شرح تطهير الإعتقاد 14

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 14، ألقاها

مفهوم توحيد العبادة وإخلاصها لله

يؤكد على أهمية إفراد الله بتوحيد العبادة وإخلاص الأفعال لله وحده. يبين أن الأفعال مثل الدعاء والاستغاثة يجب أن تكون خالصة لله.

أمثلة على الشرك بالله وعبادة غيره

يشرح أن فعل العبادات لغير الله يعد شركًا، ويذكر أمثلة من القبورية والصوفية والروافض الذين يتقربون إلى الأضرحة بأنواع من العبادات.

خطورة الشرك وأثره على الإيمان والعمل

يشرح أن الشرك محبط للعمل وقد يخرج صاحبه من ملة الإسلام، ويبين خطورة الشرك في العبادة وأنه ينقض عبادتهم لله تعالى.

  • 20 جمادى الآخرة 1435هـ - 20/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه «تطهير الاعتقاد»: "فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستغاثة والاستعانة بالله وحده، واللجوء إلى الله تعالى، والنداء له، والنحر له، وجميع أنواع العبادات من الخضوع والقيام تذللًا لله تعالى، والركوع والسجود والطواف والتجرد عن الثياب والحلق والتقصير، كله لا يكون إلا لله". أي أن هذه الأفعال إذا فعلها العبد تقربًا وتعبدًا، فلا يجوز أن تصرف لغير الله جل وعلا، بل يجب أن تكون خالصة لله؛ لأن هذه الأفعال إذا تضمنت معنى العبادة والتقرب - كما تقدم - معنى أن يقوم في قلب العبد الخوف والتعظيم والمحبة في فعل ذلك الفعل للغير، فلو أنه سجد أو ركع، فالأمر في ذلك واضح، إذا سجد لغير الله أو ركع لغير الله أو طاف بالقبور أو نذر لها أو ذبح لها أو استعان أو استغاث أو دعاها، هذا كله الأمر فيه واضح عند أهل التوحيد، وإن كان مرتابًا عند بعض الجهال. وأما عند المشركين من المتأخرين، فيعتقدون أن هذه الأفعال قرب تقربهم إلى الله جل وعلا زلفى، فهم يتقربون إلى الله جل وعلا بما لا يزيدهم من الله جل وعلا إلا بعدًا؛ إذ أنهم يتقربون إلى الله بالشرك، وهو أعظم ذنب عصي به ربنا تبارك وتعالى. فمن حلق رأسه - والأصل في حلق الرأس أنه مباح - في تقصيره أنه مباح، لكن من حلقه تقربًا وتعبدًا كما يفعله المحرم في إحرامه إذا خرج من إحرامه يحلق شعره أو يقصر شعره تعبدًا وتقربًا، فمن فعل هذه العبادة، فعل هذا الفعل تقربًا وعبادة، فإذا فعلها لله جل وعلا هذا عبادة. قال الله جل وعلا: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ لَا تَخَافُونَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾، ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾، فهذا خبر من الله عن رسوله والصحابة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال الله: «مرحم المحلقين ثلاثًا»، وقال في الثالثة: «والمقصرين». الشاهد أن التحليق أو التقصير إن كان في عبادة وطاعة لله جل وعلا، فهو قربة وتوحيد وطاعة، وإذا صرف إلى غير الله جل وعلا، فإن ذلكم الفعل يكون شركًا بالله جل وعلا. قال الشيخ رحمه الله: "كله لا يكون إلا لله؛ لأنه حق لله؛ لأن العبادة حق لله جل وعلا". قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وقال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، فالعبادة حق لله جل وعلا، لا يجوز أن تصرف لغير الله جل وعلا، بل الله فاعبد وكن من الشاكرين، فلا يعبد إلا الله، ولا يتقرب إلا إليه جل وعلا. قال رحمه الله: "ومن فعل ذلك لمخلوق - أي: من فعل ما تقدم من أنواع العبادات المذكورة، وما كان في معناها من أنواع العبادات - من حي تقرب بها إلى حي، سجد لحي أو ركع لحي أو دع حيا استغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله، استعان به فيما لا يقدر عليه إلا الله، أو ذبح له تقربًا أو نذر له، هذا شرك بالله جل وعلا". وكذلك قال: "من حي أو ميت - كما يفعله القبورية اليوم من الصوفية والروافض ونحوهم من أهل الباطل الذين يتقربون بأنواع من العبادات لغير الله جل وعلا - تجد هؤلاء القبورية يتقربون إلى أوليائهم، يقولون: اليوم زيارة لسيدي فلان، ماذا يفعلون في هذه الزيارة؟ يفعلون أنواعًا من العبادات، بل بلغ ببعضهم أن يحج إلى بعض تلك الأضرحة كما يحصل ذلك في ما يسمونه بقبر النبي هود، لهم مكان يحرمون منه، وإذا وصلوا إلى القبر طافوا سبعًا، وفعلوا كما يفعل المحرم إذا أتى إلى بيت الله جل وعلا، مع ما يقوم في قلوبهم من التعظيم والمحبة والإجلال والخضوع لذلك القبر، والدعاء والاستغاثة والاستعانة والذبح والنذر، إلى غير ذلك من أنواع العبادات، هذا كله يفعل تقربًا لذلك الميت، تقربًا لذلك الميت". فالشيخ رحمه الله تعالى يقول: "من فعل ذلك لمخلوق - كائن من كان ذلك المخلوق، ولو كان نبيًا مرسلًا أو ملكًا مقربًا - كما تقدم معنا أن الملائكة قد عُبدت". قال الله جل وعلا: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، ﴿قَالَ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، خطاب للملائكة، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، وعبد الأنبياء والرسل كما قال الله جل وعلا في حق عيسى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، وقال الله جل وعلا: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، فقد عبد الملائكة، وعبد الأنبياء والرسل، وعبد الصالحون، وكل ذلك شرك بالله جل وعلا. فيقول الشيخ رحمه الله: "ومن فعل ذلك لمخلوق من حي أو ميت أو جماد - كمن تقرب إلى الشمس والقمر والكواكب كما حصل في قوم إبراهيم عليه السلام، أو تقرب إلى الأشجار والأحجار وغيرها من الجمادات كما حصل في الأمم السالفة، وكما حصل في المشركين الذين بعث فيهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فإن منهم من كان يعبد الأحجار، ومنهم من كان يعبد الأشجار، بل وبعضهم ربما صنع إلهه بيده من تمر، فإذا جاع أكلهم - يأكل إلهه إذا جاع - ومنهم من يعمل لهم من عجوة أو رمل، يعمل عليه يجعل الناقة تبول عليه، أو يعمل عليه لبن الناقة، ثم يهيئه ويقدسه، ثم في اليوم الآخر لا يكون إلها، وينظر له إلها آخر". فالحاصل أن الجمادات قد عُبدت، لذا قال: "أو جماد أو غيره من حي أو ميت أو جماد أو غيره، فقد أشرك في العبادة، أشرك مع الله غيره في العبادة، والعبادة حق لله جل وعلا، لا يجوز أن يشرك مع الله جل وعلا به غيره". جاء في الحديث القدسي في حديث أبي هريرة عند مسلم، قال: «قال ربنا تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه». تركته وشركه، أي: شرك بالله لا يرضاه الله جل وعلا، فالله أغنى الشرك عن الشرك سبحانه وتعالى. قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فالشرك لا يرضاه ربنا تبارك وتعالى، ولا يغفره، ولو كان صادرًا من كائن من كان، ولو كان مقربًا من المقربين، وحاشاهم. كما قال الله جل وعلا بعد أن ذكر جملة من رسله وأنبيائه: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وكما قال الله جل وعلا في حق نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، فالشرك محبط للعمل، وقد يقع ممن يدعي الإسلام أو ممن كان مسلمًا، فيقع منه الشرك، فيكون سببًا في خروجه عن ملة الإسلام، بشركه بالله جل وعلا. فالحذر الحذر، لا يطمئن الإنسان إلى ما عنده من إسلام أو إيمان، يقول: أنا موحد، أنا عندي إيمان، ولا يضر إن فعلت كذا وكذا. من أمن شيئًا وقع فيه، من أمن الشرك وقع فيه. لذا قال الله جل وعلا عن خليله إبراهيم - وهو إمام موحد، الذي أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يتبع ملته، إمام الحنفاء - ومع هذا قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾، ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾، هذا يقوله إبراهيم عليه السلام، يسأل ربه جل وعلا أن يعيذه وأن يجنبه عبادة الأصنام، وعبادة غير الله جل وعلا. فيأتي مسكين في آخر الزمان، فيقول: أنا موحد، أنا لا إله إلا الله، وأنا آمن على إيماني وعلى توحيدي. من أمن الشرك وقع فيه، ومن خاف الشرك أمنه الله جل وعلا بأن أبعده عنه، ويبعده منه بفضله جل وعلا وتوفيقه. قال رحمه الله تعالى: "فقد أشرك في العبادة - أي: أشرك في عبادة الله جل وعلا - وإن كان في باب توحيد ربوبية مقرًا بذلك - أي: مقرًا بأن الله هو الخالق الرازق المدبر - قال: وصار من تفعل له هذه الأمور إلها لعابديه - أي: باعتبار عابديه، لا باعتبار ذلك المعبود - لا باعتبار ذلك المعبود، فهو إله باعتبار عابديه، عابديه اتخذوه إلها، أما ذلك المعبود فقد يكون نبيًا من الأنبياء، يتبرأ من ذلك، قد يكون من الملائكة، فتتبرأ من ذلك، قد يكون من الصالحين، فتتبرأ أو فيتبرأون من ذلك - كما تقدم ذكر ذلك في قول الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، وكما في قول عيسى عليه السلام: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، ما له أن يقول، حاشا، فهذا من هذا الباب. قال: "سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو شجرًا أو قبرًا أو جنيا أو حيا أو ميتًا، ومن رضي بعبادته مع الله جل وعلا، فهو طاغوت من الطواغيت - باعتبار عابده وباعتبار نفسه - فهو طاغوت من الطواغيت باعتبار نفسه وباعتبار عابديه". قال: "وصار بهذه العبادة أو بأي نوع منها عابدًا لذلك المخلوق، وإن أقر بالله وعبده - أي: عبد الله وعبد غيره - كما هو حال الجهال القبورية، تجده يصلي مع المصلين، ويصوم مع الصائمين، ثم يذهب إلى القبور، فيتقرب إليها، ويتمسح بها، ويدعوها، ويستغيث بها من دون الله جل وعلا، هذا أشرك بالله جل وعلا، عبد الله وعبد غيره، فهو مشرك بالله جل وعلا في العبادة". قال رحمه الله تعالى: "فإن إقرار المشركين بالله تعالى وتقربهم إليه لم يخرجهم عن الشرك، وعن وجوب سفك دمائهم وسبي ذراريهم ونهب أموالهم؛ فإن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك - كما في حديث أبي هريرة عند مسلم - لا يقبل عملًا أشرك فيه غيره، ولا يؤمن به من عبد غيره معه؛ لأنه مشرك بالله جل وعلا، من عبد مع الله جل وعلا غيره، فهو كافر مشرك، ليس بمؤمن، أنه له الإيمان، وقد أشرك بالله جل وعلا، وقد نقض الإيمان بأعظم ناقض، وهو الشرك بالله جل وعلا". فهذا تقرير من الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى من أن أناسًا ربما يقرون بأن الله خالق كل شيء، والرازق لكل شيء، ومدبر لكل شيء، بل ومنهم من يعبد الله جل وعلا، ولكنه عبد كذلك غير الله جل وعلا، فعبادته لغير الله جل وعلا نقضت عبادته لله جل وعلا، فكان من الكافرين من المشركين، والعياذ بالله. نكتفي بهذا القدر. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على