الدرس في تفسير سورة البلد من تفسير الجلالين 4، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع معنى "ثم كان من الذين آمنوا" في سياق الآية الكريمة، ويبين أن "ثم" هنا للترتيب الذكري وليس الزمني، وأن الإيمان شرط لصحة الأعمال.
يشرح المقطع معنى التواصي بالصبر والمرحمة في الإسلام، ويبين أهمية وجود إخوان صالحين يعينون المسلم على أداء الطاعات والابتعاد عن المعاصي والصبر على أقدار الله المؤلمة.
المقطع يشرح معنى أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة في القرآن الكريم، ويوضح أن أصحاب الميمنة سيذهبون إلى الجنة وأصحاب المشأمة إلى النار المؤصدة المغلقة.
نقل تفسير المؤصدة بالإغلاق عن عدد من السلف، ومعناه أن النار مغلقة عليهم ولا يستطيعون الخروج منها، وردت أقوال كثيرة من أبي هريرة وابن عباس ومجاهد وغيرهم في هذا التفسير.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، كنا بالأمس مع المؤلف رحمه الله تعالى في قول الله جل في علاه: ﴿فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة﴾، ثم قال رحمه الله تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾. قال رحمه الله: «ثم كان» عطف على «اقتحم» أي عطف على ما مضى من الأعمال، «ثم كان»، قال: «ثم» للترتيب الذكري، والمعنى كان وقت الاقتحام. ما المقصود «ثم» للترتيب الذكري هنا؟ فائدة: الآية ذكرت أعمالًا: «فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة»، «ثم كان من الذين آمنوا»، وهي كأن الإيمان جاء متأخرًا، وهل هذا صحيح؟ هل الإيمان يكون متأخرًا عن الأعمال؟ لا، ما يكون متأخرًا لأعمال، بل الإيمان شرط في الأعمال. فلو أن الإنسان لو فعل ما فعل من الطاعات والعبادات ولم يكن مؤمنًا فإن ذلك يرد على وجهه. وأدل كثيرًا من الكتاب والسنة، هذه عائشة رضي الله تعالى عنها تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن ابن جدعان كان رجلاً في الجاهلية وكان من فعله أنه كان يصل الرحم ويطعم الطعام ويفك العاني ويقر الضيف ويعتق الرقاب»، هل هذا يغنيه من الله شيئًا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «لا، إنه لم يقل يومًا: رب اغفر لي خطيئة يوم الدين». فوفى على هذه الأفعال المذكورة في الآية: فك الرقاب وأطعم الطعام وأعطى المساكين، لكنه لم يأت بالإيمان، فردت هذه الأعمال على وجهه. والأدلة كثير على هذا. ولهذا قال علماء: هذه الآية تحمل على قوله تعالى: «ثم كان» هنا «ثم» إلى الترتيب ما يسميه العلماء ها هنا بالترتيب الذكري، الترتيب الذكري وهو التفصيل بعد الإجمال، التفصيل بعد الإجمال يكون بقصد الإيضاح، فليس عندي ترتيب زمني، وإنما هنا من باب التوضيح والتفصيل لما مضى، فهي من أول ما قاموا به الإيمان، هذا محمل أول. ومن أهل العلم حمل هذه الآية «ثم كان من الذين آمنوا» حمل «ثم» بمعنى الواو، بمعنى الواو كما أشار إلى هذا القرطبي والبغوي، فيكون معنى الآية: «ثم كان من الذين آمنوا» أي «وكان من الذين آمنوا»، أي هذا الفعل منه أنه كان يعتق الرقاب، وكان يطعم المساكين، وكان من المؤمنين، وكان، فهذا من أوائل أعماله، فتحمل «ثم» على أن المقصود بها الواو. وهذا قال به الجماعة من أهل العلم. ومن أهل العلم كذلك أتى بمعنى آخر، وهو على أن هذه الآية بمعنى أنه فعل هذه الأفعال «ثم كان من الذين آمنوا»، أي أنه استمر به الإيمان حتى إلى آخر حياته، إلى آخر حياته وفاه الله وهو لا زال على الإيمان، هذا نعم يحتمل، وقد قال بهذا جماعة من المفسرين. وقال رحمه الله تعالى: والمعنى كان وقت الاقتحام من الذين آمنوا وتواصوا، قال: أوصى بعضهم بعضًا بالصبر على الطاعة وعن المعصية، أي أن من صفة هؤلاء الذين اقتحموا العقبة بأعمالهم بما كان من عتق للرقاب وإطعام للطعام وإعانة وإكرام لليتامى أنهم كذلك كانوا من المؤمنين بالله جل وعلا، ومن الصابرين، وكانوا من الصابرين. فقال هنا بالصبر على الطاعة وعن المعصية، وأيضًا الصبر على أقدار الله المؤلمة، الصبر على أقدار الله المؤلمة، فأنواع الصبر الثلاثة. وفي قوله تعالى: ﴿وتواصوا﴾ هنا قال: أوصى بعضهم بعضًا، فيه من إشارة إخواني في الله إلى أن المسلم بحاجة إلى إخوانه لكي يصبرونه على مقام الصبر، خاصة ونحن في هذه الأزمان الذي يبتلى به الإنسان بالضعف في طاعة الله، فيحتاج إلى من يعينه على أداء الطاعات. وفي هذا الزمان ما نجده من كثرة المحرمات والملذات التي لربما تزل بها الأقدام، فالإنسان بحاجة إلى إخوانه ممن يصبرونه عن المعصية وأن ينكف عنها. وأيضًا في هذه الأزمان كثرت البلايا والرزايا والمصائب، فالإنسان يحتاج إلى من يصبره على أنه يؤمن بقضاء الله وقدره، فالإنسان بحاجة. ولهذا ينبغي أن يكون هذا من شعائر المسلمين أن يتواصى بعضنا بعضًا، فمن وجدناه في ضعف قمنا بإرشاده وقمنا بتعليمه. قال: «وتواصوا بالمرحمة»، قال: الرحمة على الخلق، وأيضًا من صفات هؤلاء المحسنين أنهم من الرحماء، أنهم من الرحمة ممن يرحمون خلق الله، بل والخلق كافة. ومقام الرحمة من أعظم مقامات الدين، بل إن دين الله كما قال إمام السعد: يقوم على الرحمة في أصوله وفروعه، الدين كله قائم على الرحمة في أصوله وفروعه. وإن مما ينبغي أن نتراحم فيما بيننا، خاصة من ذوي القرابة: الرحمة بالآباء، الرحمة بالأمهات، الرحمة بالأزواج، الرحمة بالإخوان، الرحمة بالأرحام، الرحمة بالجيران، الرحمة بالأصحاب، الرحمة بعامة أهل الإسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا»، قال قائل: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: «ليست برحمة أحدكم صاحبه، وإنما رحمة يرحم بها الناس كافة»، هذا هو الرحيم يرحم كافة الناس، وهذا قل من يصل إلى هذه المنزلة. فالمسلم كذلك يحتاج إلى التواصي، نتواصى فيما بيننا أن نتراحم، بأن نلين للمسكين، وأن نعطف على المسأل الفقير، وأن كذلك نمد يد العون لكل محتاج. ثم قال سبحانه: ﴿أولئك أصحاب الميمنة﴾، قال: أولئك الموصوفون بهذه الصفات التي مضت، وهم من اقتحموا العقبة وهي الشدائد والأهوال، اقتحموها بأعمالهم من عتق الرقاب ومن إطعام الطعام ومن الإحسان للأيتام والمحتاجين، وكانوا من المؤمنين وكانوا من الصالحين والصابرين والرحماء، أولئك ما شأنهم؟ أصحاب الميمنة. قال المؤلف: اليمين، واختلفت أقوال العلماء في معنى أصحاب الميمنة، لماذا سموا بأصحاب الميمنة؟ قيل: أنهم يؤخذون كتبهم بأيمانهم، فسموا بأصحاب اليمين لأن على أخذ اليمين الجنة. وقيل: سموا بأهل اليمين بأصحاب الميمنة لأنهم يؤخذ بهم ذات اليمين، يفترق الناس إلى فرقتين: أصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين؟ أصحاب اليمين يتميزون على جنب، هؤلاء بهذا التمييز سيذهب بهم إلى الجنة، فلتميزهم في صفوفهم بجهة اليمين سموا بأصحاب اليمين. وقيل: أصحاب اليمين من معاني ذلكم أن اليمين هنا مأخوذ من اليمن، مأخوذ من اليمن والبركة، فهؤلاء بأفعالهم كانوا ميامين، أي بركة على أنفسهم بما جلبوها لهم من الخيرات بأعمالهم، فهم أصحاب اليمين، هذه المعاني نعم مذكورة عنهم. قال: ﴿والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة﴾، قال: الشمال، الذين كفروا بآياتنا كفروا بالأنبياء، كفروا بالرسل، كفروا بالقرآن، كفروا برب العباد، كفروا بيوم القيامة، وهم كثر، لا كثرهم الله، هؤلاء لنطغوا وبغوا وزادوا في هذه الأزمان حق حكمهم عند الله عز وجل أن الله جعلهم هم أصحاب المشأمة. ما معنى أصحاب المشأمة هنا؟ قال المؤلف: الشمال، نفس ما ذكر عن أصحاب اليمين يذكر عن هؤلاء، هؤلاء العتاة الطغاة الكفرة الفسقة سموا بأصحاب المشأمة لأنهم من أصحاب الشمال، إما أنهم أخذوا كتبهم بشمالهم، وأخذوا الكتاب بالشمال أمارة على الهلاك، أو أنهم تميزوا فجعلوا في جهة الشمال تمهيدًا لجرهم إلى نار جهنم. أو أنهم أصحاب المشأمة ليس من الشمال وإنما من كلمة الشؤم، أصحاب المشأمة أي أنهم شؤم على أنفسهم، من أين جاءهم الشؤم؟ شؤمهم بأعمالهم، بما كان من كفرهم وزندقتهم وإعراضهم وتطاولهم واستهزائهم على أمر الله وعلى أنبيائه، بأفعالهم هم شؤم على أنفسهم، بل «طائركم معكم»، شؤمكم معكم، أنتم الذين أتيتم بهذه الدواهي في الدنيا وفي الآخرة. فالشؤم، والمشأمة هنا إما تحمل أصحاب الشمال أو أنها تحمل على أصحاب المشأمة أي بمعنى الشؤم. قال: ﴿عليهم نار مؤصدة﴾، قال: بالهمزة والواو بدلة، أي هذه الآية تقرأ على قراءتين: بالهمز وبالواو، «عليهم نار مؤصدة» أو «عليهم نار موصدة»، موصدة بالواو أو بالهمزة، وكل القراءتين صحيحة. لهذا قال المؤلف: بالهمزة والواو بدلة، إما هذا وإما هذا على أقوال القراء. ما معنى المؤصدة؟ قال: مطبقة، وجاء التصريح بأنها مغلقة، جهنم لها أبواب، فإذا دخلوا إلى جهنم أغلقت عليهم الأبواب فلا تفتح أبدًا. وقد نقل تفسير المؤصدة بالإغلاق نقل هذا عن أبي هريرة وعن ابن عباس وعن مجاهد وعن عكرمة وعن الحسن وعن الضحاك، فالشاهد: وهذا أقوال كثير من السلف «عليهم نار مؤصدة» أي نار مغلق عليهم، لا يستطيعون منها الخروج، نسأل الله السلامة والعافية. بهذا انتهينا من قراءة سورة البلد من تفسير الجلالين إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.