الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 13، ألقاها
توحيد العبادة هو دعوة جميع الرسل من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وأهميته تكمن في دعوة الناس لعبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه. الرسل جميعًا كانوا يدعون إلى هذا التوحيد.
المشركون عبر التاريخ وقعوا في أنواع مختلفة من الشرك، مثل عبادة الملائكة والصالحين والأحجار والكواكب. جميع الرسل كانوا يدعون إلى توحيد الله وعبادته وحده دون غيره.
توحيد العبادة لله وحده أمر مهم ويجب التحذير من الشرك، حيث أن العبادة تشمل الدعاء والاستغفار والتوكل ويجب إفراد الله بها. الله تعالى لا يقبل عملًا فيه شرك.
الله تعالى يرفض أي عمل فيه شرك، ولا يؤمن به من عبد غيره معه. من عمل عملًا أشرك به غير الله تركه وشركه، كما جاء في الحديث الصحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد"، بعد أن تقدم وأن ذكر أنواعًا من أنواع العبادات، قال: "فأرسل الله الرسول تأمرهم بترك عبادة كل ما سواه"، أي أرسل ربنا تبارك وتعالى الرسول إلى الناس أجمع، إلى المشركين، أنه بالله جل وعلا تأمرهم بترك عبادة كل ما سواه، وأن هذا الاعتقاد، أي اعتقاد التنديد والتشريك في العبادة، قال: "الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، والتقرب إليهم باطل"، أي التقرب إلى غير الله جل وعلا، كائنًا من كان ذلك الغير، فإن العبادة حق لله جل وعلا، فصرفها لغير الله جل وعلا، مضاها لله رب العالمين جل وعلا، وهو ذنب أعظم ذنب عصي به ربنا تبارك وتعالى، أن يجعل مع الله جل وعلا شريكًا يستحق العبادة كما يستحقها الله جل وعلا. قال: "وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وهذا هو التوحيد، وهذا هو توحيد العبادة"، أي إفراد الله جل وعلا بأنواع العبادة وحده لا شريك له، فلا يتقرب إلى ملك ولا إلى نبي ولا إلى صالح ولا إلى حجر أو شجر أو غير ذلك، لا يتقرب إلى شيء إلا إلى الله جل وعلا، لأنها حق لله العبادة، حق لله جل وعلا، فالله جل وعلا هو الإله الحق، وما سواه فإله باطل. قال الله جل وعلا: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. قال رحمه الله: "وقد كانوا مقرين كما عرفت في الأصل الرابع بتوحيد الربوبية وأنه الخالق وحده"، أي أن الله جل وعلا الخالق وحده، والرازق وحده، وإنما وقع النزاع والخلاف بين الرسل وأقوامهم في أمر توحيد العبادة، وإفراد الله جل وعلا بالعبادة دون ما سواه، والتقرب إلى الله جل وعلا وحده دون ما سواه. قال: "ومن هذا يعرف أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم وهو نوح عليه السلام إلى آخرهم وهو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم هو توحيد العبادة"، ولذا تقول لهم الرسل: "أعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، وتقول: "أن لا تعبدوا إلا الله". وهذا كذلك تقرير لما تقدم ذكره، فالرسل من أولهم إلى آخرهم أرسلهم الله جل وعلا إلى أهل الأرض بعد أن وقع الشرك، بعد أن وقع الشرك بالله جل وعلا. فلما وقع الشرك أرسل الله جل وعلا رسلهم، وأولهم نوح عليه السلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، يدل على هذا المعنى من أن نوح عليه السلام هو أول الرسل إلى أهل الأرض، وقبله كانوا أنبياء، ومنهم آدم عليه السلام، فإن آدم عليه السلام كان نبيًا من الأنبياء، كما جاء في حديث أبي أمامة الباهلي بإسناد حسن أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: "أكان آدم نبيًا؟ قال: نعم، نبي مكلم". فهو نبي من أنبياء الله جل وعلا، ولكن أول الرسل إلى أهل الأرض هو نوح عليه السلام، كما دلت عليه هذه الآية: ﴿إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبي من بعده﴾. وأصرح من ذلك ما جاء في الصحيحين في حديث الشفاعة، وفيه أن الناس يأتون إلى نوح عليه السلام فيقولون: "يا نوح، أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض، وسماك عبدًا شكورًا". فدلت هذه الأدل على أن نوح عليه السلام هو أول رسل الله جل وعلا إلى أهل الأرض، وإنما أرسل نوح عليه السلام إلى أهل الأرض بعد أن وقع الشرك بالله جل وعلا، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "كان الناس فيما بين آدم ونوح على ملة التوحيد أو قال: على الفطرة، عشرة قرون بين آدم وبين نوح عليهما السلام". فلما كان في عهد نوح أو في زمن نوح في قوم نوح وقع أول ما وقع الشرك في قوم نوح، وذلك بعد أن زيَّن لهم الشيطان ولبَّس عليهم بعد أن مات فيهم بعض الصالحين، فأتاهم الشيطان فلبَّس عليهم، فقال لهم: "هل لا اتخذتم تصاوير عملتم تصاوير لهؤلاء الصالحين عسى أن رأيتموهم أن تذكركم بالعبادة فتنشطوا عليها؟" فاستجابوا وقالوا: "نعم". فصوروا التصاوير أول الأمر، فكانوا إذا رأوهم نشطوا على العبادة، فلما مات ذلك الجيل الذي كانوا ما زالوا على الفطرة، ونُسِخ العلم، إن درس العلم، جاء فيمن بعدهم من الذرية والأبناء أو تلك التصاوير، فأتاهم إبليس فقال لهم: "فإن آباءكم كانوا يتقربون إلى هذه التصاوير فتقربهم إلى الله ويتعبدون لها فتقربهم إلى الله"، فعبدوها، فوقع الشرك من حينها، كما دل على ذلك أثر ابن عباس رضي الله عنهما، أي حديث ابن عباس في صحيح البخاري. وجاء مطولًا مفصلًا في خارج الصحيح عند عبد الرزاق، وكذلك عند ابن جرير الطبري في تفسيره، وغير ذلك من المصادر. الشاهد من هذا أنه لما وقع الشرك بعث الله جل وعلا أول رسول إلى الأرض وهو نوح عليه السلام، داعيًا إلى التوحيد، محذرًا منفرًا من الشرك بالله جل وعلا. ثم تتابع الرسل بعد ذلك إلى آخرهم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومحمد آخرهم، وكذلك الأنبياء والرسل، كما دل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله﴾. وجاء كذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، وإنه لا نبي بعد، وإنه لا نبي بعد»، فهو خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه. وجاء كذلك في صحيح مسلم حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: «ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعد، إلا أنه لا نبي بعد»، فهو خاتم الأنبياء وآخر رسول ونبي إلى أهل الأرض، وهذا مجمع عليه، لا خلاف بين الأمة في ذلك. ومن زعم أنه نبي أو أنه يأتي نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم برسالة غير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، أو يزعم أنه نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فهو كافر بإجماع، فهو كافر بإجماع. وإنما عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان يحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: "ولذا تقول لهم الرسل أعبدوا الله ما لكم من إله غيره"، فدعوة جميع الرسل هي الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا، وإلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة وحده لا شريك له. قال: "وقد كان المشركون منهم من يعبد الملائكة ويناديها عند الشدائد"، منهم من يعبد الملائكة، كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت وليهم من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون﴾. فهذا خبر من الله جل وعلا عما سيكون يوم القيامة من سؤال الله جل وعلا للملائكة لما وقع من الشرك فيهم مع الله جل وعلا، فتبرأ الملائكة: "أنت وليهم من دونهم بل كانوا يعبدون الجن"، أي الجن هم الذين زينوا لهم هذه الأمور، وهم الذين كانوا يفتنونهم، وأما الملائكة فإنهم بعيدون مبرؤون من ذلك، مبرؤون وبعيدون من ذلك. الشاهد من هذا أن منهم من كان يعبد الملائكة، منهم من كان أي من المشركين من كان يعبد الملائكة فيسألهم ويستغيث بهم ويدعوهم ويلجأ إليهم عند الشدائد، ولا يلجأ إلى الله جل في علاه. قال: "ومنهم من يعبد أحجارًا"، ومنهم من يعبد أحجارًا ويهتف بها، "وهي في الأصل صور رجال صالحين كانوا يحبونهم ويعتقدون فيهم، فلما هلكوا صوروا صورهم تسليًا بهم، فلما طال عليهم الأمد عبدوهم". ثم زاد الأمد طولًا فعبدوا الأحجار، يعني في عبادة هؤلاء الأصنام من الأحجار، يدل عليه حديث ابن عباس السابق الذكر في شرك قوم نوح عليه السلام. قال رحمه الله: "ثم زاد الأمد طولًا فعبدوا الأحجار"، ومنهم من يعبد المسيح، أي منهم من يعبد المسيث بن مريم. فهذا يدلنا على أن منهم من عبد الرسل، ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الأحجار، منهم من عبد المسيح، كما قال الله جل وعلا في كتابه عن عيسى عليه السلام: «أن الله جل وعلا يوم القيامة يسأله فيقول له: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ فيقول: سبحانك ما كان لي أن أقول ما ليس لي بحق»، يتبرأ إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك. فيتبرأ عيسى عليه السلام من عبادة غيره له مع الله جل وعلا: "ما كان لي أن أقول ما ليس لي بحق"، هذا باطل أن يعتقد إنسان أن غير الله جل وعلا مستحق للعبادة مع الله تعالى وتقدس. قال رحمه الله تعالى: "ومنهم من يعبد المسيح"، بل أخبر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان وغيره، جاء كذلك في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ومن حديث عبد الله بن عمر بن العاص في مسلم: «أن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل قبل الساعة فيكسر الصليب ويقتل الخنزير». الشاهد: يكسر الصليب الذي تقدسه النصارى وتعتقد أن عيسى عليه السلام إلها مع الله تعالى وتقدس، فهو يكسر هذا الباطل وهذا الاعتقاد. وهذا يدلنا كما سمعتم إلى ما تقدم ذكره من أن من الناس من عبد الملائكة، ومنهم من عبد الصالحين كما في قوم نوح، وكذلك منهم من عبد الصالحين كما عبدت مريم أم عيسى عليه السلام، ومنهم من عبد الرسل كما فعل ذلك في عيسى عليه السلام. قال رحمه الله تعالى: "ومنهم من يعبد الكواكب ويهتف بها عند الشدائد"، كذلك عبادة الكواكب، الشمس القمر الكواكب، هذا الشرك كما يقول علماء رحمهم الله تعالى كان في قوم نوح، وما زال موجودًا عند السحرة والكهان ونظائرهم. قال الله جل وعلا: ﴿وكذلك نوري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين فلما رأى كوكبًا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين فلما رأى القمر بازغًا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين﴾. الشاهد أنه قد ثبت الشرك في الكواكب، ثبت الشرك في الكواكب. وإنما قال إبراهيم كما قال علماء: "ما قال لقومه"، فلما رأى كوكبًا قال: "هذا ربي" إلى آخر الآيات، قالوا: "هذا من باب المحاجة"، من باب المحاجة لقومه، قومه كانوا يعبدون الكواكب، فلما رأى الكوكب قال: "هذا ربي"، بعض أهل العلم قالوا: "هناك محذوف تقديره أهذا ربي؟" استفهام استنكار. ومنهم من قال: "أنه ذكره كذلك لكن من باب التقرير، من باب المحاجة، من باب التنزل مع المبطل لأجل أن يرد شبهته بقوله". وهذه كما يقول علماء من أقوى الحجج والبراهين بأن يرد على المبطل بدليله، المبطل يستدل بدليل فيرد عليه صاحب الحق بذلك الدليل الذي استدل به ذلك المبطل. فالحاصل أن إبراهيم من باب المحاجة: "هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين"، أي لا يكون ربًا كذلك. فلما رأى القمر بازغًا قال: "هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من الضالين"، فإنه يقول لهم: "كيف يكون رب ويأفل يذهب يغيب؟" ثم لما رأى الشمس قال: "هذا ربي هذا أكبر"، كان يقول: "نعم، الآن إبراهيم أقر". فلما أفلت قال: "ماذا قال؟ يا قوم إني بريء مما تشركون"، فأشهد في الآية إثبات أن من الناس من عبد الكواكب، من عبد الشمس والقمر، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: "فبعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله بأن يفردوه بالعبادة كما أفردوه بالربوبية ربوبية السماوات والأرض"، وأن يفردوه بكلمة "لا إله إلا الله" معتقدين لمعناها عاملين بمقتضاها. وأنهم لا يدعون مع الله أحدًا. وقال: ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾، وهذا من التقرير ومن الحجج القرآنية، وهي أعظم الحجج. ربنا تبارك وتعالى قال: ﴿له دعوة الحق﴾، ثم قال: ﴿والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾، فإذا كان كذلك هل يستحق من كان هذا وصفه أن يكون إلهًا يدعى؟ إذا دعي لا يستجيب، فهل يستحق أن يكون هذا إلهًا يدعى ويعبد من دون الله جل وعلا؟ عند كل ذي قلب سليم وعقل مستقيم يعلم أن هذا لا يستحق الإلهية ولا العبادة، بخلاف رب السماوات والأرض، فإنه قال: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم وقال وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله﴾. فالله تبارك وتعالى هو الذي يجيب دعوات الداعين، ويغيث المستغيثين، ويدفع حوائج أصحاب الحاجات إذا أرادوها وسألوها من رب الأرض والسماوات. قال رحمه الله تعالى: ﴿وقال تعالى وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، وهذا أسلوب من أساليب الحصر، لأنه قدَّم ما حقه التأخير، وتقدم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاختصاص. فقول الله جل وعلا: ﴿وعلى الله فتوكلوا وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ معناهم: المؤمنون حقًا وصدقًا لا يتوكلون إلا على الله. ومعنى هذا أن من توكل على غير الله جل وعلا فليس بمؤمن، من توكل على غير الله جل وعلا فليس بمؤمن. وأصرح من ذلك الآية الأخرى في قوله: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، وهذا شرط. إن كنتم مؤمنين، أي على الله توكلوا فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، فلها منطوق ومفهوم، فمنطوقها أن أهل الإيمان لا يتوكلون إلا على الله جل في علاه، وأن أهل الشرك بالله جل وعلا يتوكلون على غير الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ﴿وقال وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين﴾، أي من شرط التصديق بالله أن لا يتوكل إلا عليه. وأن يفردوه بالتوكل كما يجب أن يفردوه بالدعاء والاستغفار، لأن الدعاء عبادة كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي﴾، فسمى الدعاء ماذا؟ عبادة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في سنن الترمذي وغيره بإسناد صحيح من حديث النعمان بن بشير قال: «الدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة». قال رحمه الله: كما يجب أن يفردوه بالدعاء والاستغفار كما في قول الله جل وعلا: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾، نهى أن يدعى مع الله أحدًا سبحانه وتعالى. قال: "وأمر عباده أن يقولوا إياك نعبد"، أي لا نعبد إلا إياك، وهذا كذلك أسلوب يفيد الحصر والقصر، لأنه قدم ما حقه التأخير، فتقديم المعمول على عامله أسلوب من أساليب الحصر عند البلاغيين. قال رحمه الله تعالى: "ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد العبادة"، ولا يصدق قائل هذا أي لا يصدق قائل أن يدعي العبادة لله وحده إلا إذا أفرد العبادة لله تعالى، وإلا كان كاذبًا منهيا عن أن يقول هذه الكلمة، أي "لا إله إلا الله"، كيف يقول "لا إله إلا الله" بلسانه وقلبه متعلق بغير الله جل وعلا؟ وإذا نزل به الكرب نزلت به الشدائد نزلت به المحن التجأ والتفت إلى غير الله جل وعلا ودعى واستغاث بغير الله جل وعلا. قال رحمه الله: "إذ معناها نخصك بالعبادة ونفردك بها"، وهو معنى قوله: ﴿فإيايا فاعبدون﴾، أي لا تعبدون إلا إياي، وهذا كذلك أسلوب من أساليبه الحصر. قال: ﴿وإيايا فاتقون﴾ كذلك، قال: "لما عرف من علم البيان أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر"، أي لا تعبد إلا الله، ولا تعبد غيره، ولا تتقوا إلا الله، ولا تتقوا غيره. كما في الكشاف للزمخشري، وقد تقدم أنه معتزلي. قال: "فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللجوء إلى الله تعالى، والنداء له، والنحر له، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللًا لله، والركوع والسجود والطواف والتجرُّد عن الثياب والحلق والتخصير كله لا يكون إلا لله". ومن فعل ذلك لمخلوق من حي أو ميت أو جماد أو غير فقد أشرك في العبادة، أي من فعل هذه الأفعال من أنواع العبادات المذكورات، وما كان في معنى من أنواع العبادات، قال: "فقد أشرك في العبادة"، إذ أنه صرف ما هو حق لله جل وعلا لغير الله جل وعلا، وصار من تُفعل له هذه الأمور إلهًا لعابديه، أي لمن عبده وتقرب إليه. وإن كان هو لا يرضى بذلك، حال الملائكة والرسل والصالحين. قال: "سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرًا أو قبرًا أو جنيًا أو حيًا أو ميتًا، وصار بهذه العبادة أو بأي نوع منها عابدًا لذلك المخلوق، وإن أقر بالله وعبده". فإن إقرار المشركين بالله تعالى وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم. فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك، لا يقبل عملًا شرك فيه غيره، ولا يؤمن به من عبد غيره معه، كما جاء في الصحيح. هذا معناه أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك به معي غيره تركته وشركه. سبحانك الله وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.