرادته، فالله عز وجل يحقق لك المراد. فما هي إلا لحظات حتى ثارت الخيل، ودخل الناس في غزوة، فإذا بهذا الرجل يقتل، ويؤتى به إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأصيب، وأصيب حيث أشار. سبحان الله! أصيب حيث أشار. فلما رآه نبينا صلى الله عليه وسلم، قال: «أَهُوَ هُوَ؟ أَهُوَ هُوَ؟» أي: هذا. قالوا: "نعم يا رسول الله، هو هو". قال: «صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ اللَّهُ»، صدق الله فصدقه الله. لما يكون الإنسان صادقاً مع ربه عز وجل في كل مضمار، في كل باب، في أعماله، في أحواله، في توبته، في إنابته، في هدايته، حتى في مقاصده، إذا كان صادقاً مع الله، فالله عز وجل يصدقك بأن يجعل لك براهين ما أردت. فإذا، من فوائد، من فوائد صدق العزيمة، أنك تعزم من الآن على الأعمال، فالله عز وجل يحقق لك المراد بالصدق، بالصدق، والله يعلم نيتك وإرادتك. الفائدة الثانية التي يجنيها المسلم بصدق عزيمته: أن الله إن منع، وإن اعترض عليه عارض أو عذر أو مانع، فإن الله عز وجل يكتب له أجر ما نوى، وإن لم يعمل، وإن لم يعمل. هذه بصدق العزيمة. والأدلة على ذلك كثيرة، منها ما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَأَلَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ». أين انظر؟ أين مات؟ مات على الفراش، وأين منزلته؟ مع الشهداء. ما الذي بلغه؟ النية. هل كل نية؟ لا، صدق. قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ». قال الشراح، كالمناوي وغيره، رحمه الله: "من نوى شيئاً من عمل البر أثيب عليه، وإن لم يتفق له عمله، وإن لم يتفق"، أي لم يحصل لك عمله، فالله عز وجل يثيب، إذا نويت، لكن كما قلنا، بصدق وعزم وإرادة. أيضاً مما يؤيد هذا المعنى، على أن الإنسان بصدق العزيمة يعطيه الله عز وجل أجر ما نوى وإن لم يعمل، ما ثبت في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث القدسي: «قَالَ اللَّهُ: إِذَا حَدَّثَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَإِنِّي أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً». إذا تحدث عبدي، أي حدث نفسه، إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، بأن يعمل، هو ما عمل، ألا سيعمل؟ قال: «فَإِنِّي أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً». قال ابن رجب رحمه الله معلقاً على هذا الحديث، وعلى هذه الفائدة، قال: "وهذا يدل على أن المراد بالهم هاهنا العزم المصمم، هذا المراد صدق العزيمة". قال رحمه الله: "وهذا يدل على أن المراد بالهم هاهنا هو العزم المصمم، الذي يوجد معه الحرص، الحرص على العمل، لا بمجرد الخاطرة التي تخطر ثم تنفسخ من غير عزم ولا قصد". بهذا نعلم، نعلم كيف تؤجر على النية. أنا بمثال الآن، لو طرحت سؤالاً على جميع الحضور: "مَن منكم ناوي أن يحفظ القرآن؟". أنا قبل أن ترفعوا، أبصم بالعشرة أنكم كلكم سترفعون، كلكم ناوي، ناوي، ناوي، ناوي. لكن يبقى: هل بصدق العزيمة؟ لا، ليس بصدق عزيمة، لأن ما عمنا، ما عمنا، فقط الواحد يتكئ ثم ينظر إلى السقف: "إن شاء الله يحفظ القرآن، إن شاء الله"، ثم يخرج ولا يحفظ شيئاً، تمر عليه الأشهر والسنوات وهو ما حفظه شيئاً، لا آية، ولا حديث، ولا شيء مما يتعلق بكتاب الله سبحانه وتعالى. بعد الأذان نواصل، حفظكم الله. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه. أما بعد، فلازمنا في المقام الرابع، وهو من المسائل التي بها يكون استقبال رمضان، بما يكون من صدق العزيمة. وذكرنا أن صدق العزيمة هي النية الجازمة والإرادة الصادقة، التي لا يعترضها شيء إلا العارض، يمنعك من أداء الفعل. وإن من فضل هذه النية الصادقة، أنك يا عبد الله، يعينك الله على تحقيقها، أو أنك تتحصل على ثوابها إن لم توفق إلى العمل بها. ومما جاء عن آثار السلف في هذا المقام، ما جاء من قول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى، قال: "مَنْ هَمَّ بِصَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَٰلِكَ بَلَغَهُ اللَّهُ مَا نَوَى". بلغه الله ما نوى، أي: أعطاك الله أجر ما نويت. ما حج، ولا اعتمر، ولا صام، ولا قام، لكن لما أراد، من أين جاء الاعتراض؟ من المانع، شيء اعترض عليه، اعترض عليه، وإلا هو ناوي، عنده صدق عزيمة على الفعل، فهذا يعطى، هذا يعطى. ويؤيد هذا المعنى أيضاً ما جاء عند أبي الدرداء، من حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وقد ذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى في صحيح أبي داود، قال: «مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى». قال عليه الصلاة والسلام: "من أتى إلى فراشه وهو ينوي، ناوي، الله، سدد العدة، على أنه يقوم"، قال: "يصلي من الليل، فغلبته عيناه"، جاءه عارض، وهو الغلبة، يأتيه الغلبة من نومه، قال: "حتى أصبح، كتب له ما نوى". فشاهد، إخواني في الله، الأدلة كثيرة، تدل على أن الإنسان يستغل هذا المقام، وهو ما يعبر عنه بصدق العزيمة، من الآن، فيجدد عزمه على أنه إن وفق إلى رمضان ليفعلن، ليفعلن، لكي يباشر، فإن ذلك فيه إعانة الله له، وأيضاً