الدرس في شرح القواعد المثلى 34، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يعرض الفصل الرابع من "القاعدة المثلى" شبه أهل البدع حول تأويل نصوص الأسماء والصفات، وزعمهم أن أهل السنة أولوا بعض النصوص، فيطالبونهم بالموافقة أو المداهنة، ويرد الشيخ بجواب مجمل وآخر مفصل.
يوضح أن فهم السلف لآيات الصفات ليس تأويلاً صرفاً بل المعنى المتبادر من السياق اللغوي والشرعي، مثل آية ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ التي تدل على المراقبة والرعاية لا الحلول، ويرد على من يحمل الاستواء على الاستيلاء بأنه تحريف لا أصل له.
يبين أن تفسير أهل السنة للآية ليس تحريفاً بل مبني على أدلة متصلة (الباء للمصاحبة والمراقبة) ومنفصلة (آية الاستواء على العرش تثبت علو الله)، مما ينفي أن تكون السفينة في عين الله ذاتياً.
يسرد الشيخ ثلاثة أمثلة يزعم المخالفون أن أهل السنة حرفوها أو أولوها، وقد رد على شبهاتهم، وأشار إلى تأجيل تفصيل ذلك إلى درس قادم.
الحمد لله، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال الشيخ العثيمين عليه رحمة الله في كتابه "القاعدة المثلى": قال: "الفصل الرابع: شبهات والجواب عنها". وهذا الفصل مهم جدًا؛ لأن أهل البدع والأهواء ممن ضل في باب الأسماء والصفات يولدون شبهًا على أهل السنة، فلربما ضعيف العلم تؤثر فيه هذه الشبه، ويتزعزع اعتقاده وإيمانه في هذا الباب. فمن المناسب أن تورد هذه الشبه حتى يكون السني على معرفة ودراية بشبه القوم. وقد ألف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب كتابًا اسمه "كشف الشبهات" في الرد على الصوفية، فأورد شبه المخالفين والرد عليها. ومنهج قويم عليه العلماء الراسخون. فهنا الشيخ العثيمين في هذا الفصل سيورد بعض الشبه التي هي مهمة ومنتشرة ومتداولة عند أهل البدع، حتى إذا سمعها السني تكون عنده حصانة وعنده دراية بها فيردها ويستطيع أن يلجم الخصم. قال: "اعلم أن بعض أهل التأويل والتحريف -أولى كما تقدم- اعلم أن بعض أهل التأويل أورد على أهل السنة شبهة هنا. أفردها، والمراد هنا شبه جمع شبهة، لكن هنا أراد الجمع والله أعلم. في نصوص من الكتاب والسنة في الصفات، ادعى -يعني هذا المحرف- أن أهل السنة صرفوها عن ظاهرها. يقول: يا أهل السنة، أنتم تقولون لا نحرف، عندكم تحريف هذا في ظنة. فأورد بعض النصوص، وأورد كلامًا لبعض السلف، مثلاً أنهم ذكروا تفسيرًا لها، فظن أن هذا التفسير هو تحريف أو تأويل بزعمه. فيريد أن يقول: نحن أولنا، وأنتم كذلك أولتم يا أهل السنة. واضح، لكن هذا غير صحيح كما سيبين الشيخ. ولذلك قال: ادعى، والادعاء هو الذي يكون من غير بينة. قال: ادعى أن أهل السنة صرفوها عن ظاهرها ليزم أهل السنة بالموافقة على التأويل أو المداهنة فيه. ما معنى الموافقة؟ يعني يريد أن يقول هذا المحرف: أنتم أولتم أيضًا يا أهل السنة، فإما أن توافقوا على ما أولنا فتؤولوا جميع النصوص، وإما أن تداهنونا. ما معنى تداهنونا؟ يعني تسكتوا عنا ونسكت عنكم. نداهن بمعنى كل واحد يسكت عن الآخر، فلا تؤلفون في الرد علينا، ولا تصفوننا بأهل بدع ولا أهل ضلال. تسكتوا عنا ونسكت عنكم. فهمتم هذا الآن؟ من قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾، نسكت عنا ونسكت عنكم. واضح. فهذا معنى قوله: ليزم أهل السنة بالموافقة على التأويل أو المداهنة. وقال: كيف تنكرون علينا تأويل ما أولناه مع ارتكابكم لمثله فيما أولتموه؟ هذا بزعمهم، وإلا فأهل السنة ما أولوا تأويلاً خارجًا عن اللغة وخارجًا عن ظاهر النصوص كما تقدم. لكن هذا بزعمهم ودعواهم. وسيذكر الشيخ أمثلة على ذلك مما ظن أنه تأويل من أهل السنة، وسيرد عليهم بإذن الله. ثم قال: ونحن نجيب بعون الله تعالى عن هذه الشبهة بجوابين: مجمل ومفصل. ومعنى مجمل: يعني عام في كل آية أو حديث زعم هؤلاء أن أهل السنة أولوه. نجيبهم بجواب عام مجمل، بجواب عام مجمل هذا أولاً، ثم نجيبهم بجواب خاص مفصل على كل دليل، على كل دليل. والمجمل والمفصل هذا فيه زيادة رد على المخالف، زيادة رد على المخالف. فإن الدليل العام نستطيع أن نرد به كل شبهة، نستطيع أن نرد به كل شبهة، والدليل الخاص نرد به على الشبهة الخاصة، على الشبهة الخاصة. فإذا أمكن أن يكون في المسألة الواحدة دليلان: عام وخاص، فهذا من باب زيادة التأكيد، تأكيد الرد على هؤلاء، تأكيد الرد على هؤلاء. قال: أما المجمل، فيترخص في شيئين. الرد المجمل ما هو؟ يترخص في شيئين. قال: أحدهم: أننا لا نسلم أن تفسير السلف لها صرف عن ظاهرها. إذا قالوا مثلاً: أولتم قول الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، فقالوا: المفهوم من قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أن العين ظرف للسفينة، معنى أن السفينة في عين الله. هذا تفسير هؤلاء. طيب. فقالوا: كيف أخرجتموها عن ظاهرها وقلتم: تجري برؤيتنا؟ هل السنة يفسرون ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ يعني برؤيتنا لها واطلاعنا عليها؟ فهي في الأرض، السفينة ليست في السماء. واضح. فهم يقولون: إذن أنتم أولتم. فيقال لهم: أولاً، نحن لا نسلم أن تفسير السلف لها صرف عن ظاهرها. لا نسلم لكم بذلك، يعني لا نوافقكم على أننا أولنا. هذا لا يسمى تأويلاً. فإن ظاهر الكلام ما يتبادر منه من المعنى، وهذا قد تقدم معنا لو تذكرون في قاعدة في الكلام على ظاهر الكلام: أن الكلمة الواحدة قد يكون لها أكثر من معنى، وكيف تعين المعنى المراد بالسياق. صح. ولذلك قال هنا: فإن ظاهر الكلام ما يتبادر منه من المعنى، وهو يختلف بحسب السياق. هذا أولاً. وما يضاف إليه الكلام هذا ثانيًا. فإن الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام. ومثلنا بلفظ "القرية": فقد يراد بها أهل القرية، وقد يراد بها المساكن. كيف عرفنا هذا؟ بالسياق، السياق وما يضاف إليه الكلام. فقول الله عز وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾، هل مراد المساكن؟ لا، المراد أهل القرية. صح. لأن السياق يدل على هذا. لو سأل المساكن هل ستجيبه؟ هي جماد. صح. فالمراد: اسأل أهل القرية. لكن في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، هل المراد بالقرية الأهل؟ لا، لأن الأهل قد ذكروا، وإنما المراد المساكن. فاسأل أهل هذه المساكن، وليس فاسأل أهل هذه الأهل، ما يصلح. إذن كيف عرفنا المعنى؟ عرفنا المعنى بالسياق. فالكلمات المشتركة يعرف معناها بحسب السياق وما تضاف إليه. فمثلاً في هذا المثال: لماذا ما أخذنا على هذا المعنى الذي هم فهموه؟ لأن ما يتبادر إلى الذهن منه، وما يدل عليه المعنى، أن السفينة في الأرض، وأن الله سبحانه وتعالى لا يحل فيه شيء. هذه حقيقة الحلول: أن السفينة في عين الله عز وجل. واضح. فإذن المراد من ظاهر هذه الآية: تجري بمرأة منا لنراها، ليس معنى أنها في عين الله عز وجل. إذن هذا مفهوم من سياق المعنى، السياق يدل على هذا، فيأبى المعنى التأويل الذي فهمه هؤلاء المحرفة. فأنتم هذا الآن، فهذا معنى قوله: فإن الكلمات يختلف معناها بحسب تركيب الكلام. قال: والكلام مركب من كلمات وجمل يظهر معناه ويتعين بضم بعضها إلى بعض. بضم ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: أي هذه السفينة في الأرض تجري بمرأة ورعاية منا. واضح هذا الآن. فهذا هو الرد الأول: أننا لا نسلم. هذا الرد مجمل. إذا جاءك المحرف بأي تأويل أن أهل السنة أولوا ذلك، نقول له: لهذا لا يسمى تأويلاً، أو لا يسمى تحريفًا، بخلاف تحريفهم هم، ليس له معنى في اللغة أبدًا، لا من قريب ولا من بعيد. فقوله: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قالوا: استولى. من أين أتوا بهذا المعنى؟ هل "استوى" يأتي بمعنى "استولى"؟ ثم المعنى يأباه: المعنى أن الله عز وجل ما كان مستوليًا على هذا العرش، ما كان في ملكه ثم استولى عليه. هذا يقدح في ذات الرب سبحانه وتعالى. إذن لا تدل عليه اللغة ولا المعنى. فيمزم الآن الفرق. أولا: نقول لهم: نحن لا نسلم لكم أن هذا تحريف كتحريفكم، أو أن هذا تأويل كتأويلكم، بل هذا ما يتبادر إليه من اللفظ، هذا المعنى المتبادر من هذه العبارات ومن هذه الكلمات. قال: هذا الرد الأول في الرد المجمل. قال: ثانيًا: أننا لو سلمنا -يعني جدلًا وافتراضًا- أن تفسيرهم صرف عن ظاهرها، هنا التفسير: أهل السنة صرف عن ظاهرها، فإن لهم في ذلك دليلاً من الكتاب والسنة يصرفونها، لكن لهم دليل يدل على هذا الصرف. أما أنتم، أين دليلكم؟ ودليلهم ليس بالهوى، ولا كذلك العقل، إنما دليلهم بالكتاب والسنة، بالكتاب والسنة. قال هنا: فإن لهم في ذلك دليلاً من الكتاب والسنة، إما متصلاً وإما منفصلاً. المتصل: الذي يكون في نفس الدليل تمام. والمنفصل: الذي يكون بدليل آخر، يعني غير هذا الدليل، دليل آخر. وهذا سيأتي إن شاء الله. وليس شبهات يزعمها، يزعمها الصارف، براهين وقطعيّات توصل بها. لأن فيما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله، يعني ليس كصرفكم للأدلة بالهوى والعقل. إنما إن وجد صرف للأدلة -لو سلمنا- فإن هذا الصرف عن ظاهر اللفظ كما تزعمون، له دليل إما من نفس الدليل، وإما من دليل آخر منفصل عنه، منفصل عنه. فمثلاً في هذه آية: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ما هو الدليل الآخر الذي يدل على أن المعنى الذي أراده هؤلاء منتفي، الذي أراده المحرفة، وهو أن المعنى: أن السفينة في عين الله عز وجل؟ ما هو الدليل الخارج؟ قال الله عز وجل: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، هذا دليل خارج. فالسفينة أين؟ في السماء أو في الأرض؟ في الأرض. وأين الله؟ في السماء. إذن لما صرف أهل السنة هذا الدليل، صرفوه بأدلة أخرى، لا يمكن أن نذهب إلى المعنى الذي ذهبتم إليه أبدًا. فأنتم هذا الآن، فهذا دليل من الكتاب والسنة، فلا يمكن أن نحمل الآية على ظاهرها كما تزعمون. فأنتم هذا الآن. وأما الدليل المتصل: في نفس الآية، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، فالباء هنا قالوا: ليست باء المذا... الباء هنا تأتي بعدة معان. فالباء هنا ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ليست هي باء المعية الظرفية، عفوًا: باء الظرفية، وإنما هي باء المصاحبة: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ يعني بمرأة منا، بمرأة منا، فهي بمعنى المصاحبة. واضح هذا الآن. وليست الباء هنا ضرفية بمعنى: تجري بأعيننا، داخل أعيننا. واضح أن العين ظرف لهذه السفينة؟ لا. هذا دليل ماذا؟ من نفس الدليل، ليس منفصلاً، بل هو متصل. فأن الباء هنا باء للمصاحبة، ليست للمعية، ليست للظرفية. فأنتم هذا الآن. وأما الخارجي: بأدلة أخرى في المعية ونحو ذلك. المصاحبة بمعنى: يعني الانفصال مع المرافقة. ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾: عن مرأة وعن اطلاع منا على هذه السفينة. طيب. فكأن الله عز وجل مصاحب لهذه السفينة بالرؤية. فهمت هذا الآن؟ هذا معنى المصاحبة. مثال: مثلا تقول: مشيت مثلا بالطريق، يعني مصاحب للطريق. واضح هذا الآن. لكن لما تقول: مشيت بالسيارة، يعني داخل السيارة. السيارة هنا ماذا تعني؟ تفيد الظرفية. فهمت هذا الآن؟ لكن مشيت مثلا بكذا، مثلا بالجبل، يعني مصاحب للجبل. تمام. مشيت مثلا بالنخيل أو بالحديقة، يعني مصاحب للحديقة، ليس داخل الحديقة. فهمت هذا الآن؟ قال: وأما المنفصل: فعلى كل نص ادعى أن السلف صرفوه عن ظاهره، يعني هذا الدليل المنفصل تأتي بدليل خارج الدليل الذي استدل به في هذه المسألة، في هذه المسألة. ثم مثل الشيخ بثلاثة أمثلة يزعم هؤلاء أن أهل السنة حرفوها أو أولوها، ورد عليهم شبهتهم. فلعلنا نؤجل ذلك إن شاء الله إلى درس قادم.