موت العلماء ثلمة في الإسلام

موت العلماء ثلمة في الإسلام

المحاضرة بعنوان موت العلماء ثلمة في الإسلام، والتي كانت بمسجد المنصور بالمنصورة الجديدة بالشحر يوم الجمعة 4 ربيع الآخر 1447هـ الموافق 26 سبتمبر 2025م ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

فضل العلماء ومكانتهم في القرآن والسنة

يستعرض المقطع مكانة العلماء الرفيعة مستدلاً بآيات تشهد لهم بالخشية ورفع الدرجات، مبيناً أنهم ورثة الأنبياء وحفظة الوحي، وأن العلم النافع ثمرته خشية الله والعمل الصالح. ويضرب المثل بالكلب المعلم لبيان الفرق الجلي بين العالم العامل والجاهل، مؤكداً عدم استوائهما في الحكم والقدر.

وجوب الرجوع إلى العلماء في النوازل والفتن

يبين المقطع أن العلماء وحدهم الذين يعقلون أمثال القرآن، ويوجب الرجوع إليهم عند نزول النوازل وحدوث الفتن كما كان يفعل الصحابة، محذراً من عواقب ترك مراجعتهم والتي تؤدي إلى التسرع في التكفير والتبديع والاختلاف بين الناس.

خطر نشر الإشاعات ومكانة العلماء كورثة للأنبياء

يحذر المتحدث من تداول الأخبار غير الموثقة دون الرجوع لأهل العلم لما يفتح من باب الفتنة واستحلال الدماء، مؤكداً فضل العلماء العظيم فهم ورثة الأنبياء ونفعهم يعم الأمة كنور القمر. ويبين أن موت العالم ثلمة في الإسلام وذهاب للعلم النافع وسبب لموت القلوب وزوال الأمن.

موت العلماء وتصدر الجهلاء للفتوى في وسائل الإعلام

يؤكد النص أن العلم النافع في صدور العلماء لا الكتب فقط، وأن موتهم يرفع العلم ويفسح المجال للرويبضة والرؤوس الجهال للتصدر للفتوى عبر وسائل الإعلام الحديثة فيضلون الناس بفتاوى جائرة مخالفة لمنهج السلف. ويحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الزمان وفتنته.

تحذير من الطعن في علماء الأمة وعواقب اتباع الرويبضة

يحذر المقطع بشدة من الطعن في علماء الإسلام الربانيين واصفاً الطاعنين بالرويبضة والرؤوس الجهال الذين قادوا الفتن باسم الربيع العربي، مبيناً أن لحوم العلماء مسمومة ومن ينتقصهم يبتليه الله بموت القلب وقصم الظهر. ويختم بدعوة لجعل العلماء خطوطاً حمراء لا تمس صيانةً للدين والأمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين. نحمد الله عز وجل الذي يسر لنا هذا اللقاء وهذا الاجتماع في هذا الجامع المبارك، جامع المنصور، بيئة المنصورة، مديرية الشهر، محافظة حضرموت، ونسأله عز وجل أن يجعل لقاءنا هذا، اجتماعنا هذا، اجتماعا مرحوما، وأن يجعلنا فيه ولا يجعل منا شقية ولا محرومة، ونسأله تبارك وتعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يجعلنا ممن أراد به خيرا، فإن من أراد الله بهم خيرا فقهه الله جل وعلا في دينه، كما في المتفق عليه، حديث معاوية رضي الله عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقه في الدين». والفقه في الدين يتحصل عليه من خلال التعلم، طلب العلم، ومن ذلك حضور مثل هذه المجالس التي يزداد بها المسلم إيمانا ويزداد بها علما. وأجز الله خيرا الأستاذ الفاضل محمد باني، حفظه الله، على هذه المقدمة، وعلى هذه الكلمة، وعلى هذا الترحيب، فجزاه الله خيرا الجزاء. وقد ذكر حفظه الله جملة من النصوص الشرعية من كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في فضل العلم والعلماء، ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾. هذه الآية فيها بيان فضل العلماء، لأن الله عز وجل قرن شهادته جل وعلا وشهادة ملائكته الكرام بشهادة أهل العلم، بشهادة أهل العلم، قرن شهادته العلم بشهادته وشهادة ملائكته. ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ هذه الشهادة لله جل وعلا لوحدانيته تبارك وتعالى، شهد الله أنه لا إله إلا هو، والملائكة أيضا يشهدون بهذه الشهادة العظيمة، الشهادة لله جل وعلا بالوحدانية، وأنه جل وعلا الإله الحق الذي يستحق أن يعبد، وأن ما عبد من دونه فقد عبد بباطل، ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، في الآية الأخرى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾. ثم قال عز وجل: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، أيضا ذكر الله جل وعلا شهادة العلماء على أعظم مشهود، ألا وهو الشهادة له جل وعلا بالوحدانية، فدل هذا على فضل العلماء، حيث أن الله عز وجل قرن شهادة العلماء بشهادته وشهادة ملائكته الكرام، مما يدل على عظيم ثنائه جل وعلا على أهل العلم، وأنهم قد شهدوا له جل وعلا بالحق والوحدانية. والله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، فحصر الله جل وعلا الخشية في أهل العلم منه تبارك وتعالى، وهذا ثناء من الله تبارك وتعالى وتزكية لأهل العلم، وأنهم أهل خشيته جل وعلا، لأن العلم هو خشية الله، كما قال الإمام أحمد محمد رحمه الله تعالى لما سئل عن العلم: قال العلم خشية الله. فليس العلم هو كثرة المحفوظات وكثرة حفظ الآثار، إنما العلم هو خشية الله تبارك وتعالى، العلم الذي يورث الخشية، هذا هو العلم النافع، والذي أيضا يبرهن في العمل الصالح. أما علم من غير خشية فهو بال على صاحبه، وعلم من غير عمل كذلك فهو بال على صاحبه، فإن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة، ومنهم قارئ للقرآن، في لفظ العالم، لكن هؤلاء القراء وهؤلاء العلماء، لما لم يخلصوا في هذا العلم، ولم يكن هذا العلم مورثا لهم الخشية والعمل به، كانوا أول من تسعر بهم النار، عياذا بالله. فأهل العلم هم أهل خشية الله جل وعلا، لما حملوا من علم الكتاب والسنة وأحكام الشريعة، لأن الخشية بقدر العلم، فأكثر الناس خشية لله جل وعلا أكثرهم علما، فمن كان أكثر علما كان أكثر خشية لله جل وعلا، ولذلك نبينا صلى الله عليه وسلم هو أعلم الخلق، فكان أخشى الناس لله تبارك وتعالى. أهل الله جل وعلا على العلماء فرفعهم رفعة خاصة، وأهل الإيمان رفعهم رفعة عامة، فالله جل وعلا ذكر رفعتين: رفعة عامة ورفعة خاصة، والرفعة العامة هي لأهل الإيمان، وأما الرفعة الخاصة فهي لخواص أهل الإيمان وهم العلماء. قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، فرفع الله جل وعلا أهل الإيمان رفعة عامة، ورفع أهل العلم من أهل الإيمان رفعة خاصة، خاصة. وأثنى الله جل وعلا على أهل العلم والعلماء، وبين أن صدورهم هي مكان حفظ كلامه جل وعلا وأوعية حفظ كلامه القرآن جل وعلا، قال سبحان: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، فصدور أهل العلم، صدور العلماء، فيها حفظ آيات الله جل وعلا، فالقرآن محفوظ في صدورهم، وأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام محفوظة في صدورهم، امتلأت صدورهم بآيات الله جل وعلا حفظا، وبأحاديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، آيات بينات، واضحات في صدور هؤلاء العلماء. والله جل وعلا قد بينا فضل العلماء وأثنى عليهم وزكاهم في قيامهم وسجودهم لله تبارك وتعالى، وأنهم أرادوا بذلك القيام بالله جل وعلا، وبذلك السجود مرضات رب العالمين جل وعلا، رجاء رحمته جل وعلا، والخوف من عقابه، رجاء رحمته والفوز بجنته، والخوف من عذابه وعقابه وناره. وقال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، فقيام أهل العلم المخلصين في قيامهم، والسجود، أهل العلم المخلصين في سجودهم، وفي أعمالهم، حذرا من عذاب الله جل وعلا، ورجاء لرحمته تبارك وتعالى. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، لا يستوي العالم والجاهل، بهذا عالم قد من الله جل وعلا عليه بالعلم الشرعي، وذاك جاهل، فلا يستوي جاهل بعالم، حتى بين الحيوانات، فالكلب المعلم أفضل من الكلب الجاهل غير المعلم. الله جل وعلا ميز حتى بين الكلاب المعلمة والكلاب غير المعلمة، فقال جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، فالكلب المعلم الذي يعلمه صاحبه في الصيد، فإنه لا يمسك الفريسة لنفسه، وإنما يمسكها لصاحبه، فهذا كلب معلم، أحل الله جل وعلا صيده، فصيد الكلب المعلم حلال، لماذا؟ لأنه كلب معلم، لا يهجم على الفريسة إلا بأمر صاحبه، إذا أرسله وطلب منه أن يهجم على الفريسة هجم عليها، وصاحبه يذكر اسم الله جل وعلا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل». أما هذا الكلب الذي يهجم على الفريسة من نفسه، ويعتدي على هذه الفريسة التي لم يذكر اسم الله جل وعلا قبل افتراسها وقبل صيدها، فهذه الذبيحة حرام لا تحل. فانظروا كيف فرق الله جل وعلا بين الكلاب المعلمة وغير الكلاب المعلمة، فحل الله صيد الكلب المعلم، ولم يحل صيد الكلب غير المعلم الجاهل. وهكذا لا يستوي الجاهل بالعالم، كما لا يستوي البرد والحرور، وكما لا يستوي الظلام والنور، فالظلام ظلام، والنور نور، والجاهل ظلام، والعالم نور. فالله، فالله سبحانه وتعالى أثنى على أهل العلم في هذه الآية. وهكذا الله تبارك وتعالى أثنى على العلماء، وبين أنهم أهل عقل لكلامه جل وعلا، ولأمثاله المضروبة في كتابه الكريم، في سنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فإن الأمثال المضروبة في كتاب الله عز وجل، في سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، لا يعقلها كل أحد، ولا يفهمها كل أحد، وإنما الذي يفهمها، والذي يعقلها، هم أهل العلم، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. كان بعض السلف إذا قرأ مثلا في كتاب الله جل وعلا ولم يفهمه بكى، فيقال له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأنني لم أعقل هذا المثل الذي ضربه الله جل وعلا في كتابه، إذا أنا لست من العالمين، لست من العالمين، ولست من أهل العلم، لأن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾. ومما أثنى الله جل وعلا به على أهل العلم في كتابه الكريم، بأن جعلهم هم المرجع، أمر الناس بالرجوع إليهم، وخاصة عند النوازل وعند الفتن، وأمر بسؤالهم جل وعلا، قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾، بل بالبينات والزبر، لأن أهل العلم عندهم البينات، وعندهم الأدلة التي يستدلون بها ويجيبون بها على سؤال من سألهم، فإنهم لا يجيبون عن أسئلة الناس عن طريق آرائهم، أو عن طريق عقولهم، وإنما يجيبون على أسئلة الناس مما علموا من كتاب الله جل وعلا، أو سنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وخاصة أيام الفتن ووقت النوازل، كان أوكد، أوكد الرجوع إلى أهل العلم، لأن من مسائل العلم من يعلمها كثير من أهل العلم، وهناك من مسائل العلم التي لا يعلمها إلا الخواص من أهل العلم، علماء النوازل، هؤلاء الذين ينبغي الرجوع إليهم، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فالرجوع إلى العلم أمان من الوقوع في الفتن. انظروا لما كان يرجع الناس في زمن الصحابة إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم، عند حدوث شيء من الفتن، لما ظهرت القدرية في البصرة، رحل تابعيان إلى عبد الله بن عمر، فسألوه، وأخبروه عن خروج هذه الطائفة الضالة المنحرفة الكافرة، التي أنكرت علم الله جل وعلا السابق للأشياء قبل وقوعها، وأنكرت كتابة ذلك العلم في اللوح المحفوظ، فكفرهم عبد الله بن عمر، وكفرهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم. وكذلك بعد ذلك بأزمنة أتت بعد زمن الصحابة، كان الناس يرجعون إلى أهل العلم الراسخين في العلم، فتنجلي هذه الفتن بكلام أهل العلم. وهكذا الذي ينبغي أن يستمر هذا الأمر إلى قيام الساعة، لأن الفتن مستمرة ومتتابعة، كتتابع القطر من السماء، كما بينا عليه الصلاة والسلام في حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما في البخاري ومسلم، فقد أخبر أنه يرى مواقع الفتن حول بيوت الصحابة، كتابع قطر المطر من السماء. فإذا رجع الناس إلى العلماء الراسخين في العلم، كما أمر الله، وكما أمر رسوله عليه الصلاة والسلام، لا، إنجلت، بفضل الله جل وعلا، كثير من الفتن. لكننا في هذا الزمن، نسأل الله العافية والسلامة، صار هناك من يتمرد على أهل العلم، ولا يرجع إلى أهل العلم، فيكتفي بفتوى شيخه، وفتوى عالمه الذي أخذ عنه العلم، ولم يرجع هذه المسائل المختلف فيها إلى أهل العلم، بل منهم من يقول: هم رجال ونحن رجال، وهذه المسائل نحن أعلم بها، فهي في بلادنا، وليست في بلادهم، وكأن العلم قد حصر، وتختلف الفتوى فيه من بلاد إلى أخرى، لا، الفتوى فيما يحصل في بلاد المسلمين، ينقل الخلاف، وتنقل المسألة المختلف فيها، فيجيب عنها أهل العلم، خاصة المسائل التي حصل فيها التبديع من البعض للبعض الآخر، في أمور مثلا حصلت جديدة، واستجدت، حكم على من فعلها ومن قام بها بأنه قد ابتدع في دين الله جل وعلا، وسارع في الحكم بالابتداع، كان الواجب الرجوع إلى أهل العلم، وطرح مثل هذه الأمور التي استجدت وظهرت، وعملها بعض الأفراد أو بعض الجماعات، فهل هي مما تخرج أصحابها من دائرة أهل السنة والجماعة، أم هي من الأمور التي يسوغ الاختلاف فيها؟ فهم علم، هم الذين يحكمون بعد ذلك، لأنهم سينزلون هذه المنازل منزلتها التي تستحق، فإذا كانت تستحق الحكم على أصحابها بالابتداع في الدين، فإنهم سيحكمون بالبدعة، وإن كانت هذه الأمور لا تستحق أن يحكم على من وقع فيها بالبدعة، فإنهم سيقولون: هذا مما لا يخرج من دائرة أهل السنة والجماعة، وقد ينصحون بشيء من النصائح التي يرون فيها الخير، أو ترك بعض الأمور التي لا داعية لها، وما دام المسلم في فسحة منها، وما دام أنها قد تسبب شيئا من الأمور، والناس في فسحة منها، فهذا هم الذين يقررون ذلك، وعلى الناس أن يستمعوا لأهل العلم. فالله جل وعلا لما أمرنا بالرجوع إلى العلم، إنما لأجل أن نستمع إلى كلامهم، وأن نقبل وصاياهم، وأن نقبل صوابهم، وأن نقبل أحكامهم، لأنهم أهل الحل، وهكذا العقل، الذين الله عز وجل أرجع إليهم الأمور، خاصة مثل هذه الأمور التي لا يجوز لأي أحد أن يتسرع في الحكم فيها، والشروع فيها، ويسابق أهل العلم. لكن كما سبق، نحن في زمن حصل التقصير فيه، والتفريط واضح في الرجوع إلى العلم، في مثل هذه المسائل العظيمة، ولذلك كثر الشقاق، وكثرت الاختلافات، وحصل التهاون في الحكم بالتبديع، أو بالتحزب، في حق أشخاص لا يستحقون أن يحكم عليهم بالبدعة، ولا بالحزبية، وغير ذلك، وكل هذا مما هو مخالف لأمر الله جل وعلا، ومخالف لأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، بالرجوع إلى أهل العلم. إذا كان الصحابة، منهم عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، لما سمع البعض يقول: طلق النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، هكذا شاع هذا، شاع هذا، أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق نساءه، نساءه، فذهب عمر رضي الله تعالى عنه، أرضاه، واستأذن الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أذن له، قال: يا رسول الله، هل طلقت نساءك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا من الذين يستنبطون. انظر، وهو عمر الفاروق، لم يقبل ما سمع، ما شاع بين الناس. لكن اليوم، بمجرد شيوع خبر وإشاعة، فالناس يتناقلونها، وينشرونها، ولا يتريثون في نشرها، وانتظار كلام أهل العلم فيها، وهذا نذير شر، إذا استمر التقصير، وإذا استمر التفريط، وإذا استمر التهويل في الناس، من عدم الرجوع إلى أهل العلم، فإن هذا يسبب الفتن والقلاقل، ويخشى بعد ذلك أن يحصل القتل والقتال، والتبديع، واستحلال الدماء، دماء المسلمين، وأموال المسلمين، سبب فتاوى يفتيها من قل خوفه من الله جل وعلا، ويتسرع في أحكامه الجائرة على أهل الإسلام، قبل أن يرجع إلى من هو أعلم منه، وسؤال من هو أعلم منه، قبل أن يصدر هذه الأحكام بالكفر، أو بالتبديع، أو الفسق، أو الحزبية، وغير ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أثنى على أهل العلم في أحاديثه كثيرة، أثنى على العلم وأثنى على أهله، فهذه الدنيا، قال عليه الصلاة والسلام: «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها، إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما، أو متعلما»، فهذا الذي استثناه النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ومن هؤلاء العلماء. والنبي صلى الله عليه وسلم بين فضلا العلماء، قال عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: «وفضل العلماء كفضلي على أدناكم، كفضلي على أدناكم». وهكذا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أثنى على العلم، وذكر أن الله، وذكر أن الله جل وعلا يصلي على العلماء، والملائكة يصلون على العلماء، وأهل السماء وأهل الأرض، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير، وإن أهل السماء وأهل الأرض، حتى النملة في جحرها، حتى الحوت في الماء، ليصلون على معلم الناس الخير». وهكذا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه سلم قد بين فضل العالم، وفضل العلماء على العباد، قال عليه الصلاة والسلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، على سائر الكواكب». وقال عليه الصلاة والسلام: «وإن الأنبياء، وإن الأنبياء، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر». فالعالم فضله عظيم على الأمة، كفضل القمر على سائر الكواكب، ترون القمر لما يكون بدرا، كيف يضيء بنوره على هذه البسيطة، فكم ينتفع الناس بهذا الضوء، بخلاف الكوكب، فإن ضوءه محصور على نفسه. وهكذا العابد، وهكذا العابد، قاعدته محصورة على نفسه، وعبادته محصورة على نفسه، ونفعه قاصر على نفسه، يصوم ويصلي، ويحج، ويقرأ القرآن، نعم، هذه أعمال وعبادات جليلة، أعمال وعبادات جليلة، لكن هي ليست كعبادة العلماء لله جل وعلا، فإن عبادة العلماء لله جل وعلا: الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، والصدقات، وهكذا العلم، تعليم العلم، العلم للناس، إفتاء الناس، إرشاد الناس، نصح الناس، تحذير الناس من الشرك، تحذير الناس من البدع، تحذير الناس من المنكرات، الدعوة إلى التوحيد، الدعوة إلى السنة، الدعوة إلى الطاعة، إلى الخير، إلى المعروف، الدعوة إلى لزوم منهج السلف الصالح، الصحابة، والتابعين لهم بإحسان. وهكذا فنفعهم متعدد، كنفع القمر، ولذلك العلماء سبب لحياة الناس، سبب لحياة الناس، كما أن الغيث سبب لحياة الأرض. ونكمل إن شاء الله بعد الأذان. ﴿الله أكبر، الله أكبر﴾، ﴿أشهد أن لا إله إلا الله﴾، ﴿أشهد أن محمدا رسول الله﴾، ﴿حي على الصلاة﴾، ﴿حي على الفلاح﴾، ﴿الله أكبر، الله أكبر﴾، ﴿لا إله إلا الله﴾. أما بعد، فكما سبق، حياة العلماء حياة للناس، وموت العلماء موت للناس، وشرخ في الإسلام، كما قال الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى: «موت العالم ثلمة في الإسلام»، والثلمة هو الشرخ، وهو الشق، كما في مختار الصحاح، فموت العالم نقص وذهاب شيء من الأرض، ولذلك فسر بعض المفسرين قول الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، فسروا ذلك بموت العلماء، فموت العالم نقص وذهاب شيء من أرض الله جل وعلا. ولذلك قال القائل: الناس تحيا إذا ما عاش عالمها ** متى يمت عالم يمت طرف كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها ** فإن أبى حل في أكنافها التلف الغيث حياة للأرض، به تحيا الأرض، والعلماء حياة للناس، حياة لقلوبهم، حياة لزكاة قلوبهم ولطهارتها، حياة لسلامة عقيدتهم، حياة لسلامة منهجهم، حياة لسلامة عباداتهم، لأنهم يعلمونهم التوحيد والعقيدة الصحيحة التي ينبغي أن يعتقدها المسلم في ربه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وغيرها من أمور الغيبيات، ويعلمونهم كيف يؤدون العبادات صحيحة لله جل وعلا، من صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وغير ذلك، ويعلمونهم معاملاتهم، المعاملات الصحيحة التي ينبغي أن يتعاملوا بها في بيعهم وشرائهم، وما يتعلق بالأصناف الربوية، كيف يكون التعامل معها، من وجوب التقابض والتماثل، وغير ذلك. العلماء هم الذين يبينوا للناس هذا، من الذي يعلم الناس العقيدة؟ من الذي يعلم الناس العبادات؟ من الذي يعلم الناس المعاملات؟ من الذي يفتي الناس فيما يستجد في حياتهم من أمور؟ من الذي يفتي الناس فيما يتعلق بأنكحتهم، وأمور طلاقهم، ورجعتهم، وغير ذلك؟ من الذي يفتي الناس فيما يتعلق بحقوق الزوجات، أو الأزواج، أو حقوق الأولاد، حقوق الوالدين، وغير ذلك من هذه الحقوق؟ من الذي يحاضر الناس؟ من الذي يخطب الناس؟ من الذي يؤلف للناس؟ إنهم العلماء. انظروا إلى كتب العلماء التي أُلِّفت، وألَّفها علماء الإسلام، من قديم الزمان إلى يومنا هذا، ألَّفوا هذه المؤلفات، سهر الليالي، كم بدلوا منهم، من قطع الفيافي والقفار، لأخذ حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، منهم من كان لا يأكل إلا الطعام القليل، لأجل أن يستفرغ وقته في تأليف هذه الكتب، عاشوا للناس، العلماء لم يعيشوا لأنفسهم، العلماء لم يعيشوا لأنفسهم، إنما عاشوا لأجل الناس، أفنوا أعمارهم، تعبوا وسهروا، ليسعد الناس، ليأمن الناس على أعراضهم، ليأمن الناس على أموالهم، ليأمن الناس على أنفسهم، ليعيشوا عيشة كريمة، ليحيوا حياة طيبة سعيدة. كم بفتوى العلماء، دفع الله جل وعلا عن أمم من العذاب، وكم برحلة أهل الحديث، رفع الله جل وعلا من عقوبات لا يعلمها إلا الله جل وعلا. فالعلماء، وجود العلماء بين ظهراني الأمة، وجود الخير، وجود الأمن والأمان، فلذلك علينا أن نعرف لأهل العلم منزلتهم، وكذلك مكانتهم التي حباهم الله جل وعلا بها. وموت العلماء قبض للدين، موت العلماء قبض للدين، فإن هذا الدين يقبض، وقبض هذا الدين بقبض العلماء، لا بانتزاع العلم من صدورهم، لا بانتزاع العلم من صدورهم، بل العلم يبقى في صدورهم، ويدخل معهم القبر، وتدفن معهم علومهم، تدفن معهم في قبورهم. ولما مات عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وأرضاه، قال بعض التابعين: «دفن اليوم علم كثير، دفن اليوم علم كثير»، لأن العلم في صدور العلماء، العلم في صدور العلماء، القرآن في صدورهم، العلم في صدورهم، وهذا هو العلم النافع، العلم النافع هو الذي يكون في الصدور، لا يكون في السطور، العلم ما كان في الصدور، لا ما كان في السطور، من غير وجود له في الصدور. وكما قال بعض السلف: «ما العلم، ليس العلم ما حواه القمطر، وإنما العلم ما حواه الصدر»، ليس العلم ما حواه القمطر، أي الكتاب، وإنما العلم ما حواه الصدر. قال بعض السلف: «العلم هو ما دخل معك القبر، العلم هو ما دخل معك القبر، وما دخل معك الحمام، وما دخل معك الحمام، مكان قضاء الحاجة، هذا هو العلم الحقيقي، إذا دخلت الحمام، علمك في صدرك، إذا دخلت قبرك، علمك في صدرك». فالعلم في صدور هؤلاء العلماء، كم من علم دفن مع العلماء، مع أنهم سطروا كثيرا من العلم، ألفوا كثيرا من العلم، لكن هل قد ألفوا كل ما كان في صدورهم من العلم الذي حباهم الله جل وعلا به؟ ألفوا مؤلفات، وكتبوا الكتب التي كتبوها من حفظهم الذي في صدورهم، لكن هل هذه الكتب التي ألفوها، وهذه الكتب التي قد كتبوها، هي كل ما كان في صدورهم؟ ربما هناك كان في صدورهم من العلم الكثير الغزير، الذي لم يتسنى لهم أن يكتبوه. قد جاء هذا في بعض أقوالهم، رحمة الله تعالى عليهم، وأنهم إنما اختصروا بعض المؤلفات، فهذا صحيح، الإمام البخاري رحمه الله تعالى إنما اختصره، وإلا كذلك عنده من الأحاديث الشيء الكثير. هذا مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى، الذي جمعه بعد أن طاف العالم مرتين في جمعه، كم قد ترك من أحاديث في صدره يحفظها، ولم يكتبها. وهكذا العلماء الآخرون. ولذلك النبي صلى الله عليه وآله صحبه وسلم يقول، كما جاء في الصحيحين، في حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا، ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، في لفظة: حتى إذا لم يبق عالما، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوهم بغير علم، فضلوا وأضلوا». إذا مات العلماء، تصدر السفهاء، إذا مات العلماء، تصدر السفهاء، فأفتوا الناس بفتاوى ضالة، بفتاوى جائرة، فحصل بين الناس الشر الكثير، حصل بين الناس الاختلاف الكثير، والشقاق الكثير، فهذا ضر عظيم، ضر عظيم يترتب بموت العلماء. فلذلك موت العالم ثلمة في الإسلام، كما قال الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى، وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن قد رأينا الرويبضة، وسمعنا الرويبضة، والرؤوس الجهال، الذين تصدروا، وخاصة في هذا الزمان، في بعض القنوات، وفي بعض ما يسمى بوسائل التواصل، وغير ذلك، ليس بعالم، ليس هو إمام في مسجد، ولا خطيب في مسجد، ولا عنده حلقة علم، ولا ينشر العلم، يجلس في بيته، وعنده قناته، يلس على هذه القناة، ويتكلم بما شاء، كذا وكذا وكذا، أين هذا؟ هل تجده في بيوت بيوت الله جل وعلا؟ يدرس الناس، ويعلم الناس، ويفتي الناس، ويحاضر الناس؟ لا، إنما هو موجود في هذه القنوات، فيفتي في هذه القنوات، في هذه الفتاوى الزائغة الضالة، هؤلاء الرويبضة، الذين حذر منهم النبي عليه الصلاة والسلام، هؤلاء هم الرؤوس الجهال، الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبين أن ظهورهم يكونون بعد قبض العلماء، وعند قبض العلماء، كم ظهر من هؤلاء، بعد ما مات العلماء، من الصحابة، ظهر الجهم بن صفوان، واصل بن عطاء، وكم ظهر بعد ذلك، وإلى يومنا هذا، ظهر الرؤوس الجهال، والرويبضة، كما قال النبي صلى الله عليه وأهله صحبه وسلم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عند أبي داود في سننه، قال عليه الصلاة والسلام: «سيكون سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة، وينطق فيها الرويبضة». قالوا: ما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه، يتكلم في أمر العامة»، رجل تافه، جعله، كناه، صار يتكلم في أمر العامة، يتكلم في أمور المسلمين العظيمة، ويسابق العلماء، بل يطعن في أهل العلم، في أهل الرسوخ في العلم، الذين يعلمون المحكم من المتشابه، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فظهر هؤلاء الرويبضة، يتكلمون عن العلماء، لما مات سماحة المفتي العام لبلاد الحرمين، العالم العلم، عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ، رحمه الله تعالى، ظهر على بعض القنوات، أمثال هؤلاء الرويبضة، وأمثال هؤلاء الرؤوس الجهال، الذين يتنقصون هذا العالم، وهذا العلم، فمنهم من يقول: نسأل الله أن يغفر له نفاقه، لأن موقفه مع أهل فلسطين، أو أهل غزة، لم يكن بذلك الموقف. هذا سفيه، هذا الرويبضة، وهذا الجاهل، ماذا قدم للإسلام؟ بل تجد أن من أمثال هؤلاء، ومن هؤلاء الذين يزعمون الغيرة على أهل غزة، وعلى أهل فلسطين، وعلى أهل الإسلام، تسمع منهم هذه المقالات، ومنها أنهم يقولون: قضيتنا مع اليهود في فلسطين، إنما هي قضية أرض، إنما هي قضية أرض وطين، قضيتنا في فلسطين قضية أرض وطين، ليست قضية إسلام ودين. ثم بعد ذلك يأتي بمثل هذا الكلام، ومثل هذه الأقاويل، من قيادات الإخوان المسلمين، أو من قيادات كذلك أهل التصوف، أو من زعماء الرفض والتشيع، وغير ذلك، من قادة هذه الجماعات الضالة المنحرفة، الذين يتهمون العلماء بالعمالة، ويتهمون العلماء بالخذلان. العلماء يقولون كلمتهم، يقولون ما علموا من كتاب الله عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، لا يحكمون بالحماسات الفارغة. وهكذا كما يظن البعض أن هؤلاء هم أهل الغيرة، وإذا وجدت هؤلاء، وجدتهم بعيدين كل البعد عن التوحيد، وعن المنهج السلفي، وعن العلم الشرعي، ثم يتصدرون مثل هذه المقامات، التي يتقمصونها، يلبسون ثياب الزور، ويلبسون ثياب الناصحين، وثياب الغيورين، مثلهم كمثل الثعلب الناصح، الذي يعني، يرشد إلى الآذان، وهو ثعلب الماكر، لا يريد الآذان من الديك، ولا شيء، وإنما يريد أن يأكل هذا الديك، يريد أن يأكل هذا الديك، فيقول: مروا الديك ليؤذن فينا، هل هذا الثعلب يريد الآذان؟ لا، لا يريد الآذان، ولا يفكر في الآذان أصلا، وإنما يريد الديك، ليرتفع، يرتفع في ذلك المكان، لأجل أن يهجم عليه، وليأكله. فما أشبه هؤلاء بالذئاب، هؤلاء الذين يظهرون الغيرة على أهل الإسلام، والغيرة على كذا، ثم إذا حمي الوطيس، كانوا هم أول الفارين، فذاك فر إلى بلاد تركيا، وآخر فر إلى بلاد كذا، وتركوا الأمة تعاني الأمرين. ماذا عانى أهل الإسلام مما يسمى بربيع الثورات العربي، وهو ليس بربيع، وإنما الربيع الغربي في الحقيقة؟ ماذا أوجدوا في بلاد المسلمين من الفتن، والضعف، والذل؟ هؤلاء هم الرويبضة، هؤلاء هم الرؤوس الجهال، الذين قادوا الناس في تلك الخروجات على حكام المسلمين، فحصلت هذه الفتن العظيمة. والآن أيضا يريدون أن يفتنوا المسلمين، مع هؤلاء الدول الكافرة، كأمريكا، وروسيا، وغير ذلك، من دول الكفر، الذين يتصيدون الفرص، لينقضوا على أمة الإسلام. فهؤلاء المتهورون، وهؤلاء المتهوكون، بفتاوى هم، هذه التي تظنونها فتاوى موافقة للشريعة الإسلامية، إنما هي في الحقيقة فتاوى تهدم الشريعة، ليست فتاوى مبنية على حجة في كتاب الله، وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلذلك الحذر، الحذر، انتبهوا، بارك الله فيكم، من رأيتموه يطعن في علماء الإسلام، شطبوا عليه بالأحمر، شطبوا عليه بالشمع الأحمر، ولا تستمعوا له، ولا تجالسوه، ولا تحضروا له، مادام ما رأيتموه يطعن في هؤلاء العلماء الربانيين، العلماء الذين أفنوا أعمارهم في طلب العلم الشرعي، وفي تعليمه. هذه سياسة ماكرة من قبل أعداء الإسلام، أوجدوا في أهل الإسلام من يشكك المسلمين في علمائهم، وأول تشكيك أرادوا أعداء الإسلام أن يقع فيه أهل الإسلام، الشك في علمائهم، فإذا صار الناس يشكون في علمائهم، أين سيذهبون، وإلى من سيرجعون؟ سيرجعون إلى هؤلاء السياسيين، إلى هؤلاء السياسيين، سيرجعون إلى هؤلاء الرويبضة، سيرجعون إلى هؤلاء الرؤوس الجهال، والعياذ بالله. فلذلك لا تسهلوا، عن الشر الذي يقع فيه، وهذه قد حصلت، وظهرت، أي بوادر، ونتائج، من قد قبل مثل هذه الدعوات الباطلة، سمع مثل هذه الاتهامات، من قبل هؤلاء الذين يحاربون الإسلام من الداخل، باسم الإسلام، باسم الإسلام. فالحذر، الحذر. علماء الأمة، علماء الشريعة، ينبغي أن تكون خطوطا حمراء، كما يعبرنا اليوم، هذه خطوط حمراء، لا ينبغي الاقتراب منها، العلماء ممنوع الاقتراب منهم، ممنوع الاقتراب منهم، ممنوع الهمز واللمز فيهم، لحوم العلماء مسمومة، كما قال ابن عساكر رحمه الله تعالى، وعادة الله في حق منتقصيهم معلومة، ومن تكلم عليهم به الثلب، تلاه الله جل وعلا قبل موته، بموت القلب. وقد رأينا من، من تكلم على هؤلاء العلماء، كيف أن الله جل وعلا قد ابتلاهم بموت قلوبهم، وبكذلك قصم ظهورهم، فكم من الناس قد قصمت ظهورهم، لما تكلموا في أهل العلم، كان لهم الشأن، وكانت لهم المنزلة، فلما سولت لهم أنفسهم الكلام، والطعن في أهل العلم، كيف أصبحوا الآن، مقصومي، مقصومي الظهور، عقوبات عاجلة من الله تبارك وتع