الدرس في تفسير سورة البلد من تفسير الجلالين 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تفسير الآية الكريمة ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ بثلاثة مؤكدات وبمعنيين مختلفين. الآية تشير إلى خلق الإنسان في نصب وتعب أو في أحسن هيئة مستقيمًا.
الآيات القرآنية تشير إلى غرور الإنسان واغتراره بقوته وماله، وتناقش إنفاق المال في سبيل الكفر. الله قادر على الإنسان وإنفاق المال في الكفر يؤدي إلى الحسرة.
الأغنياء ينفقون أموالهم في غير سبيل الله مثل الحفلات والترف، والقرآن يصف هذا بالهلاك. الله يعلم بكل ما ينفقه الإنسان وسيحاسبه عليه يوم القيامة.
نعم الله على الإنسان مثل العينين واللسان والشفتين لها أهمية كبيرة. الآيات القرآنية تشير إلى أهمية هذه النعم في النطق والكلام وجمال الوجه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في الدرس السابق -إخواني في الله- كان الشروع في تفسير سورة البلد، وكنا مع قول الله جل في علاه: ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد﴾، وقد أشرنا إلى معاني هذه الكلمات، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، هذه الآية جاءت مؤكدة بثلاثة مؤكدات، «لقد خلقنا الإنسان في كبد»، جاءت مؤكدة بالحرف «اللام» الذي يدل على التأكيد، لام التوكيد، والأمر الثاني في كلمة «قد» والتي تفيد التحقيق، والأمر الثالث في موقع الجملة؛ إذ إنها في جواب القسم، لأن ما مضى معنا مقسم به: ﴿لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد﴾، هذه كلها أقسام، ما هو جواب القسم؟ ما هو المقسم عليه؟ هذه الجملة: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، فهي جواب قسم، فهذه المؤكدات الثلاث جاءت في تأكيد هذه الجملة: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، ما معناها؟ هذه الكلمة «في كبد» تأتي على معنيين شهيرين عند العلماء. نبدأ بالمعنى الأول الذي تكلم أو ذكره المؤلف -رحمه الله- قال: ﴿لقد خلقنا الإنسان﴾ أي الجنس «في كبد»، نصب وشدة، يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة، هذا المعنى الأول، ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ أي في مكابدة، في تعب، في مشقة، في نصب، في هذه الدنيا وما سيأتي بعدها، من أول ما يخرج من بطن أمه وهو يبكي، بكاء، ثم بعد هذا في حياته تلم به الملمات من الأمراض والأسقام والهموم والأحزان، ولا يزال على هذا الحال؛ فدوام الحال من المحال، فلا يزال الإنسان يرتفع مرة ويسقط مرة، بين غنى وفقر، وبين فرح وسرور وحزن، وبين فقر، وبين صحة ومرض، وعلى هذا الحال إلى أن تأتي البرزخ حين يضم بهذه الضمة في قبره، ثم إذا جاءت القيامة بأهوالها وشدائدها، فالإنسان في كبد، في مكابدة. والفائدة من تذكير الإنسان بهذه الحالة أنه إذا أراد أن ينجيه الله عز وجل من هذه المكابدة فعليه بالعمل، به يكون الخروج من هذه المشاق والأهوال والشدائد، يسعد بعمله في الدنيا وفي الآخرة، هذا المعنى الأول. والمعنى الثاني في قوله تعالى: ﴿في كبد﴾، قالوا: إن «الكبد» في اللغة العربية تأتي بمعنى الاستواء والاستقامة، هذا معنى «كبد» في اللغة العربية، بمعنى الاستواء والاستقامة، فقوله سبحانه وتعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، هذا في وصف الإنسان، أي أن الله عز وجل خلقه على أحسن هيئة وعلى أحسن صفة، خلقه الله عز وجل مستقيما منتصبا على قدمه، ما خلقه الله جل وعلا كباقي المخلوقات، وهي التي تكب، يكب وجهها على الأرض، لا الإنسان يرفع القامة، شرف شرف الله عز وجل الإنسان في خلقته. وهذا المعنى أثر كذلك عن مجاهد وعن عكرمة، أثر كذلك عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- وعن جماعة، والفائدة من هذه المسألة على المعنى الثاني: أن الله خلق الإنسان في هذه الهيئة، أن جعله منتصبا مستقيما فيها، فائدة أن الإنسان يشكر نعمة الله، ﴿ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾، يشكر ربه على هذه الهيئة التي ليست بحولك ولا بقوتك، ما جعلك الله تزحف على بطنك، وما جعلك تمشي على الأربع، وإنما جعلك الله منتصبا قائما، هذا المعنى الثاني. إذن في قوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾، تحمل على معنيين شهيرين، المعنى الأول ذكره المؤلف، بمعنى في مكابدة وتعب ونصب، والمعنى الثاني «في كبد» أي في استقامة واستواء، منتصب، هذا وذا قيل في تفسير هذه الآية الكريمة. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿أيحسب الإنسان أن لن يقدر عليه أحد﴾، قال -رحمه الله تعالى-: «أيحسب» أيظن الإنسان، قوي قريش، وهو أبو الأشدين، «كلده» بقوته، أن مخفف من الثقيلة، واسمها محذوف، أي أنه لن يقدر عليه أحد، والله قادر عليه، في قوله تعالى: ﴿أيحسب أن لن يقدر عليه أحد﴾، أي هذا الإنسان لا يغتر، لا يغتر بما أعطاه الله من نعم ومن قوة. فالعلماء في هذا الموطن من الآية بعضهم -كما ذكر المؤلف- ذهب إلى أن هذه الآية تتحدث عن إنسان، وهو الذي عبر عنه المؤلف بقوله: «قوي قريش»، وهو أبو الأشدين، واسمه «أسيد بن كلدة الجمحي»، أسيد بن كلدة الجمحي، كان قويا من أقوياء قريش، ذكر العلماء في كتبهم أن من قوته أنه كان لربما يضع الشيء تحت قدميه ويتحدى فيقول: «من استطاع أن يزيلني من هذا المكان وينتزع ما تحت قدمي فله كذا وكذا»، يتحدى، فكان يضع -كما قال جماعة من العلماء- يضع الحديد، القطع، الجلود، ونحو ذلك، ثم يقف عليها، فيأتي من يأتي من الأشداء يحاولون أن ينتزعوا هذا الشيء من تحت قدميه فلا يستطيعون إلا أن يتقطع، إلا أن يتقطع، أما هو ما يتحرك، هذا الذي يذكر عنه في ترجمته، وأن هو المعني بهذه الآية: ﴿أيحسب أن لن يقدر عليه أحد﴾، أن يغتر على الله بقوته، هذا قول، وهو كما قلنا أشار إليه المؤلف. ومن أهل العلم من يرى إلا أن الآية عامة في حال الإنسان حين أن يغتر على ربه: ﴿يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم﴾، الإنسان فيه غرور، فيه غرور، فيرى أنه ما هناك أحد يستطيع أن يقفه عند حده كائنا من كان، ويتناسى ربه جل في علاه، قال: ﴿أيحسب أن لن يقدر عليه أحد﴾. يقول: «أهلكت مالا لبدا»، قال: يقول: «أهلكت» على عداوة محمد مالا لبدا كثيرا، بعضه على بعض، أي هذا لا زال على القول الأول بأنه يعود إلى هذا الرجل الكافر المشرك والذي اغتر بقوته، والذي كان يتبجح بأنه أنفق الأموال الكثيرة، كما قال ربنا: ﴿مالا لبدا﴾، واللبد الكثير، لهذا قال مثلا: «سماء ملبدة بالغيوم»، ملبدة أي مجتمعة، مسودة بعضها فوق بعض، فهذا الرجل يغتر بأنه قد أنفق المال الكثير في سبيل ماذا؟ في سبيل الصد عن دين دين الله وعن اتباع الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام-، كانوا كذلك ولزالوا، لكن بقي ما الذي انتفعوا؟ هل انتفعوا؟ لا، وهل حققوا المرامي؟ الجواب لا، ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواهم والله متم نوره ولو كره الكافرون﴾، ما استطاعوا، بس تكون هذه الأموال الكثيرة التي أنفقوها تعود عليهم بالندامة والحسرة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾. وهذه وقفة مع هذه الآية: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم﴾، تخيل كافر وينفق، قد يبتوقع أحد هذا الأسلوب، لكن هذا الأسلوب فيه فائدة: أننا -معاشر المسلمين- نتأمل في حال الكافرين، كافر وينفق، لا تظن أن النفقة خاص بنا معاشر المسلمين، ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم﴾، ينفق ما يريد، جزاء، طب لماذا ينفق؟ يصد ويحارب دين الله جل في علاه، فعلا، فإذا كان الكافر بهذه المثابة، فما ظنك بالمسلم؟ يا من أعطاك الله الأموال الكثيرة والأرزاق الوفيرة، أما كان ينبغي أن تنفق مالك في سبيل الله؟ بلى، هذا الذي ينبغي، لكن للأسف نجد أن الكثير من المسلمين من الأغنياء والأثرياء حرموا التوفيق، لو ربما ما يبذل ماله إلا في حالاته الشخصية ومنافعه الذاتية، أو ينفقه شذر مذر، لا يعود عليه بنفع، للأسف. فالحاصل أن هذا القول الأول يقول: «أهلكت» أي على عداوة محمد مالا لبدا، مالا كثيرا، وحملت هذه الآية -كما قلنا- على عموم على عموم من على عموم الإنسان، ممن ينفق ماله فيما لا منفعة فيه، في الشهوات، في الملذات، قد ينفق الإنسان الملايين والمليارات على حفل غنائي، لربما يأتي بالفرق الغنائية ويأتي بالراقصين والراقصات والمغنين والمغنيات وينفق عليها الأموال الطائلة، ناهيك عن الترف والبذخ والإسراف، هذا المال، تأمل يا عبد الله في تعبير القرآن، يقول: «أهلكت مالا لبدا»، وصف ربنا عز وجل هذا الإنفاق بالهلاك، «أهلكت»، «أهلكت مالا»، لماذا وصف بالهلاك؟ لأن هذا الذي دفعه لأجله سيعود عليه بالخسارة، بالخسارة، بالخسارة، هي هلاكك، هو أراد نعم أن يتمتع بهذه الأموال ومشترى بها أن يتمتع، لكن متعة زائلة، وما شعر هذا المسكين وهذا المخذول إلى أن هذه الأموال ستعود عليه بالندامة يوم القيامة، فلهذا عبر ربنا عن هذه الخسارة بأن وصف إخراج المال بأنه إهلاك، يقول: «أهلكت مالا لبدا». ثم قال سبحانه: ﴿أيحسب أن لم يره أحد﴾، قال: أيحسب أي أنه لم يره أحد فيما أنفقه، فيعلم قدره، والله عالم بقدره، وأنه ليس مما يتكبر به، ومجازيه على فعله السيء، أي هذا الذي بدل المال الكثير في سبيل محاربة الدين، أو بدل المال الكثير فيما لا ينفع الإسلام ولا المسلمين، هل ظن أن ما أحد يتابع هذه الأموال لكثرتها ولعظيم ما أنفق؟ هنا قال سبحانه: ﴿أيحسب أن لم يره أحد﴾، الجواب لا، الله عز وجل يعلم بكل ما أنفقه هذا الإنسان، عظم أو حقر، كقل أو كثر، كل ريال وكل دينار وكل فلس أنفقه في أي باب، إلا وربنا قد علمه، ويسأل عنه يوم القيامة، كما في حديث أبي برزة الأسلمي: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، ومنها عن ماله: من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟»، فالشاهد قال هنا المؤلف: «فيما أنفقه فيعلم قدره والله عالم بقدره»، الله عالم بقدر هذه الأموال الطائلة التي ذهبت، فالله سبحانه وتعالى عالم بها. وكما جاء في قوله تعالى: ﴿والله أعلم بما يوعون﴾، مرت معنى هذه الآية لو تذكرون، وأن معنى «بما يوعون» أي بما يجمعون، وهذه الآية تحتمل على أنه ما يجمعون من الأفكار في الضمائر، أو ما يجمعون في أيديهم من الأموال، كل شيء جمعوه فالله سبحانه وتعالى يعلم به. ثم قال سبحانه: ﴿ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين﴾، قال: «ألم نجعل» استفهام التقرير، أي جعلنا له عينين ولسانا وشفتين، هذا التذكير ببعض نعم الله العظيمة وآلائه الجليلة التي أنعمها على الآدميين، أن من الله عليه بهذه الحواس، بحاسة النظر بالعين، آية من آيات الله، من عجيب خلق الله سبحانه وتعالى، ما هي العين؟ تأمل فيها، عبارة عن جرم رخوي، رخوي، هذا الجرم الرخوي من خلاله تبصر، كيف تبصر الألوان والأشكال والأوصاف والقريب والبعيد، وما دقة وما عظمة، تميذ بين، سبحان الله، كيف الآن الإنسان البشر إذا احتاج إلى أن يصنع عين صناعية، أو كما قال «عين الكترونية»، يحتاج إلى مئات الوائرات والأسلاك والكمبيوترات لتميز الأضواء والألوان، أجهزة، وانظر إلى هذا العضو، ما أسهله، مركب في جسمك وأنت تنظر -يا عبد الله- تنظر العالم بأسره، وجعلها الله آية التي ينبغي أن يتأمل بها كل صاحب عينين. قال: ﴿ألم نجعل له عينين ولسانا﴾ ينطق بها ويتكلم بها، ﴿وشفتين﴾، الشفة جعلها الله عز وجل معينة للكلام والنطق، ومعينة في مسألة الطعام والأكل، وهي كذلك جمال لوجه الإنسان، سيأتي معنا -بإذن الله- تتم لهذه الآيات في درس غد. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.