الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 34، ألقاها
يتناول المقطع شبهة القبورية في تعظيم القبور وعبادتها، ويبين أنها قائمة على اتباع الأكثرية دون دليل شرعي. يشير إلى تشابه هذه الشبهة مع ما كان عليه الجاهليون الأولون.
يُناقش المقطع شبهة الاستدلال بكثرة الناس على صحة الممارسات، ويقدم ردًا قرآنيًا يبين أن الكثرة ليست دليلًا على الحق. يؤكد على أهمية قبول الحق والاستماع للحجة.
يناقش المقطع ظاهرة التقليد الأعمى للآباء والأجداد في العقائد الباطلة، ويبين دور العلماء في إظهار الحق وإنكار الباطل. يشير إلى كيف ينشأ الصغار على هذه العقائد.
يشرح المقطع اكتمال الدين الإسلامي بفضل الله تعالى، وبيان النبي صلى الله عليه وسلم للمعروف والمنكر. يشير إلى أن التوحيد من أعظم المعروف والشرك بالله من أعظم المنكر.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام محمد بن إسماعيل بن الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى في كتاب تطهير الاعتقاد، وكذلك في صدد ذكر شبه القبورية وما تعلق به من شبه، ضنوها حججًا، فإذا بها تتهافت أمام أدلة الكتاب والسنة. قال رحمه الله تعالى: فإن قلت: هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأغوار والأنجاد وطبق الأرض شرقًا وغربًا، ويمنًا وشامًا، وجنوبًا وشمالًا، بحيث لا تجد بلدة من بلاد الإسلام إلا وفيها قبور ومشاهد وأحياء يعتقدونها ويعظمونها ويهتفون بأسمائها ويحلفون بها ويطوفون بفناء القبر ويسرجونها ويصنعون كل أمر يقدرون عليه من العبادة لها والتعظيم، بل هذه مساجد المسلمين غالبها لا يخلع عن قبر أو في قريب منها أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة، ويصنعون فيه ما ذكر - أي من أنواع التقرب والعبادات - قالوا بعض مما ذكر، وليس يعقل أن هذا منكر يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جهات من الدنيا. هذه من الشبه التي يدندن بها القبورية من قبل ومن بعد. هذه الشبهة في الحقيقة هي شبهة من شبه الجاهليين الأولين الذين قالوا كما قال الله جل وعلا عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، والذين نظرُوا إلى الأكثرية وإلى الأغلبية وظنوا أن الحق بالكثرة، لا أن الحق بالدليل، ولا أن الحق عليه نور من الله رب العالمين جل وعلا، بل غرهم كثرة الناس وزيغان من زاغ ممن ينتسب إلى العلم ممن ضل وأضل، وزل وأزل غيره بسبب ما وقع منهم من متابعة الجهال، بل والدعوة إلى ما عليه أكثر الناس. وما يذكره الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في زمنه قد وجد في أزماننا هذا في كثير من أماكن إلى أزمنة قريبة، بل وفي هذه الأزمنة وفي هذه الأيام في بعض البقاع وفي بعض الأمكنة، لا تزال هذه الظواهر موجودة، نسأل الله جل وعلا أن يعجل بتطهير الأرض منها. فهؤلاء القبورية مما يحتجون به على صحة ما ذهبوا إليه من جواز صرف العبادة إلى غير الله جل وعلا، إلى جواز الذبح والنذر والطواف والدعاء والاستغاثة إلى غير ذلك من أنواع العبادات إلى جواز صرفها إلى غير الله جل وعلا، بأن هذا الأمر قد عم وطم وصار في بلاد المسلمين، صار سِيرَان المسلمات، فأكثر الناس على هذا الأمر، فكيف يكون أكثر الناس على ضلال؟ وكيف يكون أكثر الناس على خلاف الحق والصواب؟ بل كيف يكون هؤلاء كذلك ومعهم من معهم من العلماء ممن قد شاع اسمه وذاع وتقطعت به الآفاق ممن ينتسب إلى العلم والعلماء ممن هو متابع لهؤلاء القبورية في عبادتهم وعباداتهم لغير الله جل وعلا؟ فهذه شبهة وهي في الحقيقة عند الجهال شبهة قوية، كيف تدفع؟ لأن كثيرًا من الجهال إذا جئت تحاجه على بعض المسائل - حتى في المعاصي، ليس في مجرد الشرك بالله جل وعلا الذي هو عند أهل التوحيد أظهر من أن يحتاج إلى دليل وبرهان، بل في كثير بل في عموم المسائل - تجد الجاهل إذا قيل له: هذا الأمر حرام - مثلا الغناء حرام - كيف تقول: الحرام وأكثر الناس يستمعون الغناء؟ وهذا العالم الفلاني - يسمي بعض علماء الزيغ والضلال مثل قرضاوي ونحوه - يقول بجواز الغناء وما شابه ذلك، فهذا من هذا الباب. أو يأتي إنسان يقول: البنوك يجوز التعامل مع البنوك، كيف تسمونها ربوية وتقول: لا يجوز التعامل معها؟ وأكثر الناس أموال في البنوك، عامة الناس أموال في البنوك، بل وقد أفتى بذلك العالم الفلاني والعالم الفلاني ممن له الصيت في المجتمعات الإسلامية، وهو من أهل الضلال ومن أهل الزيغ ومن أهل الانحراف كذلك كالقرضاوي، من هؤلاء ممن يفتي بمثل هذه الأمور. فهذه شبه موجودة، هذه شبه موجودة إلى زماننا هذا، تجد الجاهل إذا قيل لهم: قال الله، وقال الرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، قال: الناس على هذا الأمر أكثر الناس على هذا الأمر، هل كل الناس على ضلال وأنت على صواب؟ وما علم المسكين أن الكثرة ليست ميزانًا للحق، بل المتأمل في كتاب الله جل وعلا يجد أن الله تبارك وتعالى إذا ذكر الكثرة ذكرها على سبيل الذم. قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، في آيات أخر تدل على هذا المعنى، تدل على أن الكثرة ليست بعبرة، بل حذرنا الله جل وعلا منها كما سمعتم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذا جواب واضح رباني قرآني عن هذه الشبهة التي يستدل بها مستدلها أو الذي يستدل بها من استدل بها على جواز فعل ما هو محرم في شريعة الله رب العالمين جل وعلا بأن بشبهة ماذا؟ أن أكثر الناس وأكثر أهل الأرض على هذه الطريقة. الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذا جواب يهدم هذه الشبهة من أصلها ويأتي عليها من أساسها. أضف إلى هذا ما ذكره الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى بقوله: «قلتم إن أردت الإنصاف»، هذا جواب وهذه توطئة وتهيئة لقبول الحق، يقول الصنعاني رحمه الله تعالى لهذا القائل بصحه هذه الشبهة: «إن كنت منصفًا فاسمع الحجة واصغي لها، وأما إن كنت مكابرًا فلو جيء بكل حجة ما قبلها»، إذ لا يقبل الحق إلا من هيأ نفسه لذلك، من هيأ نفسه لقبول الخير ولقبول الحق فإنه يقبل الحق، وأما من كان حالهم حال المتكبرين المتغطرسين الذين وصفهم الله جل وعلا كما في قول قريش مشركي قريش حينما قال الله جل وعلا عنهم: «قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء وأتنا بعذاب أليم»، يعني كان حقه من يقول ماذا؟ صاحب الحق ماذا يقول؟ «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه وفقنا إليه»، لكن المعاند المكابر انظروا واسمعوا ماذا يقول: «اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء وأتنا بعذاب أليم»، ما يريدون قبول الحق ولا الرجوع إليه. إذن من أراد الحق وشرح صدره لذلك وفق إليه بإذن الله رب العالمين جل وعلا، لذا قال الصنعاني رحمه الله تعالى: وهذه الطريقة ينبغي لطالب العلم أن يستفيد من هذا الإمام أنه إذا أراد كشف شبهة رد شبهة باطلة أن يهيئ لمن رد عليه بجواب بكلام بتوطئة تجعله يقبل الحق، يقول: لو إن كنت مريدًا للحق مريدًا للخير فاسمع هذا الجواب. لذا قال رحمه الله تعالى: «قلت: إن أردت الإنصاف وتركت متابعة الهوى، الهوى للآباء: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾، ومن سلفك فقد سبقك»، قال: «وعلمت أن الحق ما قام عليه الدليل، لم اتفق عليه العوالم جيلًا بعد جيل وقبيلًا بعد قبيل»، فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها - الأمور التي ندندن حول إنكارها ندندن - أي نتكلم حول إنكارها ونبين أنها من المنكرات العظيمة: الذبح لغير الله، النذر لغير الله، الطواف بالقبور والأضرحة وعبادتها والتقرب إليها واعتقاد النفع والضر فيها إلى غير ذلك. يقول: «فاعلم أن هذه الأمور التي ندندن حول إنكارها ونسعى في هدم منارها صادرة من العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل»، تقليد الآباء كما تقدم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، تجد كثيرًا منهم إذا حاجه الإنسان يقول: «وهل كان آباؤنا لا يعلمون هذا؟ أجدادنا آباؤنا جيل قبل جيل كلهم على هذه العقيدة، كانوا إذا سألوا الولي دعوا الولي أجابهم، وإذا نذروا لهم حصل مقصودهم ومطلوبهم، فكيف تريدون أن تغيروا علينا ما كان عليه الآباء؟»، هذه عقيدة الآباء، هذا دين التقليد، دين التقليد وهو من أمور الجاهلية التي جاء الإسلام بهدمها وإنكارها. قال رحمه الله تعالى: «صادرة من العامة الذين إسلامهم تقليد الآباء بلا دليل، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ أي تتبعونهم على ضلالهم؟»، هل جواب: لا؟ قال: «ومتابعة لهم من غير فرق بين دبير وقبيل»، هذا مثل من أمثال العرب، يقول: بأن المرأة إذا فتلت الصوف أوله يقال له قبيل وآخره يقال له دبير، فمن لم يميز بين الأمور قيل له: لا يفقه أو لا يميز بين قبيل ودبير، أي لا يميز بين الأشياء. قال: «ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدونه ويراهم ينذرون له ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه، يجعلونه على قبره طائفًا»، فينشأ وقد قر في قلبه عظمة ما يعظمونه، وقد صار أعظم الأشياء عنده من يعتقدونه. هذا حال الناس في تلك الأزمنة، وما زال كذلك الأمر في هذه الأزمنة، يستصحب الآباء أبناءهم الصغار ويرى ذلك الصغير أباه وقد خضع وخشع وتذلل عند ذلك الولي، خضعت له رقابهم، يطوفون وهم متذللين خائفين، ويقربون لهم القرابين، ثم يأكلون الأتربة، يقول: «هذا تراب الولي من قبر الولي، هذا ينفع، هذا في بركة يدفع الضر يجلب النافع»، إلى غير ذلك، الصغير يرى أباه فيعتقد أن ذلك هو الحق وأن ذلك هو دين الله جل وعلا الذي لا يقبل الله دينًا سواه، فينشأ كما قال رحمه الله: «فنشأ على هذا الصغير نشأ على هذه العبادة الباطلة وعلى هذا الدين الباطل الذي تلقاه عن الآباء»، قال: «وشاخ عليه الكبير»، أي كذلك على هذه العقائد الفاسدة المنحرفة المنابذة للفطرة السليمة. قال: «أولًا يسمعون من أحد نكيرًا»، كذلك الصغار لا يرون من ينكر هذا، قال: «بل ترى ممن يتسمى بالعلم - أي من ينتسب إلى العلم ويدعي الفضل وينتصب للقضاء والفتيا والتدريس أو لولاية والإمارة - معظما»، لماذا يعظمونه؟ يعني تخيل هذا الصغير نشأ على هذه البيئة على اعتقاد ما يعتقد من اعتقادات باطلة في غير الله جل وعلا، ثم يرى الكبراء العلماء المفتين الولاة كذلك على هذه العقيدة، فيزداد عقيدة فوق عقيدته وثباتًا على الباطل فوق ثباته. قال رحمه الله تعالى: «معظما لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه قابضا للنذور آكلا ما ينحر على القبور»، فيظن أن هذا دين الإسلام وأنه رأس الدين والسلام. ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر - أي يتأهل للنظر والاجتهاد والتحقيق والتدقيق - النظر في كتاب الله جل وعلا وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيما كان عليه السلف الصالح، تأهل للنظر والأخذ من المنبع الصافي من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ومما كان عليه صحابة الكرام أتباعهم بإحسان والأئمة الأعلام رضي الله عنهم وأرضاهم. قال رحمه الله تعالى: «ولا يخفى على أحد يتأهل للنظر ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر»، إذ المعروف ما كان معروفًا في كتاب الله جل وعلا وما دلت عليه الأدلة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمنكر ما كان منكرًا في كتاب الله جل وعلا وما كان كذلك مما أنكره رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن ديننا بحمد الله جل وعلا كامل، ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أنزل الله جل وعلا عليه قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، فبينا نبينا صلى الله عليه وسلم الدين كاملًا وبينا المعروف ووضحه وجلاه، وبينا كذلك المنكر ووضحه وجلاه، ومن أعظم المعروف التوحيد، ومن أعظم المنكر الشرك بالله جل وعلا. والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحابته أجمعين.