الدرس في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران من تفسير السعدي 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
تناول المقطع أهمية الآيات العشر الأخيرة من سورة آل عمران وفضلها، وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأها في قيام الليل. هذا يدل على أهمية هذه الآيات في العبادة والتقرب إلى الله.
التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار من أعظم العبادات التي تقود إلى تعظيم الله ومحبته وعبادته. ذكر الله عز وجل في القرآن آيات عظيمة تدعو إلى التفكر والإيمان.
التفكر في آيات الله الكونية والشرعية يقود إلى تعظيم الله وعبادته، ويبين أن الله هو الخالق الواحد الذي يستحق العبادة. المخلوقات لا تملك نفعا ولا ضرا، مما يعزز مفهوم التوحيد.
تم ختام الدرس بالحمد لله رب العالمين مع الإشارة إلى استكمال الشرح في الدرس اللاحق. هذا الختام أظهر امتنانًا لله على ما أُتمّ في الدرس، واستكمل الشرح للآية التالية في الدرس القادم.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فنحمد الله عز وجل على أن وفقنا لهذه الدورة العلمية بإذن الله جل وعلا، دورة بإذن الله مباركة. فهذه الدورة التي إن شاء الله تعالى نبدأ أول دروسها، وهذا الدرس هو درس التفسير، تفسير السعدي في تفسير العشر الآيات الأخيرة من آل عمران. وهذه العشر الآيات لها فضائل عظيمة، ولها أيضا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقولها إذا قام من الليل، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عباس لما بات عند خالته ميمونة، قال: فلما كان نصف الليل قام النبي عليه الصلاة والسلام ومسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إلى أن أتمها، أي أتم السورة. وأيضا مما جاء في فضل هذه الآيات التي فيها التفكر في آيات الله جل وعلا، وفيها أيضا الآيات العظيمة في مصير الإنسان، وأن الطريق إلى الله عز وجل طريق واحدة، فمن سلك الطريق التي تخالفها فإنه سلك إلى الهاوية. وأيضا فيها أن من دخل النار وخرج عن الطريق فقد أخزاه الله، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التفسير. هذه الآيات ومما يدل على أهمية هذه الآيات وأنها ينبغي للمسلم أن يتفكر فيها، بل يحرص على التفكر فيها، ما أخرجه الإمام ابن حبان رحمه الله في صحيحه بإسناد صحيح إلى عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي، قال: عن عبيد ابن عمير أنه قال: جئنا عائشة رضي الله تعالى عنها، فقالت: من هذا؟ فقال عبيد ابن عمير -وكان قاصا للمدينة رحمه الله- كان يقص ويعظ في المدينة، كان عبد الله ابن عمر إذا سمع عبيد ابن عمير يقص بكى من وعظه، فجاء إلى عائشة، وقال: عبيد ابن عمير، فقالت عائشة: ما لك لا نراك تزورنا؟ فقال: لم تسمعي إلى قول الأول: زر غبا تزدد حبا؟ زر غبا تزدد حبا، قالت: ما علينا من كلامكم هذا. ثم قال عبيد ابن عمير: يا أمه حدثينا عن أعجب ما رأيتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: قام ليلة من الليالي، وقال: يا عائشة، أتعبد ربي؟ فقالت: يا رسول الله، إنما أنا أحب قربك وأحب رضاك. ثم قام فبكى بكاء شديدا، ثم بكى حتى اخضلت لحيته، ثم بكى حتى اخضل حجره، صلى الله عليه وسلم، ثم بكى حتى اخضل العرض، حتى جاءه بلال وهو يبكي -أي كي يؤذنه للصلاة- فقال بلال للنبي عليه الصلاة والسلام: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: لقد أنزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتدبرها. لقد أنزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتدبرها. وهذا عند العلماء أنه ليس المراد به الاستمرار عن لو فعل، لو تفكر فيها مرة واحدة يكفيه من هذا الويل. فقال النبي: ويل لمن قرأها ولم يتدبرها، ثم قرأ هذه الآيات العظيمة. فبكى النبي عليه الصلاة والسلام لنزول هذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وهذا إنما لأجل أنها آيات عظيمة لأولي الألباب والعقول والقلوب التي تريد وجه الله، والتي صفت لله جل وعلا، وصفت لمرضات الله سبحانه وتعالى، فهي التي تتفكر في هذه الآيات. فقال مؤلف رحمه الله تعالى عند هذه الآية: قال يخبر تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يقول الإمام السعدي رحمه الله: وفي ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها والتبصر بآياتها وتدبر خلقها. فهذه الآيات قال: ضمن ذلك حث العباد على التفكر فيها، لأن الله عز وجل ذكر هذه الآيات لأجل أن يتفكر فيها. وربنا سبحانه وتعالى رغب العباد للنظر في آياته: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ فربنا جل وعلا أمر عباده أن يتفكروا في هذه المخلوقات العظيمة، ولهذا وصفها بصفات عظيمة، واستدل بها ربنا جل وعلا على أمرين عظيمين: أمر توحيده سبحانه وتعالى، وكذلك أمر البعث الذي أنكره كفار قريش وغيرهم من العرب، كانوا ينكرون البعث كما ذكر الله عز وجل في آيات كثيرة، وخاصة السور المكية تجد فيها كثيرا ما يذكر الله عز وجل ما يتعلق بالبعث بعد الموت، وما يدل على ذلك. ومن الأدلة التي ذكرها الله عز وجل وكررها كثيرا في القرآن: خلق السماوات والأرض، فذكر هذه السماوات العظيمة وكيف خلقها سبحانه وتعالى، وأن خلقها عظيم، حتى قال جل وعلا: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ فخلقهما أكبر من خلق الناس لأنها عظيمة، فخلقها الله عز وجل بتلك الصفة العظيمة التي حبكها ربنا جل وعلا، والسماء ذات الحبك، أي جعلها الله عز وجل محبوكة ليس فيها شيء من الانشقاق ولا شيء من التفطر ولا شيء مما يسوءها أو يخدش في حبكها، بل حبكها الله عز وجل وجعلها بغير عمد لم يكن هناك أعمدة تمسكها، إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزول، ولا إن زالت إن أمسكهما من أحد من بعده، ما يستطيع أحد يمسك هذه السماوات. فجعلها الله عز وجل خلق السماوات بغير عمد ترونها، خلقها بدون أعمدة، وجعلها وجعلها محبوكة عظيمة، وزينها بالنجوم في هذه البرج، وزينا السماء بزينة الكواكب، وزينها بهذه النجوم العظيمة التي تبرق في السماء، وغيرها مما جعله ربنا جل وعلا مما يبهر الخلق ومما ينبغي أن يتفكر فيه الإنسان. وكذلك هذه الأرض العظيمة التي جعلها الله عز وجل محل معاش ومحل أيضا سكن فيها للإنسان، وجعل هذه الأرض مفروشة مبسوطة، وجعل لها أوتادا ورواسي حتى لا تميد بالناس، وحتى لا تتحرك، وحتى لا تهتز، فجعل مثل هذه الآيات العظيمة حتى يتفكر الإنسان في مثل هذه الأمور العظيمة. كذلك أيضا قال المؤلف رحمه الله هنا: قال والتبصر بآياتها وتدبر خلقها، فالتفكر في مخلوقات الله عز وجل من أعظم العبادات، من أعظم العبادات، حتى أنه جاء عن ابن عباس وعن غيره من السلف، وجاء حديثا مرفوعا مختلف فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام وفيه: أن تفكر ساعة خير من عبادة سنة، تفكر ساعة خير من عبادة سنة، عن الذي يجلس التفكر في مخلوقات الله العظيمة ساعة واحدة خير له من أن يعبد الله عز وجل سنة. لماذا؟ لأن هذا التفكر يستفيد به لا شك، ولا رجل يستفيد به في إيمانه وفي تعظيمه لله جل وعلا، فيستفيد في طريقه إلى الله جل وعلا أكثر أحيانا وغالبا ممن اعتاد مثلا أن يعبد الله عز وجل أو يصلي في شيء من الأوقات، فقد لا يتأثر بهذه الصلاة، وقد أيضا لا ينتفع بهذه الصلاة، أقصد من ناحية إيمانه. فلهذا فالتفكر ينتفع به انتفاعا عظيما، وهذا التفكر الذي يكون في مخلوقات الله ليس كما يظن بعض الناس كالمعتزلة وكذلك بعض الإخوان المسلمين وغيرهم، أن التفكر في هذه الآيات لأجل أن يعرف أن الله عز وجل هو الخالق أو أن يعرف أن الله عز وجل مبدع أو بديع أو غيرها من هذه الأشياء، هذه أصلا شيء معلوم عند الناس غالبا وخاصة عند المسلمين. وإنما يستدلوا ويتفكر في هذه الآيات لأجل أن يعظم الله في قلبه، أن يعظم الله في قلبه فيقوده ذلك إلى القرب من الله ومحبة الله جل وعلا، وكذلك أيضا يقوده ذلك إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، فهذا الذي ينتفع بهذا التفكر، فهذا الذي ينتفع بهذا التفكر. وكذلك أيضا أمر عظيم كما ذكرنا يكون التفكر لأجل توحيد الله جل وعلا ومعرفة توحيده، وكذلك معرفة البعث بعد النشور وأنه حق. ولهذا ربنا جل وعلا استدل بهذه الآيات أو بهذا بهذه الآيات على توحيده جل وعلا وعلى أيضا أنه سبحانه وتعالى يبعث الناس بعد موتهم بعد موتهم. فقال جل وعلا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ﴾ واختلاف الليل والنهار أيضا كذلك اختلاف الليل والنهار من الآيات العظيمة التي يحدث الله عز وجل فيها تعاقب الليل والنهار، وتحصل فيه الأيام والشهور والأوقات، فتعرف الأوقات الليلية وتعرف الأوقات النهارية، وغيرها من الآيات العظيمة التي تكون في تعاقب الليل والنهار. ولهذا تجد أيضا كذلك أن ربنا جل وعلا ذكر الليل والنهار في آيات كثيرة، وأنها من آياته العظيمة، ومن آياته: الليل والشمس والقمر، أو الليل والنهار والشمس والقمر: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فهذه أيضا والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها، وغيرها من الآيات التي ذكرها ربنا جل وعلا في آية الليل وآية النهار، حتى يتفكر العبد في مثل هذه الآيات العظيمة ويستدل بها على عظمة الله جل و، فيزداد إيمانه ويزداد يقينه بالله سبحانه وتعالى، فيثمر هذا بعد ذلك في نفسه كثرة العبادة ومحبة الله عز وجل ومحبة دينه ومحبة ما يحبه الله جل وعلا. قال رحمه الله: وأبهم قوله: ﴿آيَاتٍ﴾ ولم يقل على المطلب الفاني، إشارة لكثرتها وعمومها على المطلب الفاني، أي جميع الآيات. وإنما قال: ﴿لَآيَاتٍ﴾ فأبهم هذه الآيات ولم يذكر ما هي هذه الآيات التي يستفاد منها، لكن قد ذكر بعضها في القرآن كما قد ذكرنا وإشرنا إلى شيء من ذلك. لكن قال الله عز وجل: ﴿آيَاتٍ﴾ هذه الآيات هي كثرة، وأيضا آيات عظيمة، لكن أراد ربنا جل وعلا أن ينبه عليها فلم يعين هذه الآيات بل أبهمها سبحانه وتعالى، قال: وذلك لأن فيها من الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين ويقنع المتفكرين ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية. وأن هذه مما يكون من الانتفاع بهذه الآيات، فهناك آيات عظيمة جعلها الله عز وجل في هذا الكون. وكما تعلمون أن التفكر في آيات الله يقود إلى الإيمان. وكما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله أن التفكر من الأبواب العظيمة التي ينبغي للمسلم أن ينشغل بها. فذكر رحمه الله في الجواب الكافي أن هناك خمسة أشياء هي التي تجعل قلب العبد يفكر في الدار الآخرة ويفكر في ربه جل وعلا وعبادته. فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث زيد بن ثابت: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة». فهذا كيف يجعل همه الآخرة؟ فأعظم شيء مما يجعل همه الآخرة أن يتفكر ويتدبر آيات الله عز وجل الكونية والشرعية، الكونية والشرعية. فهذه التفكر والتدبر يقوده إلى التفكر في الدار الآخرة وما عده الله عز وجل لأهل المتقين في الجنات، وما عده أيضا ربنا جل وعلا للمخالفين في النار. فلهذا فهناك آيات عجيبة لآيات، وهذا لأجل أنها عجيبة عظيمة، فنكرها ربنا جل وعلا فقال: ﴿لَآيَاتٍ﴾ فهي فيها آيات العجيبة ما يبهر الناظرين ويقنع المتفكرين ويجذب أفئذة الصادقين، يجذبها إلى تعظيم الله وعبادته، يجذبها إلى أيضا التفكر في هذه المخلوقات العظيمة وهذه المخلوقات النيرة. قال: وأما تفصيل ما اجتملت عليه فلا يمكن مخلوقا أن يحصره ويحيط ببعضه، معناه هذه الآيات كثيرة لا يستطيع الإنسان أن يفصل هذه الآيات ويأتي عليها كلها، ولهذا أبهامها الله عز وجل. قال: في الجملة فما فيها من العظمة والسعة وانتظام السير والحركة يدل على عظمة خالقها وعظمة سلطانه وشمول قدرته. وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنع ولطايف الفعل يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضيعها وسعة علمه. وما فيها من المنافع للخلق يدل على سعة رحمة الله وعموم فضله وشمول بره ووجوب شكره. أن إذا تفكر الإنسان في هذه الأشياء وجد أشياء عظيمة جعلها الله عز وجل ووضعها ربنا سبحانه وتعالى في مثل هذه المواضع، وأحكم خلقه وأبدع جل وعلا صنيعه، حتى يتفكر بن آدم وغيرهم في هذه المخلوقات العظيمة. فانتفعوا بعظمة الله جل وعلا وسعته، وهذا مما يثمر في العباد الطاعة، وأيضا كذلك يثمر الإيمان الذي يزداد في قلوب هؤلاء الصالحين الذين تدبروا مثل هذه الأمور. وأيضا كذلك يستدل بها العبد على سعة رحمة الله وفضله جل وعلا وشمول بره، فيتوجب عليه بعد ذلك شكره. قالوا: كل ذلك يدل على تعلق القلب بخالقه ومبدعه، وبدل الجهد في مرضاته، وأن لا يشرك به سواه، بأنه هذه الأشياء يبين الله عز وجل أنه خلقها وأبدعها، فكما قال ربنا جل وعلا: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ فيستدل ربنا جل وعلا على هذه المخلوقات بتوحيده جل وعلا وأنه هو الواحد سبحانه وتعالى الذي خلق هذه الأشياء، فهو الذي يستحق العبادة. يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، اعبدوا ربكم لماذا؟ لأنه الذي خلقكم وخلق هذه المخلوقات العظيمة، وسخر ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه سبحانه وتعالى لهذا الإنسان، فكيف بعد ذلك ينصرف هذا الإنسان إلى غيره ويشرك بالله جل وعلا ويصرف العبادة لغيره من المخلوقات التي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، ولم يكن لها خلقا ولا شيئا من هذه الأشياء. كما قال: ﴿وَيُشْرِكُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ فهم لا ينفعون بشيء ولا يملكون شيئا، فكيف يكونون آلهة ويكونون أو يعبدون من دون الله أو يشركون في عبادتهم لله جل وعلا أو بالله سبحانه وتعالى؟ قال رحمه الله: قال: وأن لا يشرك به سواه مما لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. فربنا جل وعلا قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَلَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ فهذه الآية كما قال ابن القيم قطعت عروق الشرك كلما تمسك به هؤلاء أهل الشرك قطعه الله عز وجل في هذه الآية. قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله فلا يملكون مثقال ذرة، ما عندهم شيء ما عندهم حتى ذرة شيء بسيط ما عندهم شيء في هذا الكون مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وما لهم فيهما من شرك أيضا حتى ما يشتركون فيها، وما لهم منهم من ظهير ليس لهم معاون ولا غيره، بل هؤلاء لا يملكون شيء فكيف يعبدون؟ فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: ولا يملك لنفسه ولا لغير مدخال ذرة في الأرض ولا في السماء. وخص الله بالآيات أولي الألباب وهم أهل العقول، لأنهم هم المنتفعون بها الناظرون إليها بعقولهم لا بأبصارهم، ينظرون إليها فيتفكرون يتفكرون في خلق السموات والأرض. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فلهذا هذه الآيات العظيمة يتفكرون فيها فتقودهم إلى ذكر الله فتقودهم إلى محبة الله فتقودهم إلى عبادة الله جل وعلا، فهؤلاء هم أولو الألباب وأولو العقول الذين انتفعوا بعقولهم. فربنا جل وعلا ميز الإنسان بالعقل، ميز الإنسان عن غيره بالعقل، لكن إن استفاد هذا الإنسان من هذا العقل فإنه قد ارتقى، وإن لم يستفد من هذا العقل صار مثله مثل الحيوانات أو ما هو أنزل: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ بل هم أضل، فهذا الذي لم يستفد من عقله ولم يقوده عقله إلى عبادة الله جل وعلا وإلى التفكر في مخلوقات الله وإلى تدبر آياته سبحانه وتعالى، فهذا ما ذكره المؤلف رحمة الله عليه في تفسير هذه الآية. إن شاء الله وتعالى نقف إلى هذا الحد ونكمل إن شاء الله وتعالى في درس اللاحق الآية التي بعدها. فالحمد لله رب العالمين.