الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 2، ألقاها
يبدأ الشرح بمقدمة حول أهمية البسملة والحمد لله في كتب العلم، ويبين معنى الحمد وسبب استحقاق الله تعالى له. يُظهر أهمية الابتداء بهما في التأليف والكتابة.
يُعرّف التوحيد بإفراد الله تعالى بما يستحقه، ويقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. يُبين أن ضد التوحيد هو الشرك الذي يعني تسوية غير الله بالله.
يناقش تفاصيل أقسام التوحيد الثلاثة، ويشرح توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. يُظهر أن توحيد الألوهية كان محور الخلاف بين الرسل وأعدائهم، وأن توحيد الربوبية مركوز في الفطر.
يشرح أن الله وحده له الأسماء الحسنى والصفات العلا، ويبين معنى قوله تعالى "ولله الأسماء الحسنى" وأهمية الحصر والقصر فيها. يُعيد التأكيد على أقسام التوحيد الثلاثة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد": بسم الله الرحمن الرحيم. هكذا جاء في نسخة أن "بسم الله الرحمن الرحيم" من ابتداء الإمام الصنعاني رحمه الله. وجاء في نسخة أخرى ما ظاهره أن "بسم الله الرحمن الرحيم" من بعض النساخ؛ لأن فيها: "بسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام العلامة الحبر الفهامة الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله تعالى". وهذه النسخة ظاهرها أن البسملة من عمل الناسخ، فالله أعلم. وعلى كلٍ، سواء كانت من الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى أو من الناسخ لكتاب "تطهير الاعتقاد"، فالبسملة قد جرت عادة المصنفين الابتداء بها في كتب العلم، واستقر الإجماع على ذلك؛ أي على الافتتاح بالبسملة في كتب العلم. والبسملة "بسم الله الرحمن الرحيم"، الباء فيها بمعنى الاستعانة، والتقدير: أستعين بالله الرحمن الرحيم على ما أؤلفه إن كان تأليفًا، وإن كان قراءة على قراءة ما أردت قراءته. فالحاصل أن التقدير يكون بحسب ما أراده الإنسان. وقوله رحمه الله تعالى "بسم الله الرحمن الرحيم"، إن كان المبتدئ بها الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى، يكون استفتح كتابه بالبسملة، ويكون الاستفتاح بالبسملة ابتداءً حقيقيًا فيها؛ أي أنه ابتدأ بالبسملة ابتداءً حقيقيًا. وقوله "الحمد لله" يكون ابتدأ كذلك بالحمد لله في كتابه ابتداءً إضافيًا نسبيًا، هذا إذا قيل بأن البسملة منه. وإن كانت البسملة من الناسخ، فيكون ابتداءه الحقيقي بـ "الحمد لله". وقوله رحمه الله تعالى "الحمد لله"، الحمد هو ذكر محاسن المحمود مع المحبة له والتعظيم، هذا هو أصح المعاني في تعريف الحمد. وهو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وكذا تلميذه العلامة ابن القيم رحمهم الله تعالى جميعًا. وقوله رحمه الله تعالى "الحمد لله"، اللام في قوله "لله" لام الاستحقاق؛ وذلك لأن الحمد كله يستحقه ربنا تبارك وتعالى، فهو جل جلاله المستحق للحمد المطلق. وربنا تبارك وتعالى يُحمد كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى لسببين: الأول لكماله وجلاله وعظمته وكبريائه، فهو يُحمد لكماله جل وعلا، ويُحمد كذلك لإنعامه. فإذًا للحمد سببان: أولها كمالات الرب جل وعلا، وثانيها إنعام الرب جل وعلا. وله الحمد المطلق؛ لأن الألف واللام في قوله "الحمد" للإستغراق، ومعنى الاستغراق أي أنها تستغرق كل المحامد، فكل حمد يستحقه الرب جل وعلا، فإن ربنا تبارك وتعالى مستحق له لما تقدم من كماله وجلاله، وكذلك إنعامه وإحسانه. وقوله رحمه الله تعالى "الحمد لله الذي" الذي لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد، فلا يتخذون له ندًا، ولا يدعون مع الله أحدًا، ولا يتوكلون إلا عليه، ولا يفزعون في كل حالة إلا إليه، ولا يدعونه إلا بأسمائه الحسنى، ولا يتوصلون إليه بشفعاء؛ إذ لا يشفع عنده إلا بإذنه. وقال سبحانه: ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾. وقوله رحمه الله تعالى "الحمد لله الذي"، "الذي" هاهنا اسم موصول، وقوله "الذي" هاهنا "الذي" وما دخلت عليه من الجملة في محل وصف لقوله "الحمد لله"، فهي وصف لله جل وعلا. فهو يقول: "الحمد لله الذي" من وصفه أنه لا يقبل توحيد ربوبيته من العباد حتى يفردوه بتوحيد العبادة كل الإفراد. وقوله رحمه الله تعالى "الذي لا يقبل توحيد ربوبيته" إلى آخر ما ذكره، التوحيد في اللغة من تفعيل؛ أي يقال: وحد يوحد توحيدًا إذا جعله واحدًا. وحقيقة توحيد الله تبارك وتعالى هي فراد الله تعالى وخصائصه، فلا يشرك مع الله جل وعلا غيره في هذه الحقوق التي هي لله رب العالمين جل وعلا، ولا في الخصائص التي اختص بها ربنا تبارك وتعالى عن عباده. وضد التوحيد الشرك، وحقيقة الشرك تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا في حقوقه وخصائصه، أو في شيء من حقوقه وخصائصه. قال الله جل وعلا عن المشركين -عن أهل النار- أنهم قالوا وهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فحقيقة الشرك تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا، وحقيقة التوحيد إفراد الله جل وعلا بما يستحقه سبحانه وتعالى. والتوحيد بالاستقراء ينقسم إلى ثلاثة أقسام. التوحيد بالاستقراء -ومع الاستقراء- أن العلماء رحمهم الله تعالى استقرأوا كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاستخلصوا هذا التقسيم، وهو أن التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. فأما توحيد الربوبية، فهو إفراد الله جل وعلا بأفعاله، أو إفراد الله جل وعلا بالخلق والملك والتدبير. قال الله جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. وقال الله جل وعلا تبارك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. ألا له الملك. فربنا تبارك وتعالى منفرد بأفعاله، منفرد بالملك، منفرد بالخلق، منفرد بالتدبير، هذا توحيد الربوبية. وتوحيد الألوهية: إفراد الله جل وعلا بالعبادة. وتوحيد الألوهية كما يقول علماء يعرف باعتبارين، أو يسمى توحيد الألوهية، ويسمى توحيد العبادة باعتبارين. أما الأول -وهو ما يسمى بتوحيد الألوهية- باعتبار إضافة هذا التوحيد إلى الله جل وعلا، فيقال: توحيد الألوهية، وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة. ويقال كذلك: توحيد العبادة، ويسمى كذلك توحيد العبادة؛ أي باعتبار إفراد العباد العبادة لله رب العالمين جل وعلا. فيسمى توحيد الألوهية، ويسمى توحيد العبادة بالاعتبارين. وهو ما تقدم ذكره: إفراد الله جل وعلا بالعبادة. وبعضهم يعرفه فيقول: إفراد الله جل وعلا بأفعال العباد، والمراد بالأفعال العبادات. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. وقال الله جل وعلا: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾. فالعباد لله جل وعلا وحده. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وهذا النوع من العبادة -أو هذا النوع من التوحيد- والذي وقع فيه الخلاف واشتد بين الموحدين وبين المشركين، سواء كانوا الأولين أو كانوا من المتأخرين؛ الأولين الذين بُعث فيهم الرسل، وأولهم نوح إلى آخرهم وهو محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، كلهم أرسلوا بتوحيد العبادة؛ لأن توحيد الربوبية كان مستقرًا في الفطر، والكل مقر به. نعم، جحده بعضهم وهو مستيقن له في قلبه، كما حصل من فرعون، كما قال الله جل وعلا عنه وعن قومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. وقال الله جل وعلا عن موسى أنه قال له: «لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا». فهو يعلم في قرارة نفسه أن الله جل وعلا هو الخالق وحده، وهو المالك وحده، وهو المدبر وحده، ولكنه أشرك واستكبر وجحد. فتوحيد الربوبية كما يقول علماء رحمهم الله تعالى مركوز في الفطر، وإنما أنكره من أنكره إما عن جحود، وإما أن يكون ممن قد تلوثت فطرته، فحصل منه ما حصل؛ كما حصل من الوثنيين، وحصل من المجوس الذين يقولون بأن للعالم خالقين: خالق النور وخالق الظلمة. ومع هذا يجعلون خالق النور هو الأكمل والأعظم من خالق الظلمة. بل بعضهم يقول بأن خالق الظلمة إنما هو مخلوق لخالق النور. وعلى هذا فهم يجعلون خالقًا واحدًا. وعلى كلٍ، توحيد الربوبية مركوز في الفطر. وأخبر الله جل وعلا في آيات من كتابه الكريم أن المشركين يقرون به. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. فهم يقرون بأن الله جل وعلا هو الخالق لهم. ولكن وقع الشرك منهم في توحيد العبادة، في توحيد الألوهية، في استحقاق الله جل وعلا العبادة وحده لا شريك له. ولأجل هذا التوحيد أرسل الله جل وعلا الرسل، وأنزل الكتب، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾. فهو بتوحيد ماذا؟ بتوحيد الألوهية: "أنه لا إله إلا أنا فاعبدون". قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فالرسل من أولهم إلى آخرهم أرسلوا بتوحيد الإلهية، بتوحيد العبادة؛ لأنها التي وقع فيها الخلاف والنزاع بين الرسل وأعداء الرسل. هذا النوع الثاني -أو القسم الثاني- من أقسام التوحيد. القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات. وتوحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العليا التي أثبتها الله جل وعلا لنفسه في كتابه، أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إثباتًا من غير تمثيل وتنزيهًا من غير تعطيل. قال الله جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فالله جل وعلا له الأسماء الحسنى وحده؛ لأنه قال: "ولله الأسماء الحسنى"، فقدم ما حقه التأخير. وتقديم ما حقه التأخير عند البلاغيين يفيد الحصر ويفيد كذلك القصر. فالله جل وعلا وحده هو المستحق للأسماء الحسنى والصفات العلا. فهذه أقسام التوحيد الثلاثة. نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت، وما تبقى نؤجله إلى درس لاحق بإذن الله جل وعلا. إلى هنا، سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.